1
استمتعوا
بداية الفصل الدراسي الجديد في روسفيلد.
تجمّع الطلّاب ازدحامًا أمام لوحة إعلاناتٍ خشبيّةٍ ضخمة.
لوّحت سونيت بذراعها وهي تشقّ طريقها سريعًا بين الجموع.
“ما هذا؟“
رمقها من دفعتهم بنظراتٍ جانبيّة.
لكن سونيت تجاهلت النظرات كلّها، ومضت لا ترى أمامها سوى لوحة الإعلانات.
اليوم الذي يعلن بداية فصلٍ جديد هو يوم صدور كشوف الدرجات.
على مدى خمسمائة عام، ظلّت روسفيلد تحفّز طلابها على التفوّق الأكاديمي بهذه الطريقة.
طريقةٌ قاسيةٌ وبدائيّةٌ بعض الشيء، إذ تُعلَن درجات الجميع على الملأ.
تراصّت أسماءٌ كثيرةٌ في صفوفٍ متتابعة.
ابتلعت سونيت ريقها.
ومهما حاولت أن تُثبّت قلبها، أخذ صدرها يخفق بعنف، وراحت راحتاها تبتلّان بالعرق.
رفعت سونيت بصرها عاليًا، كابحةً توتّرها بصعوبة، وحدّقت في الاسم الأوّل.
أرجوك! ليت اسمي يكون في ذلك الموضع هذه المرّة فقط.
وما إن تحقّقت بعينين يملؤهما الرجاء.
[إيدن روسفيلد]
حتى انطفأ بريق الترقّب في عيني سونيت في لحظة، وتراخى كلّ أملٍ كان مشدودًا فيهما.
ثم سرعان ما امتلأت عيناها بغليان الغضب.
‘ظننت أنّني هذه المرّة سأكون الأولى!’
لقد زادت ساعات دراستها عمّا كانت عليه من قبل، وراجعت المسائل الخاطئة والمواضع الملتبسة أكثر من مئة مرّة، وقرأت كتب التخصّص حتى ملّتها.
ومع ذلك، ظلّت درجتها كما كانت.
الثانية.
كانت تحدّق في الاسم حتى كادت عيناها تدمعان من شدّة التحديق، وارتسمت العروق في بياضهما، وارتجفت قبضتاها الصغيرتان.
إيدن روسفيلد.
طالبٌ منتقل ظهر فجأة قبل ثلاثة أشهر، ولم يكتفِ بأن يعتلي المرتبة الأولى فور وصوله إلى روسفيلد، بل احتكرها بعد ذلك دون انقطاع.
سونيت، التي لم تفقد المركز الأوّل قطّ قبل مجيئه، كانت في غاية الارتباك.
صحيحٌ أنّ دخولها ضمن الخمسة الأوائل يفي بشرط الالتحاق بمعهد أبحاث المخطوطات القديمة في روسفيلد، لكن المشكلة كانت في المنحة.
فالمركز الثاني يعني نصف منحة الأوّل، ورسوم الدراسة في روسفيلد العريقة، حتى بنصفها، باهظةٌ للغاية.
وكانت رسوم التسجيل الأولى أعلى ممّا تخيّلت، حتى اضطُرّت إلى الاستعانة بجدّتها.
جدّتها التي أنفقت مدّخرات عمرها لتسديد أول رسوم دراسيّة ومصاريف معيشتها، فسعت سونيت بعد ذلك بكلّ ما تملك من قوّة إلى الحفاظ على المرتبة الأولى ذات المنحة الكاملة، تخفيفًا لعبء جدّتها.
لكنّ جدّتها، قبل أربعة أشهر، رحلت دون أن ترى سونيت يوم تخرّجها.
وقبيل أن تغمض عينيها للمرّة الأخيرة، وعدتها سونيت.
وعدتها أن تتخرّج من روسفيلد في الصدارة، وأن تهزم أولئك النبلاء الذين ازدروا جدّتها، لتكون أوّل عاميّةٍ تتخرّج متفوّقةً على الجميع.
فقد كانت جدّتها قد التحقت سابقًا بمدرسة روسفيلد المتخصّصة، لكنّها تراجعت في الترتيب أمام أبناء النبلاء، ولمّا لم يكن لديها مال، لم تستطع إتمام دراستها.
كانت تظنّ أنّ الأمر يقتصر على الاجتهاد في الدراسة للوفاء بذلك الوعد، لكنّ نفقات زيارة المعابد القديمة، وتكاليف موادّ البحث، ورسوم المراجع، ورسوم الاختبارات، وغيرها من المصاريف الإلزاميّة، كانت كثيرة.
