الفصل 96
المَكَانُ الَّذِي اقْتَادَتْنِي إِلَيْهِ دَابِيين كَانَ أَمَامَ سَاحَةِ مُسَابَقَةِ الفُنُونِ القِتَالِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْغَلُ الإِمْبَرَاطُورِيَّةَ هَذِهِ الأَيَّامَ.
هَذِهِ المُسَابَقَةُ، الَّتِي تَخْتَارُ الأَقْوَى بِنَاءً عَلَى القُوَّةِ القِتَالِيَّةِ فَقَطْ، كَانَ يُمْكِنُ لِأَيِّ شَخْصٍ المُشَارَكَةُ فِيهَا بَغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَكَانَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَلِأَنَّ الفَائِزَ يَحْصُلُ عَلَى شَرَفٍ كَبِيرٍ وَجَائِزَةٍ مَالِيَّةٍ ضَخْمَةٍ، فَقَدْ كَانَتْ تَحْظَى بِاهْتِمَامٍ وَاسِعٍ كُلَّ عَامٍ.
حَتَّى إِنَّهُ فِي هَذَا الوَقْتِ، كَانَ يَتَوَافَدُ الرَّاغِبُونَ فِي المُشَارَكَةِ مِنْ دُوَلٍ أُخْرَى أَيْضاً.
لَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ عَاماً عَلَى إِقَامَةِ أَوَّلِ نُسْخَةٍ مِنْهَا، وَكَانَتْ مُسَابَقَةً عَرِيقَةً يَجْتَمِعُ فِيهَا الكَثِيرُ مِنَ المَهَرَةِ.
تَوَجَّهَ أَشْخَاصٌ ذَوُو أَجْسَادٍ ضَخْمَةٍ وَطَاقَةٍ دَاخِلِيَّةٍ قَوِيَّةٍ نَحْوَ دَاخِلِ القَاعَةِ.
كَانَتِ القَاعَةُ مَلِيئَةً بِأَسْلِحَةٍ مُرْعِبَةٍ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، مِثْلَ الهَرَاوَاتِ المَلِيئَةِ بِالأَشْوَاكِ وَالمَطَارِقِ الحَدِيدِيَّةِ الَّتِي تُعَادِلُ طُولِي.
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، يَبْدُو أَنَّ الجَمِيعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ هُوِيَّةَ دَابِيين، فَقَدْ ظَلَّ النَّاسُ يَتَهَامَسُونَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا.
بَيْنَمَا كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى الأَشْخَاصِ ذَوِي المَلَامِحِ القَاسِيَةِ، سَأَلْتُ دَابِيين بِعَجَلَةٍ:
“أَنْتِ، هَلْ سَتُشَارِكِينَ هُنَا؟”
تَوْأَمُ “هِيلْدِيرِيُوز” اللَّذَانِ أَعْرِفُهُمَا لَمْ يَكُونَا يُحِبَّانِ التَّبَاهِيَ بِمَهَارَاتِهِمَا أَمَامَ الآخَرِينَ كَثِيراً.
وَهَذَا يَتَّضِحُ مِنْ عَدَمِ مُشَارَكَتِهِمَا وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي مُسَابَقَاتِ الصَّيْدِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى النُّبَلَاءِ حُضُورُهَا، أَوْ مُسَابَقَاتِ القِتَالِ الَّتِي يُمْكِنُهُمَا التَّبَاهِي فِيهَا بِمَهَارَاتِهِمَا.
‘لَقَدْ كَانَا يَتَنَقَّلَانِ فَقَطْ بَيْنَ الدَّهَالِيزِ عَالِيَةِ الصُّعُوبَةِ أَوْ سَاحَاتِ المَعَارِكِ’.
وَلَكِنْ، مَا الَّذِي دَهَاهَا فَجْأَةً لِتُقَرِّرَ المُشَارَكَةَ فِي مُسَابَقَةِ فُنُونٍ قِتَالِيَّةٍ؟
أَجَابَتْ دَابِيين وَهِيَ تَبْتَسِمُ بَيْنَمَا كَانَتْ تَقُومُ بِتَحْمِيَةِ جَسَدِهَا وَطَقْطَقَةِ مَفَاصِلِهَا:
“لَقَدْ قُلْتُ لَكِ إِنِّي سَأُرِيكِ شَيْئاً مُمْتِعاً”.
