في صباح اليوم الثاني من وصولي إلى تيسيس، جاء رجل ذو مظهر مخيف يبحث عنّي.
قال غلين إنّه يبدو شخصًا غريبًا و سيطرده، لكنّني سمحتُ بالزيارة و أمرته بإحضاره إلى مكتبتي.
كان شخصًا أعرفه.
“كيف كان الأمر؟”
عند سؤالي، أجاب الرجل بسخرية و هو يضحك من أنفه.
“أيّ لصوص هؤلاء؟! راقبناهم لمدّة أربعة أيّام، و لم يظهر لص واحد، بل كان الناس يمرّون بسلام تامّ.”
كما توقّعتُ.
تعاقدتُ مع هذا الرجل في مكتب القوى العاملة بهيرونا. و بتعبير شائع، فهو مرتزق.
أنفقتُ معظم الوديعة التي وجدتها في هيرونا على توظيفهم. و ذلك كدفعة مقدّمة فقط.
لكنّني كنتُ مقتنعة بأنّني سأجمع أموالًا تفوق أجورهم بكثير من خلال هذه العمليّة.
“إذا لم يكن هناك لصوص، فعلينا أن نصنع لصوصًا.”
“هل تقصدين تنفيذ الخطّة B؟”
“نعم. بدون إصابات بشريّة، و بطريقةٍ فنّيّة. أنتَ تعرف ذلك، أليس كذلك؟”
“تعرفين أنّ ذلك يكلّف مالا أكثر، أليس كذلك؟”
لا داعي لمحاولة الكلام بالقافية حتّى في مثل هذه الأمور.
على أيّ حال، أومأتُ برأسي.
بعد مرور ساعة أو ساعتين تقريبًا من مغادرته، عاد غلين من خروجه و أبلغني.
“ممثّل اتحاد التجّار يقول إنّه يريد مقابلة الآنسة اليوم بنفسه. ماذا نفعل؟”
“كلّما كان أسرع كان أفضل. وقتنا ثمين.”
لذا، في حوالي الساعة الخامسة مساءً ذلك اليوم، جلستُ مقابل أعضاء اتحاد التجّار في غرفة الاستقبال في قلعة البارون.
كانت أنباء موت البارون و البارونة قد انتشرت بالفعل في كلّ تيسيس، فدخلوا بوجوه جدّيّة، قدّموا تعازيهم، ثمّ جلسوا.
لكنّني رأيتُ بوضوح ما يحاولون إخفاءه في قلوبهم.
‘طفلة صغيرة أصبحت سيّدة الإقليم، أليس هذا رائعًا؟ يريدون ابتلاعي حتّى النخاع.’
و كأنّني سأسمح لكم.
كما توقّعتُ، بعد كلمات قليلة حول رثاء الموتى، بدأ بيكر، رئيس الاتحاد، في التذمّر.
“أعتذر لقولي هذا في مثل هذا الظرف، لكنّ وضع المنطقة التجاريّة في تيسيس سيّء جدًّا الآن. نُشكّل فرق حراسة ذاتيّة لمرافقة البضائع من إيراندور، لكنّنا ندفع رسوم مرور كبيرة للصوص كلّ مرّة.”
إيراندور هي أقرب مدينة تجاريّة إلى تيسيس. غابة غراسيكو تقع على الطريق إليها، وهي المكان الذي مررتُ به عند هروبي من إقليم الفيكونت تيرنر.
“لهذا كنّا نعطيكم دعمًا لفرق الحراسة. وقلّلنا الضرائب مؤقّتًا أيضًا.”
“ذلك غير كافٍ. سنموت جميعًا إن استمرّ الأمر هكذا.”
بالنّسبة لشخص يقول ذلك، تبدو ملابسكَ فاخرة جدًّا، أيها العم.
لكنّهم كانوا يرونني مجرّد طفلة جاهلة بأمور العالم، فاستمرّوا في سرد الأكاذيب السخيفة.
“في المرّة السابقة، سرقوا العربات بأكملها. لهذا السبب، كان السوق خاليًا من البضائع لفترة.”