وفوق ذلك، ارتفعت في الآونة الأخيرة أسعار كتب التخصّص وتكاليف الطعام ارتفاعًا مرهقًا.
معظم من يدرسون في هذه المدرسة لا يُبالون بالمال.
فمدرسة روسفيلد المتخصّصة ذات سمعةٍ عالية، ويرتادها عددٌ كبير من النبلاء ذوي المال والنفوذ.
بل إنّ زملاءها في الصفّ لم يعتبروا سونيت صديقةً لهم قطّ، بل كانوا يسيرون فيما بينهم، ويحتقرونها علنًا واصفين إيّاها بأنّها متدنّية المستوى.
أن تصل عاميّةٌ مثل سونيت إلى مدرسة روسفيلد المتخصّصة كان أمرًا مدهشًا في حدّ ذاته، أمّا احتلالها المرتبة الأولى فيها فكان، بالنسبة إليها، تمرّدًا عليهم ومصدر اعتزازٍ في آنٍ واحد.
ومنذ التحاقها، ظلّت المرتبة الأولى لها، وكان الطلّاب من حولها مستائين، لكن لم يكن بوسعهم إلا الإقرار بذلك.
غير أنّه منذ صارت في المرتبة الثانية، بدأت الأقاويل تنتشر من حولها.
وكانت تُقال عمدًا بحيث تسمعها.
“ها هي ذي تدرس بكلّ ذلك الجهد، وفي النهاية لا تنال سوى المرتبة الثانية. ألم أقل إنّه لا يمكنها أن تغلب إيدن؟“
“ولهذا لا حيلة لها، فهي في النهاية عاميّة.”
وكان إيدن بين تلك المجموعة التي قالت ذلك.
كان يبتسم بينهم كأنّه يوافقهم.
وفي كلّ مرّة، لم تكن سونيت تكتم غضبها، بل تتوجّه إليهم وتجادلهم.
كانت تقول إنّكم أنتم الذين تسخرون، لا تبلغون حتى طرف قدميها في الترتيب.
وأحيانًا، إذا استشاط أحدهم غضبًا من كلامها واندفع نحوها، تظاهر إيدن بوقاحةٍ مستفزّة بأنّه يتدخّل لتهدئته.
“إنّه كلامٌ صحيح.”
وكان هذا الكلام يؤذي سونيت أكثر.
إذ بدا كأنّه يسخر منها، وكأنّه يقول إنّه لا حيلة لها.
وكلّما تذكّرت ذلك، ارتجفت قبضتاها.
‘كيف أستعيد المرتبة الأولى؟‘
راقبت سونيت إيدن باجتهادٍ مدّةً من الزمن، فوجدت أنّه في العادة لا يدرس بجدّ.
بل كان اهتمامه منصبًّا على مباريات المادو أو شؤون الحرب.
ومباراة المادو هي منافسةٌ يُدخِل فيها اللاعب الكرة في المرمى برمحٍ طويلٍ وهو يمتطي جوادًا مندفعًا.
وخاصةً في مباريات المادو، كان بحسب كلمات الفتيات اللواتي يقدّسنه الشخص الوحيد الذي يُرى في ساحة اللعب، إذ يقود المباراة بجرأةٍ لا تردّد فيها، حتى إنّ هيبته تشبه حاكم الحرب.
كادت سونيت تتقيّأ من هذا الوصف، لكن على أيّ حال، كان إيدن دائم التفوّق في مباريات المادو، ومن الطبيعي أن يكون ذا شعبيّةٍ واسعة.
وفي قاعة الدرس، لم يكن يبدو عدوانيًّا، بل كان يجلس بهدوءٍ وبهيئةٍ مستقيمةٍ جدًّا وهو يقرأ كتابًا.
غير أنّه لم يكن يقرأ كتب المقرّرات جيّدًا.
بل كان يطالع كتبًا لا صلة لها بالدراسة، ككتب جمع الأسلحة وكتب فنون الحرب، وسائر الكتب القاسية والمثيرة المرتبطة بالحروب.
وعادةً ما يتظاهر أمثال هؤلاء بعدم الدراسة أمام أصدقائهم، ثم يدرسون بجنونٍ في الليل.
‘ولا يمكنني أن أدخل عنبر الطلّاب لأُعطّله.’
ومن أجل وعدها لجدّتها، والمال، والشرف، كان لا بدّ لها أن تستعيد المرتبة الأولى بأيّ وسيلة.
