الفصل 97
كَانَ السَّكَنُ الَّذِي تَبِعْتُ لُوسِي إِلَيْهِ يَقَعُ بِالقُرْبِ مِنْ هُنَا حَقّاً.
بَدَا المَظْهَرُ الخَارِجِيُّ قَدِيماً بَعْضَ الشَّيءِ، لَكِنَّ التَّصْمِيمَ الدَّاخِلِيَّ كَانَ وَاسِعاً وَنَظِيفاً.
“اششش، فِي الحَقِيقَةِ دُخُولُ الغُرَبَاءِ مَمْنُوعٌ”.
عِنْدَمَا سَمِعَتْ لُوسِي أَصْوَاتَ النَّاسِ، سَارَعَتْ بِالاخْتِبَاءِ.
وَلأَنَّنِي لَمْ أَرِدْ إِحْرَاجَهَا، اخْتَبَأْتُ أَنَا أَيْضاً تَبَعاً لَهَا.
بَعْدَ تَجَنُّبِ النَّاسِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَصَلْنَا إِلَى غُرْفَةِ سَكَنِ لُوسِي الَّتِي كَانَتْ أَوْسَعَ وَأَكْثَرَ رَاحَةً بِكَثِيرٍ مِنَ الغُرْفَةِ الَّتِي كُنْتُ أُقِيمُ فِيهَا فِي “زِيرُونِيَا”.
هَلْ هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ النُّبَلَاءِ وَالعَامَّةِ؟
بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَجَوَّلُ بِبَصَرِي فِي الغُرْفَةِ مُتَذَكِّرَةً المَاضِيَ بِمُفْرَدِي، أَخْرَجَتْ لُوسِي زُجَاجَةَ نَبِيذٍ مِنْ تَحْتِ السَّرِيرِ.
“يُمْنَعُ شُرْبُ الكُحُولِ دَاخِلَ السَّكَنِ، لِذَلِكَ يَجِبُ إِخْفَاؤُهَا”.
نَظَرَتْ لُوسِي إِلَيَّ ثُمَّ ابْتَسَمَتْ بِخَجَلٍ.
يَبْدُو أَنَّهَا تُحِبُّ الشَّرَابَ لِدَرَجَةِ إِخْفَائِهِ قُرْبَ السَّرِيرِ.
“آه… لَقَدْ كَسَرْتُ كُؤُوسَ النَّبِيذِ فَلَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً، هَلْ لا بَأْسَ بِالشُّرْبِ فِي أَكْوَابٍ عَادِيَّةٍ؟”
أَخْرَجَتِ السَّيِّدَةُ لُوسِي أَكْوَاباً عَلَيْهَا طَبَقَةٌ مِنَ الغُبَارِ وَسَأَلَتْ بِارْتِبَاكٍ.
لَمْ يَهُمَّنِي أَمْرُ الأَكْوَابِ المُغْبَرَّةِ طَالَمَا سَنَشْرَبُ.
مَسَحْتُ الكُوبَ بِلُطْفٍ بِطَرَفِ مَلَابِسِي وَابْتَسَمْتُ بِإِشْرَاقٍ.
وَلَكِنْ مَهْلاً، هَلْ تَشْرَبُ هَذِهِ السَّيِّدَةُ كَثِيراً لِدَرَجَةِ كَسْرِ الكُؤُوسِ؟
“لَا مُشْكِلَةَ أَبَداً!”
رُغْمَ أَنَّنِي أَجَبْتُ دُونَ تَرَدُّدٍ، إِلَّا أَنَّ طَرَفَ مَلَابِسِي امْتَلأَ بِالغُبَارِ الأَسْوَدِ لِكَثْرَتِهِ عَلَى الكُوبِ.
عِنْدَمَا رَأَتِ السَّيِّدَةُ لُوسِي ذَلِكَ، بَدَا عَلَيْهَا الخَجَلُ وَهِيَ تَصُبُّ النَّبِيذَ فِي الكُوبِ.
“خِيِي! سَأَشْرَبُ بِهَنَاءٍ!”
طَرَقْتُ كُوبِي بِكُوبِهَا خَفِيفاً ثُمَّ تَجَرَّعْتُ النَّبِيذَ.