“إذا لم تتمكّن فرق الحراسة من صدّ الصوص رغم الدعم، فما الحاجة للحفاظ عليها؟”
“آه، هاها! المرّة السابقة التي أتحدّث عنها كانت قبل تشكيل الفرق.”
“إذن الآن الأمور بخير. ما المشكلة إذن؟”
يبدو أنّهم لم يتوقّعوا أن أصدهم هكذا. كانوا يتبادلون النظرات بسرعة.
“أ، أعني أنّ الصوص رأوا فرقنا فجلبوا المزيد من الرفاق.”
“صحيح! إن استمرّ الأمر، سيسرقون كلّ شيء و سيصبح وضع تيسيس سيّئًا جدًّا.”
“ماذا لو انتشرت إشاعة أنّ الحياة أصبحت صعبة فور تولّي الآنسة المنصب الجديد؟”
‘آه، منذ متى كنتم قلقين عليّ إلى هذا الحدّ؟’
كتمتُ سخريتي بصعوبة و أومأتُ برأسي.
“إذن، تريدون أن أجلب قوّات للقضاء على الصوص بنفسي؟”
“ل، لا، لا! كيف نُحمّل الآنسة مثل هذا العبء؟ أنتِ متعبة بالفعل من الأحداث الأخيرة.”
“إذن ماذا تريدون؟”
“سنحاول تجنيد المزيد من الرجال. لذا، قومي بزيادة الدعم، و تأجيل موعد دفع الضرائب قليلًا…”
كم يطيلون في قولهم إنّهم يريدون ابتلاعي.
حدّقتُ بهم مليًّا و أطلتُ الصمت.
و عندما طال الصمت بدأوا يتوترون، لكنّهم لم يتراجعوا. بالتأكيد، يظنّون أنّ خداع فتاة في العشرين من عمرها أمر تافه.
“حسنًا.”
قلبتُ صفحات السجلّ الذي أعطاني إيّاه غلين و قلت.
“سأسحب من الأموال الاحتياطيّة في قلعة البارون و أعطيكم إيّاها كدعم لفرق الحراسة.”
“ماذا؟”
الذي تفاعل كان غلين. لم يستطع منعي مباشرة أمام اتحاد التجّار، ففتح فمه فقط دون كلام.
على العكس، انتشرت الابتسامات على وجوه التجّار.
‘لا تقلق، أيها العم غلين. سأصلح أخلاق هؤلاء الأشخاص جيّدًا’
“لكن هناك شرط.”
“شرط؟ تفضّلي، يا آنسة.”
“بعد كلّ هذا الدعم، سيتم ضمان عدم تعرّض البضائع للسرقة في الغابة. لذا، سيبقى موعد دفع الضرائب في النصف الثاني كما هو. و كذلك معدّل الضريبة.”
“ماذا؟ ه، هذا…”
“لماذا؟ هل تخطّطون لعدم دفع الضرائب إلى الأبد؟”
“م، مستحيل، كلا!”
“أعرف كم مرّة تساهل أبي معكم. لكن هذه آخر فرصة.”
أغلقتُ السجلّ بقوّة.
“إن كنتم تتذمّرون رغم كلّ هذا التساهل، فذلك يعني عدم كفاؤتكم. و ليس لديّ أيّ رغبة في التكيّف مع أشخاص غير كفؤين.”
ابتسموا ابتسامات مزيّفة و هم غير قادرين على إخفاء استيائهم تمامًا.
كم سيستمرّون في إظهار هذه الوقاحة؟
‘هل تحاولون سرقة أموالي؟ لن أسمح لكم.’
عند خروجي من غرفة الاستقبال، شددتُ على شفتيّ لأكتم السخرية.
لقد ارتفع ستار المسرحيّة التي أعددتها لهم.
* * *
“تحاول التصرّف كبارونة دون أن تعرف شيئًا!”
“يجب أن ننظر إليها بطريقة لطيفة. أنا أرحّب بفكرة أن تصبح الآنسة روزالين بارونة.”
“آه، أتمنّى أن تتزوّج متأخّرة. هاهاها!”
