1
في زاوية غرفة قديمة داخل دار الأيتام.
كان هناك لحاف بالٍ ملتف على شكل كرة، يرتفع ويهبط باضطراب.
من داخل ذلك اللحاف، كانت طفلةٌ صغيرةٌ تَلهثُ بصعوبةٍ.
وجهها أحمر قانٍ، مغطّى بالدموع والمخاط من كثرة البكاء.
“هيئنگ، هيئوووئنگ. سومــ آغ.”
أمام الطفلة، كانت هناك قطة سوداء داكنة ملتفة على نفسها.
اسم الطفلة هان مو-آ. واسم القطة سومي.
حتى عينَيْ مو-آ الصغيرة كانتا قادرتين على رؤية أن حال سومي سيئة بوضوح.
“أستاذة، لماذا لا يمكن؟ سومي مريضة! يمكننا أن نأخذها إلى المستشفى…!”
“مو-آ، أنا آسفة جدًا…”
لم تستجب مديرة الدار لطلبهم بأخذ سومي – قطة الفناء – إلى عيادة بيطرية.
رغم أنها لم تتجاوز الخمس سنوات، كانت مو-آ ذكية بما يكفي لتفهم أن السبب هو المال.
فقد سمعت مرات عديدة البالغين يقولون “المشكلة هي المال” كلما حدثت مشكلة.
هذه المرة… ليتها تستمع إليّ قليلاً.’
بالطبع، من الضروري الاعتناء بالعدد الكبير من الأطفال في الدار، لكن مو-آ – الطفلة الهادئة التي تسمع الكلام وتتصرف بلباقة – كانت غالبًا ما تُهمل مقارنة بالأطفال المشاغبين.
“مو-آ هي الأكبر في الدار.”
عندما يأتي طفل جديد.
“مو-آ طيبة، فهي تفهم، أليس كذلك؟”
لأن مو-آ متفهمة جدًا.
لكل تلك الأسباب المختلفة، كانت مو-آ تجلس وحدها بهدوء في زاوية الفناء، والشخص الوحيد الذي يبقى إلى جانبها دائمًا هو سومي.
“إذا اختفت سومي، سأبقى حقًا وحدي. أكرهُ ذلك…”
ما إن تمتمت بهذا حتى ارتجفت مو-آ.
مجرد قول كلمة “وحيدة” جعل الأمر يبدو أكثر رعبًا.
بينما كانت تبكي بشدة، تركت بقعًا دائرية داكنة على اللحاف.
سومي كانت دائمًا صديقة مو-آ.
قيل إنه عندما عُثر على مو-آ رضيعة عارية أمام باب الدار، كانت سومي جالسة إلى جانبها تحرسها وتدفئها بجسدها.
منذ ذلك الحين، أصبحت سومي قطة فناء الدار، وصديقة مو-آ الوحيدة، بل وأمًا أخرى لها.
في الليالي التي تحلم فيها مو-آ حلمًا حزينًا بأم مجهولة تركتها أمام الباب،
كانت سومي – لا يُعرف كيف – تدرك ذلك، فتخدش النافذة من الخارج بقوة، ثم تقفز إلى الداخل، وتلحس جبهتها وخديها وباقي وجهها بلغة خشنة.
كأنها تطهّر جرح الرفض وتعقّمه.
كانت سومي كل شيء بالنسبة لمو-آ.
“أريد أن أبقى مع سومي. لا تموتي، سومي…”
بكت مو-آ حتى بحّ صوتها وهي تتمنى التمني بشدة، ثم أغمضت عينيها المتعبتين ببطء.
[هل ستكونين حقًا معي دائمًا؟]
في حلم مو-آ النصف نائم، سُمع صوت نقي ورنان بشكل خافت.
نعم.
لا أريد أن أكون في مكان لستِ فيه.
أمسكت مو-آ بقدم سومي الناعمة بقوة.
[حسنًا. من الآن فصاعدًا، سنبقى معًا.]
* * *
‘رطب…’
شعرت برطوبة باردة قرب رأسها وجبهتها.
“هينگ، كفى…”
ضحكت مو-آ ضحكة خفيفة وعيناها لا تزالان مغمضتين.
“هيهي، أنتِ سومي، أليس كذلك؟ كفي…”
وما زالت غير مستيقظة تمامًا، لوّحت بيدها في الهواء، ثم فجأة انتفضت ونهضت من مكانها.
“سومي، هل أنتِ بخير؟!”
ثم…
كودانغ-تانغ!
