2
لكن، ما الذي يمكن لخادمة وضيعة أن تقوله لسيّدتها، و خاصّة لسيّدة فاسدة كهذه؟
اقتربت روزالين من هيذر مباشرةً من خلفها، لكنّها كانت منشغلة الذّهن بالشّبّان اليافعين، فلم تلاحظها.
ثمّ، بعد أن فحصتها روزالين من أعلى إلى أسفل، ابتسمت ابتسامة خبيثة و دفعت كأس النّبيذ الموضوع بجانبها بلطف.
كان ذلك تصرّفًا جريئًا لم أتوقّعه أنا الواقفة بجانبها مباشرةً.
“آه، يا إلهي! ماذا أفعل!”
“كياه! ما هذا!”
عندما سمعت صوت روزالين المندهش، أدركت هيذر أخيرًا أنّ فستانها قد تلطّخ، فصعقت.
لكنّ روزالين نظرت إليها و إليّ بالتّناوب بعينين واسعتين مفزوعتين، ثمّ قالت كلامًا مثيرًا للسّخرية.
“يبدو أنّ خادمتي قد لمست الكأس عن طريق الخطأ. ما العمل الآن!”
شعرتُ و كأنّ روحي تغادر جسدي.
‘هذه المجنونة فعلتها أخيرًا!’
مع ذلك، انحنيتُ بسرعة و ضربتُ جبهتي بالأرض ساجدةً. لأن المرأة التي سأعود معها إلى المنزل هي روزالين.
خلافًا لتوقّعاتي، لم ترفع هيذر صوتها بغضب.
بل إنّها فقط.
” أنتِ ، ما اسمـكِ؟”
“إ، إيما، سيدتي.”
“حسنًا، إيما. بما أنّه خطأ لا أكثر، فلن أجعل الأمر كبيرًا. إذا عوّضتِ قيمة الفستان فقط.”
“ماذا؟”
رفعتُ رأسي بحذر.
كانت هيذر تبتسم بلطف و هي ترفع زاوية فمها.
“إذا سجدت سيّدتكِ و اعتذرت، فقد أقبل ذلك الاعتذار وأنهي الأمر… لكن.”
“……”
“يبدو أنّها لا تنوي ذلك.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة ثمّ انحنت نحوي، و قالت بصوت منخفض جدًّا لا يسمعه الرّجال القريبون، كلامًا مرعبًا.
“قيمة الفستان 30 مليون غيلدن، و تعويض معنوي 20 مليون غيلدن. سأقدّم بلاغًا إلى الشّرطة أوّلًا تحسبًا لهروبكِ، لكنّني سأسحبه إذا سدّدتِ المبلغ فقط.”
ما حدث بعد ذلك كان أكثر إثارة للسّخرية. فقد تبرّأت روزالين من كلّ شيء أمام عينيّ الّلتين شهدتا كلّ شيء.
“لماذا أتحمّل مسؤوليّة فعلتكِ بينما أنتِ مَنٔ أثرتِ ضجّة؟ أمّي! اطردي هذه الفتاة!”
“لماذا تفعلين هذا، بالضّبط! أنتِ من فعلتِ ذلك، يا آنستي!”
“يا لكِ من فتاة مضحكة؟ لقد تحمّلتُ السّخرية بسببكِ!”
“ما معنى هذا الكلام ؟”
“هل أصبحت أذناكِ غير قادرتين على السمع؟ قالوا لي سابقًا إنّ مكياجي ريفيّ و قاموا بإهانتي!”
إذن، بسبب غيظها من ذلك، ألصقت التهمة بي؟ ما هذا الوضع التعيس؟
في تلك اللّحظة بالذّات، اقتحم رجال الشّرطة المكان.
“المحقّق غريك نورمان، مسؤول عن الجرائم البسيطة. جئنا بحثًا عن الآنسة إيما هامبتون بناءً على بلاغ الآنسة هيذر دارتمو. هل هي خادمة هذا المنزل؟”
أجابت السّيّدة تيسيس على سؤالهم برفض رأسها.
“لا. لقد طردتُها للتوّ.”
“سيّدتي!”
“سأمنحكِ وقتًا لجمع أغراضكِ. إذا أثرتِ ضجيجًا أكثر، ستزداد تهمكِ.”
لا أتذكّر جيّدًا كيف جمعتُ أغراضي و تمّ جرّي إلى مركز الشّرطة.
عندما رفعتُ رأسي المذهول، وجدتُ نفسي في زنزانة ضيّقة محجوبة بقضبان حديديّة.
في الطّريق، شرح لي الشّرطيّ بلامبالاة.