رَائِحَةُ النَّبِيذِ الحُلْوَةُ جَعَلَتْ لُعَابِي يَسِيلُ حَتَّى قَبْلَ الشُّرْبِ.
بِسَبَبِ شُعُورِ الثَّمَلِ الخَفِيفِ الَّذِي لَمْ أَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ مُدَّةٍ، تَحَسَّنَ مِزَاجِي بِسُرْعَةٍ.
لَقَدْ تَحَسَّنَ لِدَرَجَةِ أَنَّنِي بَدَأْتُ أَرَى السَّيِّدَةَ لُوسِي أَمَامِي ثَلَاثَ نِسَاءٍ.
‘هِم؟ ثَلَاثُ نِسَاءٍ؟’
حَاوَلْتُ اسْتِعَادَةَ وَعْيِي، لَكِنَّ رَأْسِي كَانَ يَدُورُ، وَأَعْدَادُ السَّيِّدَةِ لُوسِي كَانَتْ تَزْدَادُ.
عَجَباً! هَلْ مَفْعُولُ الكُحُولِ سَرِيعٌ هَكَذَا رُغْمَ أَنَّنِي شَرِبْتُ كُوباً وَاحِداً فَقَطْ؟
بَيْنَمَا كُنْتُ مُسْتَلْقِيَةً عَلَى طَاوِلَةِ الطَّعَامِ دُونَ قُوَّةٍ، وَصَلَتْ إِلَيَّ تَمْتَمَاتُ السَّيِّدَةِ لُوسِي بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ.
“كَا…… ي. لَا تَـ…… شْرَبِي. اِهْرَ…… بِي”.
مَهْمَا كَانَ الأَمْرُ، فَقَدْ سَمِعْتُ كَلِمَةَ اهْرَبِي بِوُضُوحٍ.
وَلَكِنَّ جَسَدِي كَانَ مَشْلُولاً وَلَا يَتَحَرَّكُ.
بَدَأَ وَعْيِي يَتَلَاشَى تَدْرِيجِيّاً.
ثُمَّ سَادَ الظَّلَامُ.
❁❁❁
تُوك.
تُوك…..
سُمِعَ صَوْتُ قَطَرَاتِ مَاءٍ تَنْزِلُ مِنَ السَّقْفِ.
يَبْدُو أَنَّ المَاءَ يَتَسَرَّبُ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ جِدّاً، فَقَدْ كَانَ صَوْتُ الِارْتِطَامِ مَسْمُوعاً بِقُوَّةٍ.
مَا هَذَا، بِحَقِّ الخَالِقِ…..
بَيْنَمَا كُنْتُ أُقَطِّبُ حَاجِبَيَّ بِسَبَبِ الصَّوْتِ المُزْعِجِ، سُمِعَ بَعْدَ ذَلِكَ صَوْتُ هَمَسَاتِ النَّاسِ.
‘هَلْ هُوَ وَقْتُ الإِفْطَارِ؟’
عِنْدَمَا فَتَحْتُ عَيْنَيَّ بِبُطْءٍ، لَمْ أَسْتَطِعْ رُؤْيَةَ مَا أَمَامِي بِوُضُوحٍ بِسَبَبِ الرُّؤْيَةِ المَحْجُوبَةِ جِدّاً.
‘إِذاً، سَأَعُودُ لِلنَّوْمِ فَقَطْ’.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كُنْتُ أُغْلِقُ فِيهَا عَيْنَيَّ.
‘كَا…… ي. لَا تَـ…… شْرَبِي. اِهْرَ…… بِي’.
تَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِي صَوْتُ لُوسِي وَهِيَ تَمْتَمُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ.
آه! لَقَدْ شَرِبْتُ النَّبِيذَ الَّذِي أَعْطَتْنِي إِيَّاهُ السَّيِّدَةُ
لُوسِي وَفَقَدْتُ وَعْيِي!
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اسْتَعَدْتُ نَشَاطِي.
نَهَضْتُ مِنْ مَكَانِي بِسُرْعَةٍ وَأَنَا مَذْعُورَةٌ.
حِينَهَا، انْبَعَثَتْ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ جَعَلَتْنِي أَتَسَاءَلُ كَيْفَ لَمْ أَشُمَّهَا حَتَّى الآنَ.