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ المُمْتِعَ سَيَكُونُ تَحْطِيمَ رُؤُوسِ المُشَارِكِينَ فِي المُسَابَقَةِ.
خَصْمُ دَابِيين الأَوَّلُ فِي التَّصْفِيَاتِ كَانَ رَجُلاً ضَخْمَ الجُثَّةِ يَبْدُو ضِعْفَ حَجْمِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
لَمْ يَتَوَقَّعْ أَحَدٌ أَنْ تَنْتَصِرَ دَابِيين ذَاتُ البِنْيَةِ الصَّغِيرَةِ نِسْبِيّاً عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَهُزُّ مِطْرَقَةً حَدِيدِيَّةً ضَخْمَةً بِشَكْلٍ تَهْدِيدِيٍّ وَهُوَ يَزْفِرُ بِغَضَبٍ.
وَالسَّبَبُ هُوَ أَنَّ الأَرْضَ كَانَتْ تَتَحَطَّمُ وَتَحْدُثُ اهْتِزَازَاتٌ كَبِيرَةٌ كُلَّمَا لَوَّحَ الرَّجُلُ بِمِطْرَقَتِهِ.
وَلَكِنَّ دَابِيين كَانَتْ تَتَفَادَى هَجَمَاتِ الرَّجُلِ بِخِفَّةٍ هُنَا وَهُنَاكَ.
وَطَوَالَ الوَقْتِ المُحَدَّدِ لِلْمُبَارَاةِ، لَمْ تَقُمْ بِأَيِّ هُجُومٍ!
وَبَيْنَمَا كَانَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى دَابِيين الَّتِي لَمْ تَتَأَثَّرْ بِرُغْمِ الهَجَمَاتِ المُتَتَالِيَةِ، بَدَأَ يَكِيلُ الشَّتَائِمَ.
لَقَدْ حَاوَلَ بَذْلَ قُصَارَى جُهْدِهِ لِمُطَارَدَتِهَا وَإِصَابَتِهَا، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى.
عِنْدَمَا تَبَقَّى عَشْرُ ثَوَانٍ فَقَطْ، اقْتَرَبَتْ دَابِيين أَخِيراً مِنَ الرَّجُلِ.
وَبِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوَ جَبِينِهِ، أَسْقَطَتْهُ أَرْضاً.
تِلْكَ الضَّرْبَةُ كَانَتْ مُجَرَّدَ “نَقْرَةٍ” (نَقْرَةِ إِصْبَعٍ) وَاحِدَةٍ عَلَى الجَبْهَةِ.
كُوانغ!
مَعَ هَذَا الصَّوْتِ، سَقَطَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُخْرِجُ رَغْوَةً مِنْ فَمِهِ وَفَقَدَ وَعْيَهُ.
نَظَرَ النَّاسُ إِلَى الحَلَبَةِ بِذُهُولٍ وَكَأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ مَا رَأَوْا.
نَظَرَتْ دَابِيين حَوْلَهَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي سَادَهُ هُدُوءٌ قَاتِلٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ مِنَ المِنَصَّةِ بِرِضًا.
“كَيْفَ كَانَ الأَمْرُ؟ هَلْ كَانَ مُمْتِعاً؟”
ابْتَسَمَتْ دَابِيين بِإِشْرَاقٍ.
بَعْدَ ذَلِكَ، وَطَوَالَ فَتْرَةِ المُسَابَقَةِ، تَمَسَّكَتْ دَابِيين بِنَفْسِ أُسْلُوبِ القِتَالِ.
مِنَ السَّاحِرِ المُنْحَنِي الظَّهْرِ إِلَى السَّيَّافِ الضَّخْمِ المُلَقَّبِ بِمَلِكِ المُرْتَزِقَةِ.