سقطت على الأرض بنفس السرعة التي نهضت بها.
لحسن الحظ، تلقتها أرض ناعمة مليئة بالأوراق والتراب فلم تتألم، لكنها ذُهلت حتى الذهول.
لقد شعرت بوضوح أن شيئًا ما جذبها إلى الخلف.
أمالت رأسها مستغربة، ثم مدت يديها القصيرتين الممتلئتين إلى خلف مؤخرتها.
فإذا بها…
“هيييك؟”
ذيل كثيف كالسحابة الناعمة يتمايل!
تلمستهُ بتردد، ثم جذبت بقوة الشيء الذي يدغدغ جانبها كجزرة صغيرة،
وعندما أدركت أخيرًا أنه ذيل… وأنه متصل بجسدها،
سقطت مو-آ من الدهشة وفتحت عينيها على وسعهما.
“ذَيْل! ذيل!”
لم تستطع تهدئة قلبها الذي كان يخفق بقوة، فمدت يدها المرتجفة إلى أعلى رأسها.
خطفّ، خطفّ.
أذنان مثلثتان تتحركان كأن لهما حياة مستقلة.
لم تصرخ مو-آ، بل تجمدت في مكانها.
‘أذنان قطط!’
وبقدر ما تفاجأت الطفلة، انتفخ الذيل الوردي الفاتح ككرة من الزغب.
“لكن… أين نحن؟”
كانت مو-آ قد نامت بالتأكيد داخل لحافها في دار الأيتام.
لكن ما تراه الآن هو أشجار كثيفة تحيط بها من كل جانب.
أدركت أن هذا الغابة أعمق وأعلى بكثير من التلة الخلفية للدار.
“…حلم؟”
وما زالت ملقاة على الأرض، مسحت جبهتها الرطبة بيدها.
ظنت أن سومي تلحسها، لكنها كانت قطرات ندى تساقطت من الأشجار.
“…سومي، أين أنتِ؟”
نادت الطفلة صديقتها بصوت مليء بالقلق وهي تنظر حولها.
‘أين هذا المكان؟’
ما إن أدركت أنها وحيدة في مكان غريب تمامًا، حتى غمرت عينيها موجة من الخوف.
كان الوقوع وحيدة في غابة مجهولة أكثر رعبًا من ظهور أذنيْ وذيل قطةٌ فجأة.
‘يجب أن أجد سومي.’
لقد وعدت سومي. قالت إننا لن نفترق أبدًا.
لم تكن لتموت بهذه الطريقة. هذا ليس حلمًا من طرف واحد!
مجرد التفكير بأن سومي تنتظرها جعلها قادرة على تحمل كل هذه الغربة.
وبينما كانت تبحث هنا وهناك، سمعت صوتًا من بعيد فتبعته.
“…إذا انتظرنا، سنصل حتماً.”
“لكن يا أخي، هل هذا حقًا مناسب؟ أليس آل جين-ريونغ من أعظم العائلات؟”
“أيها الأحمق. مهما كانوا عظماء، إذا سقطت العربة من المنحدر فماذا سيفعلون؟”
كانوا مجموعة رجال يتحدثون بكلام مريب جدًا.
أرادت مو-آ أن تركض نحوهم طالبة المساعدة، لكن قلبها هبط فجأة.
كانوا أبشع الناس الذين رأتهم في حياتها.
وما زاد الأمر سوءًا هو الهالة القاتلة التي تحيط بهم وتجعل الجو باردًا.
“كك، علينا فقط أن ندحرج الصخور.”
“ومع ذلك، متى نبدأ؟”
“بعد المنعطف فقط. وعلى أي حال، لنتأكد من القتل…”
في تلك اللحظة، سُمع صوت حفيف، ثم صوت كسر غصن.
“من هناك؟!”
نظرات حادة انصبّت على مو-آ الصغيرة التي كانت تُطل فقط برأسها من خلف شجرة كبيرة.
“…طفلة في هذه الغابة العميقة؟ وذيل أيضًا… أليست من اليوكاي الأسطورية؟”
“ليس هذا المهم! ربما سمعت كل حديثنا. يجب أن نمسكها ونُسكتها فورًا!”
ارتجفت مو-آ تحت تلك النظرات الوحشية، ثم صرخت بأعلى صوتها كما تعلمت في الحضانة:
“لا! لا أريد! ابتعدوا عني!”
ثم بدأت تركض بقدميها الصغيرتين بأقصى سرعة.
“امسكوها! لا تدعوها تهرب!”