كَانَتْ رَائِحَةُ عَفَنٍ وَنَتَانَةُ لَحْمٍ فَاسِدٍ.
نَظَرْتُ حَوْلِي بِانْزِعَاجٍ، فَلَمْ أَرَ سِوَى قُضْبَانٍ حَدِيدِيَّةٍ، وَبَدَا المَكَانُ وَكَأَنَّهُ سِجْنٌ.
القُضْبَانُ المَلِيئَةُ بِالصَّدَأِ بَدَتْ ضَعِيفَةً، لَكِنَّهَا كَانَتْ صَلْبَةً جِدّاً عِنْدَمَا لَمَسْتُهَا.
لَمْ يَبْدُ أَنَّهَا سَتَنْكَسِرُ بِسُهُولَةٍ.
كُنْتُ قَدْ خَمَّنْتُ مِنْ صَوْتِ قَطَرَاتِ المَاءِ، لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ هَذَا المَكَانَ تَحْتَ الأَرْضِ حَقّاً.
الأَرْضِيَّةُ الحَجَرِيَّةُ الرَّطْبَةُ كَانَتْ مَلِيئَةً بِالطَّحَالِبِ، وَكَانَ الجَوُّ بَارِداً جِدّاً.
وَفِي السِّجْنِ المُقَابِلِ لِي تَمَاماً، كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ أَعْرِفُهُ فَاقِداً لِلْوَعْيِ.
“السَّيِّدَةُ لُوسِي!”
صَرَخْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَتَحَرَّكْ أَبَداً.
‘هَلْ يُعْقَلُ أَنَّهَا مَاتَتْ؟’
نَهَضْتُ مِنْ مَكَانِي بِسُرْعَةٍ.
تَشَلْغَرَنْغ.
سُمِعَ صَوْتُ مَعْدِنٍ ثَقِيلٍ وَتَقَيَّدَتْ قَدَمِي.
لَا أَعْرِفُ مَتَى وُضِعَتْ، لَكِنَّ سِلْسِلَةً حَدِيدِيَّةً ثَقِيلَةً كَانَتْ تُلِفُّ كَاحِلِي.
هَلْ تَعَرَّضْتُ لِلِاخْتِطَافِ حَقّاً؟
“لِمَاذَا السَّيِّدَةُ لُوسِي فَعَلَتْ بِي هَذَا….”
كَانَتْ هُنَاكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تُثِيرُ التَّسَاؤُلَ.
وَلَكِنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْجَلاً، لِذَلِكَ نَحَّيْتُهُ جَانِباً لِوَهْلَةٍ.
لَا أَعْرِفُ نِيَّةَ مَنْ خَطَفَنِي، لَكِنْ كَانَ عَلَيَّ إِيجَادُ طَرِيقَةٍ لِلْخُرُوجِ بِسُرْعَةٍ.
لَوْ كَانَ مَعِي كِتَابُ سِحْرٍ لَكَانَ أَمْراً جَيِّداً.
لِسُوءِ الحَظِّ، يَبْدُو أَنَّ مُمْتَلَكَاتِي قَدْ سُلِبَتْ مِنِّي مُبَكِّراً، فَلَمْ أَرَ شَيْئاً.
“لَقَدِ اسْتَيْقَظْتِ إِذاً”.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سُمِعَ صَوْتٌ مِنَ الظَّلَامِ.
كَانَ صَوْتاً حَادّاً يُشْبِهُ صَوْتَ احْتِكَاكِ المَعْدِنِ، وَكَانَ غَرِيباً عَلَيَّ.
التَفَتُّ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ وَأَنَا مَذْعُورَةٌ.
كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَرْتَدِي رِدَاءً أَسْوَدَ يَنْظُرُ نَحْوِي، وَلَا أَعْلَمُ مُنْذُ مَتَى وَهُوَ يَقِفُ هُنَاكَ.