ظَلَّتْ تَتَفَادَى هَجَمَاتِ العَدِيدِ مِنَ الخُصُومِ هُنَا وَهُنَاكَ حَتَّى نِهَايَةِ الوَقْتِ، مُثِيرَةً غَيْظَهُمْ، ثُمَّ تُنْهِي الأَمْرَ بِضَرْبَةٍ أَخِيرَةٍ.
عِنْدَمَا وَصَلَ الوَضْعُ إِلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ أَمَامَ المُتَفَرِّجِينَ مَفَرٌّ مِنْ تَرْكِيزِ أَنْظَارِهِمْ عَلَى دَابِيين.
وَفِي لَمْحِ البَصَرِ، امْتَلأَتْ أَحْجَارُ التَّسْجِيلِ المَرْئِيَّةِ المُنْتَشِرَةِ فِي أَنْحَاءِ القَاعَةِ بِصُوَرِ دَابِيين فَقَطْ.
لَمْ يَعُدِ النَّاسُ يَتَرَاهَنُونَ عَلَى مَنْ سَيَفُوزُ، بَلْ بَدَأُوا يَتَرَاهَنُونَ عَلَى عَدَدِ النَّقَرَاتِ الَّتِي سَتُوَجِّهُهَا دَابِيين لِخَصْمِهَا هَذِهِ المَرَّةَ.
لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ أَرَادَ الكَثِيرُ مِنَ الصَّحَفِيِّينَ إِجْرَاءَ مُقَابَلَةٍ مَعَ دَابِيين.
وَكَانُوا يَكْتُبُونَ المَقَالَاتِ أَسْفَلَ الحَلَبَةِ بَعْدَ كُلِّ جَوْلَةٍ.
مَا الَّذِي يَحْدُثُ بِحَقِّ السَّمَاءِ؟
بِنَقْرَةٍ وَاحِدَةٍ طَيَّرَتْ خَصْمَهَا الأَخِيرَ لِيُهْزَمَ بِالضَّرْبَةِ القَاضِيَةِ، وَأَصْبَحَتْ دَابِيين الفَائِزَةَ فِي مُسَابَقَةِ الفُنُونِ القِتَالِيَّةِ.
لِفَتْرَةٍ مِنَ الوَقْتِ، كَانَتْ صُحُفُ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ مَلِيئَةً بِمَقَالَاتٍ عَنْ فَارِسَيِّ “هِيلْدِيرِيُوز”.
دَابِيين الَّتِي سَيْطَرَتْ عَلَى مُسَابَقَةِ القِتَالِ بِأُسْلُوبٍ فَرِيدٍ وَمُذْهِلٍ، وَلُويْد الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ صَدَّ مَوْجَةَ الوُحُوشِ فِي رُوفْمُوار بِمُفْرَدِهِ.
لَقَدْ أَظْهَرَ كِلَاهُمَا مَهَارَاتِهِمَا الحَقِيقِيَّةَ فِي أَمَاكِنِهِمَا الخَاصَّةِ.
تَصَفَّحَتْ دَابِيين جَرَائِدَ مِنْ عِدَّةِ شَرِكَاتٍ صَحَفِيَّةٍ وَقَرَأَتِ المَقَالَاتِ الضَّخْمَةَ، ثُمَّ وَضَعَتِ الصَّحِيفَةَ وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِلُطْفٍ.
فِي زَاوِيَةِ الصَّحِيفَةِ، كَانَ هُنَاكَ مَقَالٌ يَذْكُرُ أَنَّ شَخْصاً مَا اقْتَحَمَ مَنْزِلَ الدُّوقِ “رُوزبِيلِيير” وَأَضْرَمَ النَّارَ فِي المَبْنَى وَهَاجَمَ الدُّوقَةَ، لَكِنْ لَمْ يَهْتَمَّ أَحَدٌ بِهَذَا المَقَالِ سِوَايَ.
❁❁❁
عَادَ “لُويْد” مِنْ “رُوفْمُوار”.
بِسَبَبِ الضَّجَّةِ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا الصُّحُفُ، كُنْتُ أَعْرِفُ بِالفِعْلِ الإِنْجَازَاتِ الَّتِي حَقَّقَهَا هُنَاكَ.