“إنها تركض نحو المنحدر الذي تمر منه العربة…! إن فاتتنا قد تفشل الخطة! أسرعوا!”
طاردوها وقد عضّوا على أسنانهم.
كان من المفترض أن يمسكوها بسرعة… لكن
على غير المتوقع، برعت مو-آ بشكل مذهل!
كأن الأذنين والذيل منحاها قدرات قطط حقيقية، فقد أصبحت خفيفة ورشيقة بشكل لا يُصدق!
قفزت فوق جذور الأشجار العالية، تفادت الصخور الخطرة، وهربت من الأيدي الخاطفة بسرعة مذهلة.
حتى أنها تفادت خنجرًا ألقاه أحدهم وراءها ثم هبطت برشاقة.
وعلاوة على ذلك، تذكرت كل كلمة قالوها بدقة رغم أنها عادة تنسى بسرعة.
عرفت على الأقل أن هؤلاء الأشرار ينوون إيذاء شخص ما.
‘يجب أن أخبر الذين يريدون إيذاؤهم. ربما ينقذونني.’
كانت تعتقد أنها قوية وذكية، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن مواجهة بالغ شرير بمفردها خطير جدًا.
في النهاية، وبينما كانت تهرب بجنون، توصلت إلى قرار واحد:
‘أبحث عن بالغ آخر وأطلب المساعدة!’
وركضت نحو الاتجاه الذي قالوا إن العربة قادمة منه، حتى لم تنتبه للمنحدر وسقطت فجأة إلى الأسفل.
“كيييياههههه!!”
بينما كانت تسقط، اهتزت عيناها بشدة وهي تنظر إلى الأرض السفلية.
شعرت بالظلم الشديد لأنها ستموت هكذا دون أن تجد سومي.
وبينما شعرت بالدموع تتطاير للأعلى، سقطت مو-آ—
“…هم؟”
بدلاً من الاصطدام بالأرض، هبطت على سطح عربة كانت تجري.
بهبوط ناعم كما تفعل القطط عندما تسقط من ارتفاع، تمامًا برشاقة.
لكن الذيل الذي كان يرفرف من الرعب ضرب سطح العربة بقوة، فطار الغطاء العلوي كله بعيدًا.
كانت قوة هائلة خرجت دون أن تدركها.
“نجوت…”
بعد أن هدأت قلبها المذعور، أدركت مو-آ أن العربة توقفت.
بل وأدركت أيضًا أنها محتضنة في أحضان شخص ما!
“من أنتِ؟ وما هذه الأذنان والذيل…؟”
“أنا مو-آ.”
فتحت مو-آ عينيها بدهشة وأجابت تلقائيًا، ثم رفعت نظرها إلى الشخص الذي يحملها.
كان رجلاً يرتدي رداءً أسود طويلاً، ينبعث منه هيبة هائلة كالجبل.
نظرت مو-آ مذهولة إلى عينيه الزرقاوين.
“عَمّي… أنتَ جين، جين سا-هون؟”
“نعم. أنا جين سا-هون. لمَ هاجمتِ عربتي؟”
“لم أهاجم…”
شعرت مو-آ بالظلم من هذا الاتهام السخيف، وبدأت تحاول شرح الموقف.
‘لكنه… هل سيصدقني؟’
ترددت للحظة.
فحتى المعلمات اللواتي ربينها منذ الطفولة كن يقلن “لاحقًا” كلما حاولت الحديث.
فكيف سيصدقها رجل غريب تمامًا يُدعى جين سا-هون؟
“تعرف…”
حركت أصابعها بتوتر.
لكن جين سا-هون لم يبدُ مستعجلاً ولم يقل “لاحقًا”.
‘هذا العم يستمع لي دون أن يقاطعني…؟’
“هناك أناس سيئون يريدون قتلك يا عمي. في المنعطف…”
وبفضل هدوئه، شجعت نفسها وروت له كل ما سمعتهـ ورأتهُ.
وبعد أن استمع إلى كل شيء، أمسك بيدها الصغيرة ووضعها على أذنها الوردية المرتجفة.
ثم ضغط يده الكبيرة فوق يدها الصغيرة، ضاغطًا على الأذن برفق.
“أغمضي عينيكِ لحظة، واضمي أذنيكِ.”
رفع جين سا-هون نظره نحو سقف العربة المكسور.
كوووووم—!
ظل صخرة عملاقة يغطي السماء بدأ يهوي نحو العربة.
التعليقات لهذا الفصل " 1"