“هَلْ تَشْعُرِينَ بِأَيِّ عَدَمِ ارْتِيَاحٍ فِي مَكَانٍ مَا؟”
الآنَ، بَعْدَ أَنْ حَبَسَ شَخْصاً فِي السِّجْنِ، كُلُّ مَا يَقُولُهُ هُوَ هَلْ تَشْعُرِينَ بِعَدَمِ الِارْتِيَاحِ؟
صَرَخْتُ فِي وَجْهِهِ لِشِدَّةِ ذُهُولِي:
“مَا هَذَا الفِعْلُ؟ أَطْلِقْ سَرَاحِي فَوْراً!”
وَلَكِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُجِبْ، بَلْ ظَلَّ يَتَفَحَّصُ جَسَدِي مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ.
ثُمَّ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَاخْتَفَى مِثْلَ الدُّخَانِ.
“تَـ…… مَهَّلْ، أَيُّهَا الـ……!”
كَانَ يَجِبُ أَنْ يُطْلِقَ سَرَاحِي قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ!
بَعْدَ اخْتِفَاءِ الرَّجُلِ، حَاوَلْتُ فَكَّ السَّلَاسِلِ الحَدِيدِيَّةِ الَّتِي تُصْدِرُ صَوْتاً، لَكِنَّ الأَمْرَ كَانَ مُسْتَحِيلاً بِيَدَيَّ المُجَرَّدَتَيْنِ.
السَّلَاسِلُ الغَلِيظَةُ لَمْ تَتَحَرَّكْ أَبَداً.
‘يَا لَلأَسَفِ!’
ظَنَنْتُ أَنَّنِي تَعَرَّضْتُ لِخِيَانَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ السَّيِّدَةِ لُوسِي، لَكِنْ بِالنَّظَرِ إِلَى وُجُودِهَا فِي السِّجْنِ الَّذِي أَمَامِي تَمَاماً، يَبْدُو أَنَّ وَضْعَهَا لَا يَخْتَلِفُ عَنْ وَضْعِي كَثِيراً.
إِذاً، مَا هَذَا المَوْقِفُ بِحَقِّ السَّمَاءِ؟
طَق، طَق.
بَيْنَمَا كُنْتُ لَا أَزَالُ تَائِهَةً، سُمِعَ صَوْتُ خُطُوَاتٍ.
“إِيفِيلِيَانَا”.
بَعْدَ وُصُولِي إِلَى هَذَا العَالَمِ مُبَاشَرَةً، نَطَقَ شَخْصٌ غَيْرُ دَابِيين وَلُويْد بِالِاسْمِ الَّذِي لَا يَجِبُ أَنْ أُنَادَى بِهِ أَبَداً.
‘إِيفِيلِيَانَا، تَقُولُ؟’
بَعْدَ عَوْدَةِ البَطَلَةِ، كَانَ هَذَا اسْمَ الشِّرِّيرَةِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَفِيَ.
ارْتَجَفَ جَسَدِي كُلُّهُ دُونَ وَعْيٍ.
أَدَرْتُ رَأْسِي بِبُطْءٍ وَبِوَجْهٍ ذَاهِلٍ.
خَارِجَ القُضْبَانِ الحَدِيدِيَّةِ، كَانَ يَقِفُ وَجْهٌ لَا يُمْكِنُ أَلَّا أَعْرِفَهُ أَبَداً.
“آه…. ابْنَتِي الجَمِيلَةُ”.
بِصَوْتٍ حَنُونٍ لِلْغَايَةِ وَكَأَنَّهَا تُعَامِلُ طِفْلَةً مَحْبُوبَةً، نَادَتْنِي تِلْكَ المَرْأَةُ الَّتِي كُنْتُ أُقَابِلُهَا دَائِماً.
دُّوقَةُ رُوزبِيلِيير.
المَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرَاتٍ ثَاقِبَةً تُشْعِرُنِي بِعَدَمِ الِارْتِيَاحِ كُلَّمَا قَابَلَتْنِي.
خَطَرَتْ لِي فِكْرَةٌ فَجْأَةً.
مَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَهَا تَزْرَعُ جَاسُوساً فِي عَائِلَةِ هِيلْدِيرِيُوز الَّتِي لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا أَيُّ عَلاقَةِ عَدَاءٍ، وَتُهَاجِمُ الزَّوْجَيْنِ الدُّوقِيَّيْنِ؟
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، مَا هُوَ سَبَبُ بَقَائِهَا الدَّائِمِ بِالقُرْبِ مِنْ وَلِيِّ العَهْدِ؟
قَشْعَرِيرَةٌ سَرَتْ فِي جَسَدِي بَعْدَ هَذَا التَّفْكِيرِ المُتَأَخِّرِ.