فَقَدْ غَطَّتِ المَقَالَاتُ كُلَّ الصُّحُفِ تَقْرِيباً، مُتَحَدِّثَةً عَنْ كَيْفَ قَامَ لُويْد بِمُفْرَدِهِ بِمُواجَهَةِ مَوْجَةِ الوُحُوشِ فِي أَرْضِ رُوفْمُوار المُقَدَّسَةِ،
وَكَيْفَ انْتَهَى مِنْ خَتْمِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ بِالتَّعَاوُنِ مَعَ بُرْجِ السَّحَرَةِ.
وَلَكِنَّ وَجْهَ لُويْد الَّذِي عَادَ إِلَى المَنْزِلِ كَانَ سَيِّئاً جِدّاً.
بَدَا غَاضِباً وَحَزِيناً لِلْغَايَةِ مِثْلَ شَخْصٍ فَشَلَ فِي مَهَمَّتِهِ.
خُصُوصاً عِنْدَمَا تَلْتَقِي عَيْنَاهُ بِعَيْنِي، كَانَ يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ مَزِيدٌ مِنَ القَلَقِ وَكَأَنَّهُ غَارِقٌ فِي تَفْكِيرٍ عَمِيقٍ.
كَانَ مِنَ الأَفْضَلِ لَوْ أَخْبَرَنِي بِسَبَبِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ظَلَّ صَامِتاً طَوَالَ الوَقْتِ.
وَحَتَّى عِنْدَمَا سَأَلْتُهُ صَرَاحَةً عَمَّا حَدَثَ، كَانَ يَتَجَنَّبُ النَّظَرَ إِلَى عَيْنَيَّ وَيَتَهَرَّبُ قَائِلاً إِنَّهُ لَا شَيْءَ.
“كَاي”.
بَيْنَمَا كُنْتُ أَسْتَعِدُّ لِلْخُرُوجِ، نَادَانِي لُويْد بِوَجْهٍ مُتَوَتِّرٍ.
هَلْ سَيَتَحَدَّثُ أَخِيراً؟
سَأَلْتُهُ وَأَنَا أَشْعُرُ بِالتَّوَتُّرِ دُونَ قَصْدٍ:
“نَعَمْ؟ مَا الأَمْرُ؟”
ارْتَجَفَتْ حَدَقَتَا عَيْنَيِ لُويْد لِلَحْظَةٍ عِنْدَمَا التَقَتْ بَصَرِي.
بَعْدَ أَنْ نَادَانِي، ظَلَّ مُغْلِقاً فَمَهُ بِقُوَّةٍ وَتَرَدَّدَ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَنِي مَرَّةً أُخْرَى:
“… إِلَى أَيْنَ أَنْتِ ذَاهِبَةٌ؟”
لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا هُوَ مَا كَانَ يُرِيدُ قَوْلَهُ.
رُغْمَ شُكُوكِي، كَشَفْتُ لَهُ عَنْ وُجْهَتِي بِصِدْقٍ:
“لَقَدْ تَمَّتْ دَعْوَتِي لِحَفْلَةِ شَايٍ فِي مَنْزِلِ البَارُونِ أُوفِيرِن وَقَرَّرْتُ الحُضُورَ. أَتَتَذَكَّرُ السَّيِّدَةَ لُوسِي؟ لَقَدْ أَرْسَلَتْ لِي دَعْوَةً”.
“… فَهِمْتُ. اِذْهَبِي وَعُودِي بِحَذَرٍ”.
أَجَابَ لُويْد بِوَجْهٍ حَزِينٍ ثُمَّ وَدَّعَنِي حَتَّى أَمَامِ القَصْرِ.
مَا الَّذِي يَحْدُثُ بِحَقِّ السَّمَاءِ؟
مِلْتُ بِرَأْسِي مُتَعَجِّبَةً مِنْ سُلُوكِهِ غَيْرِ المَفْهُومِ، ثُمَّ رَكِبْتُ العَرَبَةَ.
“سَأَعُودُ سَرِيعاً!”
“كَا…!”
قَبَضَ لُويْد قَبْضَةَ يَدِهِ ثُمَّ بَسَطَهَا وَهُوَ يُشَاهِدُ العَرَبَةَ وَهِيَ تَبْتَعِدُ.