عبست سونيت وهي تحدّق في اسم إيدن روسفيلد المكتوب في موضع المرتبة الأولى.
وفي تلك الأثناء، دوّى فجأةً صوتٌ حادٌّ رنّان من حولها.
“لقد انخفضت درجات هايلي كثيرًا.”
“إنّها تواعد أحدهم هذه الأيّام.”
المواعدة.
انتصبت أذنا سونيت.
كانت ترى عادةً أنّ المواعدة ليست إلا عبثًا يقوم به أبناء الميسورين.
فهم يدفعون أموالًا طائلة ليلتحقوا بمدرسةٍ عريقة، ثم يضيّعون وقتهم فيما لا طائل منه.
وتواصلت أحاديث الطالبات المفعمة بالحماسة.
“وكاسيد أيضًا بدأ يواعد فتاة، فسقط ترتيبه عشرة مراكز دفعةً واحدة.”
أسرعت سونيت تبحث عن اسمي هايلي وكاسيد.
المرتبة 207.
المرتبة 381.
لم يكونا بعيدين عن ذيل القائمة.
‘هل تنخفض الدرجات عند الوقوع في المواعدة؟‘
حسنًا، لا عجب في ذلك، فهم يقضون أوقات المذاكرة والمراجعة في الضحك والعبث.
وبينما كانت سونيت تُعمل فكرها، دوّى هتافٌ فجائيّ.
“واااه!”
التفت من حولها باحثه عن مصدر الصوت المرتفع المفاجئ.
ولم يكن بعيدًا.
فوق المبنى الرئيسيّ للمدرسة، عُلِّقت قطعة قماشٍ كبيرة كُتبت عليها كلماتٌ عريضة.
[سيلاين! سأحبّكِ حتى أموت، وحتى تتحطّم عظامي وتفنى!]
وفي اللحظة نفسها، ارتفع صوت رجلٍ متوتّرٍ خلفها.
“سيلاين! لقد مررتِ بجانبي ثلاث مرّات! ظننتُ ذلك اهتمامًا وحبًّا! واعديني!”
تعالت ضحكاتٌ مكتومة، واشتدّ الهمس من حولهم.
“ما الذي ستفعله سيلاين الآن؟ ألن تستطيع أن تذهب إلى المدرسة كما ينبغي بعد اليوم؟“
“سمعتُ أنّها ستنتقل إلى مدرسةٍ أخرى أصلًا. ذاك الأحمق اعترف لها بهذا الشكل المُثقِل، فكيف لا تنتقل؟“
“حقًّا، هذا ليس اعترافًا، بل هجوم.”
وكان اسم الرجل الذي اعترف بالفعل هو بيترو.
وكان معروفًا في مدرسة روسفيلد المتخصّصة بأنّه شخصٌ ثقيلٌ لا يُرغَب في الاقتراب منه.
فهو تارةً يرتفع صوته من شدّة الحماس، وتارةً يخفضه في أوقات الدرس حتى لا يُسمَع، ولا يُحسن تحيّة الآخرين، ويُظهر تعلّقًا غريبًا بما يحبّه.
نظرت سونيت حولها، فوجدت الوجوه جميعها متبرّمة.
كانوا يقلقون على سيلاين، ويشتمون بيترو.
وعاد الكلام الذي سمعته قبل قليل يتردّد في ذهنها.
“… هذا ليس اعترافًا، بل هجوم.”
هجوم اعتراف.
في تلك اللحظة، تألّقت عينا سونيت ببريقٍ حيّ.
كانت تُعرَف في هذه المدرسة بأنّها غريبة الأطوار.
ولم يكن صيتها بأفضل من صيت بيترو.
إذ لم تكن تهتمّ بشيءٍ سوى الدراسة.
فماذا لو… ماذا لو اعترفت لإيدن اعترافًا مُثقِلًا؟
أوّلًا، سيشعر إيدن بالانزعاج.
فقد جاءت سونيت، صاحبة السمعة غير الحسنة، فجأةً لتعترف له بالحبّ، فلا بدّ أن يكون الأمر مُثقِلًا ومزعجًا له.
ومن غير أن تشعر، ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها.
أصلًا، لم يكن أحدٌ في هذه المدرسة يحبّها.
فإذا اعترف له شخصٌ كهذا، فإنّ أيّ إنسانٍ عاديّ سيشمئزّ وينتقل إلى مدرسةٍ أخرى.
وإذا انتقل إيدن كما تتوقّع، فستستعيد سونيت المرتبة الأولى من جديد.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 1"