إِذَا كَانَ حَدْسِي صَحِيحاً، فَهَذِهِ المَرْأَةُ هِيَ…
“إِيفِيلِيَانَا رُوزبِيلِيير”.
هَمَسَتْ بِذَلِكَ الِاسْمِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْجُوداً فِي هَذَا العَالَمِ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيَّ بِوَجْهٍ مَسْرُورٍ.
“لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ لِتَعُودِي كَآنِسَةٍ لِعَائِلَةِ الدُّوقِ. يَا ابْنَتِي”.
صَرَّتِ القُضْبَانُ الحَدِيدِيَّةُ المَلِيئَةُ بِالصَّدَأِ مُصْدِرَةً صَوْتاً مُزْعِجاً وَهِيَ تُفْتَحُ بِبُطْءٍ.
اقْتَرَبَ صَوْتُ حِذَاءِ الدُّوقَةِ وَهُوَ يُصْدِرُ صَوْتَ
“طَق طَق”.
“أَنَا لَسْتُ إِيفِيلِيَانَا”.
لَا أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْنِي الشَّجَاعَةُ لِأَقُولَ ذَلِكَ وَأَنَا أُحَدِّقُ فِيهَا.
وَلَكِنْ مَهْمَا قُلْتُ، لَمْ تَهْتَمَّ الدُّوقَةُ أَبَداً.
سُرْعَانَ مَا انْتَشَرَ دُخَانٌ أَسْوَدُ حَوْلَ جَسَدِهَا.
وَبِمُجَرَّدِ أَنْ لَمَسَنِي ذَلِكَ الدُّخَانُ، لَمْ يَعُدْ جَسَدِي يَتَحَرَّكُ وَكَأَنَّهُ مَشْلُولٌ.
عِنْدَمَا رَأَتْ حَالِي وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ الحَرَاكَ، رَفَعَتْ يَدَهَا بِرُقِيٍّ وَمَسَحَتْ عَلَى وَجْهِي.
“ابْنَتِي الحَبِيبَةُ… لَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْكِ. أَيْنَ كُنْتِ بِحَقِّ السَّمَاءِ”.
اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا الدُّوقَةِ بِالدُّمُوعِ.
رُغْمَ أَنَّ المَوْقِفَ كَانَ صَعْباً حَتَّى لِتَحْرِيكِ إِصْبَعٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ البَقَاءَ صَامِتَةً، فَحَرَّكْتُ فَمِي بِالقُوَّةِ.
“هَلْ جُنِنْتِ؟ أَنَا… لَيْسَ لَدَيَّ وَالِدَانِ!”
“إِيفِيلِيَانَا المِسْكِينَةُ. سَتَعُودِينَ كَمَا كُنْتِ مِنْ قَبْلُ، إِلَى مَكَانِكِ الحَقِيقِيِّ. حَسَناً؟”
الدُّوقَةُ الَّتِي كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى وَجْهِي وَشَعْرِي نَهَضَتْ فَجْأَةً وَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا لِلرَّجُلِ الَّذِي يَرْتَدِي الرِّدَاءَ الأَسْوَدَ وَالَّذِي ظَهَرَ فِي الهَوَاءِ.
“مَاذَا…. لَا تَقْتَرِبْ! اعُودُ؟، مَاذَا تَعْنِي بِذَلِكَ!”
فَجْأَةً، ظَهَرَ أَشْخَاصٌ يَرْتَدُونَ أَرْدِيَةً سَوْدَاءَ حَوْلِي.
“إِنَّهَا الآنسةُ الوَحِيدَةُ لِعَائِلَةِ رُوزبِيلِيير. احْرِصُوا عَلَى أَلَّا تَتَأَذَّى!”
بِنَاءً عَلَى أَمْرِ الرَّجُلِ، قَامُوا بِفَكِّ السَّلَاسِلِ الحَدِيدِيَّةِ بِخِفَّةٍ وَأَمْسَكُوا بِجَسَدِي ثُمَّ رَفَعُونِي كَمَا أَنَا.