لَقَدْ حَاوَلَ لُويْد. قَوْلَ شَيْءٍ مَا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ، حَيْثُ كُنْتُ قَدْ رَكِبْتُ العَرَبَةَ بِالفِعْلِ.
لَوَّحْتُ بِيَدِي مِنْ خِلَالِ النَّافِذَةِ وَأَنَا أُفَكِّرُ فِي أَنَّنِي سَأُحَاوِلُ إِجْرَاءَ حِوَارٍ جَادٍّ مَعَ لُويْد بَعْدَ عَوْدَتِي مِنْ حَفْلَةِ الشَّايِ.
كَانَ مَنْزِلُ البَارُونِ أُوفِيرِن يَقَعُ فِي مِنْطَقَةٍ سَكَنِيَّةٍ هَادِئَةٍ فِي العَاصِمَةِ.
تَوَقَّفَتِ العَرَبَةُ الَّتِي كَانَتْ تَسِيرُ فِي طَرِيقٍ مُمَهَّدٍ جَيِّداً أَمَامَ قَصْرٍ صَغِيرٍ مُزَيَّنٍ بِشَكْلٍ جَمِيلٍ.
عِنْدَ مَدْخَلِ القَصْرِ، كَانَتْ تَقِفُ لُوسِي مَعَ آنِسَاتٍ ذَوَاتِ وُجُوهٍ مَأْلُوفَةٍ لِي بِمَاضٍ بَعِيدٍ.
يَبْدُو أَنَّهُنَّ كُنَّ يَنْتَظِرْنَ وُصُولِي.
عِنْدَمَا نَزَلْتُ مِنَ العَرَبَةِ، اقْتَرَبَتْ مِنِّي السَّيِّدَةُ لُوسِي وَحَيَّتْنِي:
“كَاي، لَقَدْ جِئْتِ! كَيْفَ حَالُكِ؟”
لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا، لَكِنَّ وَجْهَ السَّيِّدَةِ لُوسِي كَانَ يَشِعُّ نَضَارَةً وَبَرِيقاً.
“نَعَمْ، بِالطَّبْعِ. وَأَنْتِ أَيْضاً بِخَيْرٍ يَا سَيِّدَةُ لُوسِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ يَبْدُو أَنَّ وَجْهَكِ أَصْبَحَ أَجْمَلَ!”
عِنْدَمَا سَأَلْتُ عَنْ أَحْوَالِهَا، ابْتَسَمَتْ وَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا.
فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، اقْتَرَبَتِ الآنِسَاتُ اللَّوَاتِي كُنَّ يَقِفْنَ فِي الخَلْفِ بِتَرَدُّدٍ.
“هَلْ… هَلْ تَتَذَكَّرِينَنَا؟ لَقَدِ التَقَيْنَا مَرَّاتٍ عِدَّةٍ فِي المَقَرِّ الرَّئِيسِيِّ”.
لَا عَجَبَ أَنَّ كُلَّ وُجُوهِهِنَّ كَانَتْ مَأْلُوفَةً.
لَقَدْ كُنَّ زَمِيلَاتِي المُعَالِجَاتِ اللَّوَاتِي قَابَلْتُهُنَّ أَوْ عَمَلْتُ مَعَهُنَّ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الأَقَلِّ أَثْنَاءَ تَنَقُّلِي فِي مَقَرِّ المُعَالِجِينَ بِالعَاصِمَةِ.
اقْتَرَبَتْ مِنِّي إِحْدَاهُنَّ وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِلُطْفٍ:
“مَرْحَباً. اسْمِي هُوَ ‘لِيُونِيل أُوفِيرِن’. شُكْراً لَكِ عَلَى تَلْبِيَةِ الدَّعْوَةِ”.
لَقَدْ كَانَتْ هِيَ صَاحِبَةَ الضِّيَافَةِ وَبَطَلَةَ هَذَا اليَوْمِ.
عِنْدَمَا حَيَّيْتُهَا بِحَرَارَةٍ، رَسَمَتْ ابْتِسَامَةً لَطِيفَةً:
“لِنَتَعَارَفْ بَعْدَ الدُّخُولِ إِلَى الدَّاخِلِ. بَسْكَوِيتُ مَنْزِلِنَا لَذِيذٌ جِدّاً”.