كان مسؤولو اتحاد التجّار الذين خرجوا من قلعة البارون تيسيس يمدحون أنفسهم على إنجازهم هذه المرّة أيضًا.
كان آدم تيسيس كسولًا و سهل التأثّر، فكان رائعًا لهم حتّى الآن، و الآن أصبحت روزالين الأكثر غباءً سيّدة الإقليم، فمن الواضح أنّ أرباحهم ستزداد أكثر.
“لنأخذ حصتنا ثمّ نقسّم الباقي بالتساوي.”
“بصراحة، يجب أن نزيد حصتنا. الآخرون يجنون الربح و هم جالسين بفضلنا.”
“صحيح. لنرفع نسبتنا هذه المرّة. و إن اشتكى أحدهم، سنطرده من الاتحاد.”
كانوا يفكّرون في زيادة حصصهم من المال المجاني حتّى، و هم ينزلون.
بعد يومين، سيذهبون لشراء بضائع من إيراندور، و لم يكونوا قلقين بشأن ذلك البتّة. لم يظهر لصوص في غابة غراسيكو من قبل، و لم يُسرق منهم شيئ قطّ.
“آه، كم سنستثمر في عملية الشراء هذه؟”
عند سؤال بيكر، هزّ الآخرون كتفيهم و أجابوا.
“الكثير. لدينا المال الذي تلقّيناه اليوم، لذا سأستورد المزيد من الأقمشة.”
“أنا أيضًا سأنفق كثيرًا هذه المرّة. موسم حصاد القمح قريب، و سيزداد إنفاق الناس.”
“إذن، هل نأخذ عربة راندولف أيضًا؟”
“يبدو أنّ ذلك ضروريّ.”
كان الجميع يضحكون بصوت عالٍ و هم منتفخون بأحلامهم في الربح الكبير.
لكنّ أحلامهم السعيدة تحطّمت تمامًا في طريق العودة بعد تحميل البضائع من إيراندور.
“ل، لصوص! لصوص!”
قبل أن تصل الصرخة من مقدّمة القافلة إلى المؤخّرة، أحاط رجال ملثّمون بالتجّار.
لم يكن عددهم كبيرًا، لكنّ أسلحتهم و أجسامهم و الهالة التي يبعثونها كانت تدلّ على أنّهم محترفون.
“يا إلهي، قيل إنّه إذا انتظرنا في غابة غراسيكو، ستأتي الفريسة بنفسها، و كان ذلك صحيحًا؟”
“م، من أنتم؟”
عندما صاح بيكر بجرأة، سخر قائد الصوص.
“مَن نحن؟ ألا ترى ذلك بنفسكَ؟ يبدو أنّكم عشتُم بسلام حتّى الآن؟”
سُمع أصوات شهقات الخوف من هنا و هناك في القافلة.
كأنّه سمع ذلك، تقدّم شخص يبدو نائب القائد و قال بلطف.
“لا تخافوا كثيرًا. نحن لسنا أشرارًا. إن أبديتم النوايا الحسنة، سنعاملكم بلطف.”
كان يقصد دفع رسوم المرور.
كان في القافلة حرّاس أيضًا، لكنّهم لم يكونوا مقاتلين محترفين. مجرّد شباب من الحيّ استُؤجروا للعمل أيضًا.
كان خصومهم يحركون سيوفهم الحادّة في أيديهم كأنها لعب، فهم لصوص محترفون، و من الواضح أنّ مَنٔ سيفقد حياته في قتال هنا هم التجّار.
أخرج بيكر ما تبقّى من نقوده بدموع من دم.
“ه، هنا! هذا هذا كلّ ما لدينا. خذوه و اتركونا!”
لكنّ قائد الصوص الذي أخذ كيس النقود نظر فيه ثمّ رفع رأسه ضاحكًا باستغراب.
“هل أنتَ تمزح؟”
“ليس مزاحًا، هذا كلّ ما لدينا حقًّا!”
“لماذا هذا كلّ شيء؟ ما كلّ هذه البضائع في العربات إذن؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"