“اِتْرُكُونِي، اِتْرُكُونِي!”
ثُمَّ بَدَأُوا يَتْبَعُونَ الدُّوقَةَ الَّتِي غَادَرَتِ السِّجْنَ بِهُدُوءٍ.
“هَذِهِ جَرِيمَةٌ، أَيُّهَا المَجَانِينُ!”
صَرَخْتُ وَقَاوَمْتُ بِمَشَقَّةٍ كَالمَجْنُونَةِ، لَكِنَّهُمْ كَانُوا صَلْبِينَ مِثْلَ الفُولَاذِ وَلَمْ يَتَأَثَّرُوا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَمَاماً.
“أَنْقِذُونِي! أَنْقِذُونِي!”
بَيْنَ القُضْبَانِ الحَدِيدِيَّةِ، صَرَخَ شَخْصٌ مُضَرَّجٌ بِالدِّمَاءِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيَّ.
تَوَقَّفْتُ مَذْعُورَةً بِسَبَبِ الصَّوْتِ المُفَاجِئِ.
عِنْدَمَا نَظَرْتُ لِلأَسْفَلِ إِلَى مَنْ صَرَخَ، رَأَيْتُ جَسَدَهُ وَوَجْهَهُ مُمَزَّقَيْنِ بِالجُرُوحِ.
كَانَ وَجْهُهَا مَلِيئاً بِاليَأْسِ.
السِّجْنُ التَّالِي كَانَ كَذَلِكَ أَيْضاً.
شَخْصٌ يَصْرُخُ، وَشَخْصٌ مُنْكَبٌّ عَلَى وَجْهِهِ.
كُلُّهُمْ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ كَانُوا مُضَرَّجِينَ بِالدِّمَاءِ وَكَأَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِتَعْذِيبٍ شَدِيدٍ مِنْ قِبَلِ شَخْصٍ مَا.
“مَا هَذَا المَكَانُ بِحَقِّ السَّمَاءِ، وَلِمَاذَا هَكَذَا……”
طَوَالَ فَتْرَةِ جَرِّي إِلَى مَكَانٍ مَا، لَمْ تَتَوَقَّفْ صَرخَاتُ الأَلَمِ.
لَقَدْ كَانَ جَحِيماً حَقِيقِيّاً.
عِنْدَمَا هَدَأْتُ، نَظَرَتِ الدُّوقَةُ إِلَيَّ بِطَرَفِ عَيْنِهَا ثُمَّ ضَحِكَتْ بِصَوْتٍ عَالٍ وَكَأَنَّهَا مُسْتَمْتِعَةٌ.
“هَلْ تَتَذَكَّرِينَ الأَيَّامَ الخَوَالِيَ؟ لَقَدْ أَمْضَيْتِ أَنْتِ أَيْضاً وَقْتاً طَوِيلاً هُنَا”.
مَاذَا؟ أَنَا أَمْضَيْتُ وَقْتاً طَوِيلاً هُنَا؟
بَيْنَمَا كُنْتُ أَحْمِلُ شُكُوكاً حَوْلَ كَلَامِ الدُّوقَةِ، التَفَتَتْ هِيَ مَرَّةً أُخْرَى وَخَاطَبَتِ الرَّجُلَ الَّذِي يَرْتَدِي الرِّدَاءَ الأَسْوَدَ.
“اِبْدَأُوا بِسُرْعَةٍ. سَيَكُونُ أَمْراً خَطِيراً إِذَا لَاحَظَتِ الوُحُوشُ ذَلِكَ”.
بَعْدَ السَّيْرِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، تَوَقَّفَتْ خُطُوَاتُهَا فِي قَاعَةٍ كَبِيرَةٍ تُضِيئُهَا مَشَاعِلُ صَغِيرَةٌ.
فِي المَسَاحَةِ الرَّطْبَةِ وَالوَاسِعَةِ، كَانَ هُنَاكَ عَمُودٌ أَبْيَضُ يَبْدُو وَكَأَنَّنِي رَأَيْتُهُ فِي مَكَانٍ مَا.