المَكَانُ الَّذِي اقْتَادَتْنِي إِلَيْهِ “لِيُونِيل” كَانَ حَدِيقَةَ القَصْرِ.
الحَدِيقَةُ الَّتِي يَبْدُو أَنَّهَا حَظِيَتْ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ كَانَتْ جَمِيلَةً بِحَدِّ ذَاتِهَا، وَمَكَانُ حَفْلَةِ الشَّايِ الَّذِي أُعِدَّ فِي وَسَطِهَا كَانَ أَنِيقاً. وَعَلَى طَاوِلَةِ الشَّايِ المُزَيَّنَةِ بِلَطَافَةٍ، كَانَتْ هُنَاكَ أَطْبَاقٌ مَلِيئَةٌ بِالبَسْكَوِيتِ وَالحَلْوَيَاتِ المُزَخْرَفَةِ بِجَمَالٍ.
“وَاو”.
حَدِيقَةٌ مَلِيئَةٌ بِالزُّهُورِ، بَسْكَوِيتٌ حُلْوٌ وَشَايٌ، وَآنِسَاتٌ يَضْحَكْنَ وَيَتَحَدَّثْنَ عَنْ أُمُورٍ بَسِيطَةٍ.
‘أَجَلْ. هَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ جَوْ رِوَايَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ وَالخَيَالِ الكُورِيَّةِ’.
شَرِبْتُ الشَّايَ بِمَرَحٍ وَاسْتَمْتَعْتُ بِالأَجْوَاءِ الهَادِئَةِ وَالمُرِيحَةِ.
وَلَكِنْ، سُرْعَانَ مَا انْتَهَتِ الأَجْوَاءُ الهَادِئَةُ.
“لِذَلِكَ، هَلْ تَعْرِفُونَ مَاذَا قَالَ ذَلِكَ الوَغْدُ مُدِيرُ المَقَرِّ؟ قَالَ إِنَّ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِي! يَا إِلَهِي، هَلْ يُعْقَلُ هَذَا؟ هَذَا مُذْهِلٌ حَقّاً”.
“لَقَدْ وَظَّفَ العَدِيدَ مِنَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ لَا يُجِيدُونَ العَمَلَ عَنْ طَرِيقِ الوَسَاطَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مَنْ يَعْمَلُ، جَاءَ إِلَيَّ وَطَلَبَ مِنِّي حَلَّ المَشَاكِلِ، فَهَلْ يُمْكِنُنِي أَلَّا أُجَنَّ؟”
مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي بَدَأَتْ فِيهَا إِحْدَى الآنِسَاتِ بِالتَّحَدُّثِ، تَحَوَّلَ مَوْضُوعُ الحِوَارِ إِلَى رُؤَسَاءِ العَمَلِ، وَبَدَأَتْ حَفْلَةُ الشَّايِ الهَادِئَةُ وَالصَّامِتَةُ تَنْفَجِرُ مِثْلَ مَطْعَمِ لُحُومٍ بَعْدَ انْتِهَاءِ عَمَلِ الموظفين. كَانَ “الطَّعَامُ المُرُّ” (مَوْضُوعُ النَّقْدِ) هُوَ رُؤَسَاءُ العَمَلِ بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ.
أَجَلْ، أَنَا أَعْرِفُ أَيْضاً مُدِيرَ مَقَرِّ المُعَالِجِينَ الإِمْبَرَاطُورِيِّ فِي العَاصِمَةِ.
لِمَاذَا أَشْعُرُ أَنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى الكُحُولِ أَكْثَرَ مِنَ البَسْكَوِيتِ وَالشَّايِ.
“عَلَى أَيِّ حَالٍ، فَإِنَّ المُعَامَلَةَ فِي المَقَرِّ سَيِّئَةٌ جِدّاً لِدَرَجَةِ أَنَّنِي أُفَكِّرُ فِي الِاسْتِقَالَةِ. لَقَدْ تَلَقَّيْتُ عَرْضاً لِلْعَمَلِ فِي مَكَانٍ آخَرَ”.