“مهلة التّعويض أسبوع واحد، و إذا لم تسدّدي المبلغ في المهلة، ستخضعين لمحاكمة رسميّة و تنقلين إلى سجن آخر.”
“كيف أجمع المال و أنا في الاحتجاز؟”
“عبر معارفكِ، بالطّبع. إذا أبديتِ بعض الجدّيّة، يمكن إطلاق سراحكِ بكفالة مؤقّتة.”
كان يقول ذلك و هو يبدو مقتنعًا بأنّني لن أسدّد المبلغ.
من أين لي بمعارف في هيرونا الّتي زرتُها لأوّل مرّة في حياتي، و كيف لخادمة ريفيّة أن تجمع 50 مليون غيلدن في أسبوع؟
كان الوضع يائسًا.
قال إنّه إذا لم أعوّض، فمن المحتمل جدًّا أن أحكم بخمس سنوات من الأشغال الشّاقّة.
‘خمس سنوات على شيء لم أفعله…’
بالإضافة إلى ذلك، سيُرسم خطّ أحمر على وثيقة هويّتي، ممّا يعني أنّني لن أجد عملًا شريفًا بعد الإفراج عنّي.
كنتُ أضحك بلا سبب.
لا أصدّق أنّ العالم يدور بهذه الطّريقة.
يبدو وكأنّ أحدهم يمزح معي، لكنّ ذلك مستحيل.
‘هل هذا منطقيّ؟’
مقابل كل تلك السّنوات الّتي قضيتُها في الانحناء و خدمة تلك الفتاة اللّعينة، هل سيكون جزائي السّجن؟
شعرتُ بالظّلم و الغضب و الاختناق. لو استطعتُ، لأمسكتُ بشعر روزالين و هززته بعنف. بل إنّ قتلها هو الّذي سيريح صدري.
لكنّ بعد مرور ثلاثة أيّام، خمدتْ سمومي، و بعد خمسة أيّام، أصبح لوم الآخرين يبدو عديم الفائدة.
‘مهما كافحتُ، فمصيري هو السّجن، لماذا عشتُ بكلّ هذا الاجتهاد؟’
إذا قضيتُ خمس سنوات في السّجن و خرجتُ، فماذا بعد؟ أيّ مستنقع آخر ينتظرني؟
هل هناك سبب لأستمرّ في عيش حياة تنتقل من الأسوأ إلى الأسوأ؟
“اللّعنة. لا يوجد سوى حلّ واحد.”
في تلك الزنزانة الضيّقة الّتي بالكاد تسع شخصًا واحدًا، توصّلتُ أخيرًا إلى أنّني يجب أن أموت.
لكنّني لم أرد أن أنهي حياتي بهذه البؤس.
فصلتُ نصف المال المخبّأ بعناية في حقيبتي، ثمّ ناديت على الشّرطيّ المسؤول.
“الرّقيب نورمان. أريد تقديم طلب كفالة ليوم واحد فقط. قلتَ أنّ الكفالة ممكنة إذا وجدتُ طريقة لسداد الدّين، أليس كذلك؟”
“ماذا؟ من أين سيأتي المال الّذي لم يظهر حتّى الآن؟”
“سأطلب من البارون تيسيس استعارة بعض المال أوّلًا، و إذا فشلتُ… سأبيع نفسي في حانة في الزّقاق الخلفيّ. مهما فكّرتُ، فذلك أفضل من السّجن.”
ثمّ دفعتُ حزمة النّقود خلسة تحت يده.
نظر الرّقيب نورمان إلى الأسفل ليُقدّر سمك الحزمة، ثمّ سعل بشكلٍ مصطنع. حتّى بعد خصم الكفالة، كان ذلك أكثر من راتبه الشّهريّ.
“حسنًا، من هذه اللّحظة بالذّات، لكِ 24 ساعة فقط. إذا لم تعودي بحلول السّاعة السابعة مساءً غدًا، سأصدر أمر قبض. العثور عليكِ أمر سهل!”
عند دخولي هيرونا، كان هناك ضمان من البارون و البارونة، فلم يكن هناك صعوبة، لكنّ الآن من أجل أن تنتقل عامية مثلي إلى مكان آخر، يجب الحصول على شهادة من مركز الشّرطة أو مكتب آخر تفيد بعدم كوني مطلوبة.
إذن، أنا في النّهاية مجرّد فأر في فخّ.
مع ذلك، احتجازي تحت ذريعة خطر الهروب ليس سوى تمييز ضدّ العامّة.
أنفقتُ أكثر من نصف ثروتي الّتي جمعتُها بصعوبة على حرّيّة يوم واحد، لكنّني لم أندم.