وَأَمَامَهُ، كَانَ هُنَاكَ كُرْسِيَّانِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمَا بِكَلِمَاتِ لُغَةٌ قَدِيمَةٌ بِكَثَافَةٍ.
كَانَتِ الكَلِمَاتُ صَغِيرَةً جِدّاً لِدَرَجَةِ أَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ تَفْسِيرَ مُحْتَوَاهَا بِنَظْرَةٍ خَاطِفَةٍ.
“هَذَا، الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي غَابَةِ الأَشْجَارِ البَيْضَاءِ…؟”
أَجْلَسَنِي الأَشْخَاصُ الَّذِينَ أَمْسَكُوا بِذِرَاعَيَّ عَلَى الكُرْسِيِّ.
ثُمَّ بَدَأُوا بِرَبْطِي بِقُوَّةٍ بِحِبَالٍ جَلَبُوهَا مِنْ مَكَانٍ مَا.
نَظَرْتُ إِلَى الكُرْسِيِّ الفَارِغِ الآخَرِ وَتَمَلَّكَنِي شُعُورٌ سَيِّءٌ.
-يَجِبُ أَنْ تَهْرُبِي.
هَلْ هُوَ بِسَبَبِ شُعُورِي بِالخَطَرِ؟
مَرَّةً أُخْرَى، تَرَدَّدَ صَوْتُ شَخْصٍ مَا دَاخِلَ رَأْسِي.
-اِهْرَبِي! لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونِي هُنَا!
أَصْبَحَ الصَّوْتُ أَكْثَرَ إِلْحَاحاً.
وَلَكِنَّ الشَّخْصَ المُلِحَّ حَقّاً هُوَ أَنَا.
هَرَبٌ؟ بِالطَّبْعِ أُرِيدُ الخُرُوجَ مِنْ هُنَا. وَلَكِنْ…
مَا الَّذِي يُمْكِنُنِي فِعْلُهُ فِي هَذَا المَوْقِفِ!
“لَقَدْ حَانَ وَقْتُ العَوْدَةِ الآنَ”.
ابْتَسَمَتِ الدُّوقَةُ الَّتِي تَقِفُ أَمَامِي بِلُطْفٍ.
لَا! يَجِبُ أَنْ أَمْنَعَ هَذَا.
لَقَدْ كَانَ تَصْرِيحاً مَلِيئاً بِالمَعَانِي. العَوْدَةُ… مَاذَا؟
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَا يَعْنِيهِ ذَلِكَ بِالضَّبْطِ.
وَلَكِنْ بَيْنَمَا كُنْتُ فِي حَالَةِ حَذَرٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ قَلَقِي، جَلَسَتِ الدُّوقَةُ الَّتِي ابْتَسَمَتْ لِي بِهُدُوءٍ عَلَى الكُرْسِيِّ المَوْضُوعِ بِجَانِبِي تَمَاماً.
ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَهَا بِلُطْفٍ فَوْقَ يَدِي المَرْبُوطَةِ بِإِحْكَامٍ وَالَّتِي لَا تَتَحَرَّكُ.
“اِتْرُكِينِي! اِتْرُكِينِي!”
“إِذاً، فَلْنَبْدَأْ”.
مَعَ إِيمَاءَةِ الدُّوقَةِ، أَحَاطَ الأَشْخَاصُ الَّذِينَ يَرْتَدُونَ أَرْدِيَةً سَوْدَاءَ بِالعَمُودِ.
ثُمَّ بَدَأُوا بِتِلَاوَةِ تَعَاوِيذَ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ.
عِنْدَمَا تَلَوْا التَّعَاوِيذَ، بَدَأَ العَمُودُ يَشِعُّ بِضَوْءٍ سَاطِعٍ وَكَأَنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ.
اهْتَزَّتِ الرُّؤْيَةُ بِشِدَّةٍ.
فِي وَسَطِ المَشْهَدِ الَّذِي يَدُورُ حَوْلِي، رَأَيْتُ الدُّوقَةَ وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِشَكْلٍ مُقَزِّزٍ وَتُمْسِكُ بِيَدِي بِقُوَّةٍ.
-لَا—!
الصَّوْتُ الَّذِي فِي رَأْسِي كَانَ يَصْرُخُ الآنَ بِفَزَعٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 97"