فَتَحَتْ لُوسِي فَمَهَا وَجَسَدُهَا يَبْدُو عَلَيْهِ الإِرْهَاقُ.
“يَا إِلَهِي، وَأَنَا أَيْضاً. لَقَدْ تَلَقَّيْتُ عَرْضاً مِنَ فِرْقَةِ فُرْسَانِ عَائِلَةِ ‘وُودْسِينِي’، وَكَانَ فَرْقُ الرَّاتِبِ السَّنَوِيِّ يَصِلُ إِلَى 30 عُمْلَةً ذَهَبِيَّةً. وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبْتُ إِلَى هُنَاكَ، سَأَضْطَرُّ لِلْبَدْءِ مِنْ جَدِيدٍ كَمُوَظَّفَةٍ جَدِيدَةٍ، لِذَلِكَ أَنَا فِي حِيرَةٍ كَبِيرَةٍ الآنَ”.
قَطَّبَتْ إِحْدَى الآنِسَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَشْكِينَ مِنْ حَالِهِنَّ حَاجِبَيْهَا وَكَأَنَّ رَأْسَهَا يُؤْلِمُهَا.
وَهَكَذَا، انْتَهَتْ حَفْلَةُ الشَّايِ بِمُجَرَّدِ دَرْدَشَةٍ مَلِيئَةٍ بِأَحْزَانِ الموظفين.
“لِنَجْتَمِعْ غَالِباً فِي المُسْتَقْبَلِ! لَقَدْ كَانَ مِنَ الجَمِيلِ اللِّقَاءُ وَالتَّحَدُّثُ هَكَذَا، فَقَدْ تَخَلَّصْتُ مِنَ الضَّغْطِ النَّفْسِيِّ”.
قَالَتْ لِيُونِيل وَهِيَ تُلَوِّحُ بِيَدِهَا لِلآنِسَاتِ اللَّوَاتِي رَكِبْنَ العَرَبَاتِ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كُنْتُ سَأَرْكَبُ فِيهَا العَرَبَةَ مَعَ شُعُورٍ بِالقَلِيلِ مِنَ الأَسَفِ لِانْتِهَاءِ اللِّقَاءِ.
“كَاي!”
نَظَرْتُ لِلْخَلْفِ فَرَأَيْتُ السَّيِّدَةَ لُوسِي.
كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ بِوَجْهٍ مُتَرَدِّدٍ.
“مِنَ المُؤْسِفِ أَنْ نَفْتَرِقَ هَكَذَا، هَلْ تَرْغَبِينَ فِي تَنَاوُلِ مَشْرُوبٍ بَسِيطٍ فِي مَنْزِلِي؟”
تَذَكَّرْتُ فَجْأَةً لُوسِي الَّتِي كَانَتْ تَبْكِي فِي قَاعَةِ الِاحْتِفَالَاتِ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ حَفْلَ تَنْصِيبِ وَلِيِّ العَهْدِ.
عِنْدَمَا رَأَيْتُ وَجْهَهَا القَلِقَ، شَعَرْتُ بِالشَّفَقَةِ نَحْوَهَا.
ابْتَسَمْتُ بِإِشْرَاقٍ وَوَافَقْتُ عَلَى طَلَبِهَا بِرِحَابَةِ صَدْرٍ.
“هُنَاكَ سَكَنٌ لِمَقَرِّ المُعَالِجِينَ بِالقُرْبِ مِنْ هُنَا. يُمْكِنُنَا الذَّهَابُ مَشْياً، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ لُوسِي، طَلَبْتُ مِنَ العَرَبَانِيِّ أَنْ يَنْتَظِرَنِي قَلِيلاً لِأَنَّنِي سَأَذْهَبُ لِتَنَاوُلِ مَشْرُوبٍ هُنَا.
نَظَرَ العَرَبَانِيُّ الَّذِي بَدَا عَلَيْهِ الِارْتِبَاكُ إِلَيَّ وَإِلَى لُوسِي بِالتَّبَادُلِ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ قَائِلاً لِي أَنْ أَعُودَ بَاكِراً.
التعليقات لهذا الفصل " 96"