فحتّى لو تضاعف ذلك المبلغ، لن يكفي لسداد التّعويض، إذ كان 8 ملايين غيلدن فقط.
‘سأقضي أفضل يوم في حياتي.’
حملتُ حقيبتي و خرجتُ من مركز الشّرطة، ثمّ استأجرتُ غرفة في نزل متواضع.
في تلك اللّيلة، طلبتُ أغلى طعام في النزل، و دفعتُ مبلغا إضافيا للحصول على ماء للاستحمام.
شعرتُ أنّ هذه هي المرّة الأولى الّتي أعيش فيها براحة تامّة من أجل نفسي فقط.
* * *
كنتُ أنوي النّوم متأخّرة، لكنّ العادة الرّاسخة في جسدي جعلتني أفتح عينيّ في السّاعة السّادسة صباحًا.
مع ذلك، تمدّدتُ بكسل لفترة طويلة ثمّ نهضتُ متأخّرة، أكلتُ الفطور، تهيّأتُ، ثمّ خرجتُ من الغرفة.
تجوّلتُ في شوارع هيرونا دورة كاملة بينما أشاهد رفع السّتائر في واجهات المحلّات و تنظيف الموظّفين بمكنسة ريش النّعام.
كانت منطقة تجمّع محلّات الخياطة الّتي تستهدف العامّة الأثرياء أو النّبلاء الدّنيا.
بعد أن أنهيتُ الجولة، دخلتُ بحذر محلّ الخياطة الّذي أعجبني أكثر حيث كان الفستان الّذي أعجبني معلّقًا.
“عفوًا، هل يوجد أحد؟”
عبستْ موظّفة المحلّ قليلًا عند رؤية مظهري.
“ماذا تريدين؟”
“عذرًا، كم سعر الفستان المعلّق في الواجهة؟”
الآن أصبح تعبيرها علنيًّا مشكّكًا.
“قد يكون ذلك باهظًا جدًّا عليكِ لشرائه.”
“أنا مرسلة من الآنسة روزالين تيسيس، ابنة البارون تيسيس. هل تحتاجين إلى تفسير إضافيّ؟”
عندما أبديتُ بعض الضّيق و التّذمّر، أجابتْ أخيرًا على سؤالي.
“إذا كنتِ تقصدين الّذي في الواجهة، فهو 5 ملايين غيلدن.”
بسبب تفكيري المستمرّ في تعويض الـ50 مليون غيلدن، بدا الـ5 ملايين مضحكًا. كان في جيبي 7 ملايين غيلدن فقط.
“أعطيني إيّاه.”
مع هذه الكلمات، أشرق وجه الموظّفة فجأة.
“هل تحتاجين جوارب أو قفّازات؟ لقد وصلت للتوّ قفّازات دانتيل…”
“لا. الآنسة قالت اشتري الفستان فقط.”
رغم أسفها، أخرجت الفستان الّذي أشرتُ إليه و عبّأته بعناية.
فستان معبّأ في علبة، هذه المرّة الأولى في حياتي.
دفعتُ الثّمن و خرجتُ من المحلّ.
ثمّ اشتريتُ أحذية تتناسب مع الفستان، و ملابس تحته، و حقيبة، و دبابيس شعر، واحدًا تلو الآخر.
مع ذلك، بقي في حوزتي حوالي 700 ألف غيلدن.
“حسنًا. اليوم سأعيش بأكثر ترف ممكن.”
حملتُ عدّة علب بصعوبة و عُدتُ إلى النزل، ارتديتُ الملابس الجديدة و الفستان، و وضعتُ مكياجًا بعناية.
بعد وقت طويل من تزيين وجهي، ابتسمتُ.
هذه المرّة الأولى الّتي أتزيّن فيها من أجلي فقط.
خلعتُ أيضًا الشّعر المستعار البنيّ الّذي كنتُ أرتديه دائمًا لأنّ لون شعري مشابه لشعر روزالين.
كانت روزالين لا تتحمّل أن تبدو خادمة مشابهة لها و لو قليلًا. تدفّق شعري الأحمر الكثيف الّذي كان محبوسًا في شبكة الشّعر.
‘كنتُ أعاني كلّ ليلة من حكّة في رأسي.’
الآن انتهى ذلك.
بعد تمشيطه عدّة مرّات حتّى أصبح ناعمًا، رفعته و ربطته بأناقة و ثبّتّه بدبّوس، فبدوتُ كآنسة نبيلة إلى حدّ ما.
عندما حدّقتُ في المرآة، شعرتُ بشعور غريب.
‘بالتّأكيد ، أنا أشبه روزالين حقًّا.’
التعليقات لهذا الفصل " 2"