الفصل 94
لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِ أَحَدٍ رُؤْيَةُ أَيِّ شَيْءٍ دَاخِلَ الحَاجِزِ الَّذِي امْتَلأَ بِضَوْءٍ سَاطِعٍ.
يُوتِيَاس، الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ الصِّيَغَ السِّحْرِيَّةَ فَوْقَ دَائِرَةٍ سِحْرِيَّةٍ عِمْلَاقَةٍ مِنْ فَوْقِ شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ تُطِلُّ عَلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، ذُهِلَ مِنَ الضَّوْءِ الَّذِي تَوَلَّدَ فَجْأَةً وَقَالَ:
“وَاو، لَوْ كُنْتُ دَاخِلَ ذَلِكَ الحَاجِزِ لَمُتُّ عَلَى الأَقَلِّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
كَانَتْ قُوَّةً هَائِلَةً تَجْعَلُ الجَسَدَ يَرْتَجِفُ حَتَّى مِنْ خَارِجِ الحَاجِزِ، وَلَوْ كَانَ المَرْءُ بِدَاخِلِهِ لَرُبَّمَا تَلَاشَتْ رُوحُهُ تَمَاماً.
أَوْمَأَ لُويْد، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ الوَضْعَ بِجَانِبِ يُوتِيَاس، بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ مُوَافِقاً.
فَلَا بُدَّ أَنَّ سِحْرَ النُّسْخَةِ الَّذِي أَخْفَاهُ فِي الحَاجِزِ قَدْ ذَابَ وَاخْتَفَى مُنْذُ زَمَنٍ.
“لِنَصْنَعْ حَاجِزاً آخَرَ لِلِاحْتِيَاطِ”.
رَسَمَ يُوتِيَاس سَرِيعاً دَائِرَةً سِحْرِيَّةً صَغِيرَةً فِي جَانِبٍ آخَرَ مِنَ الفَرَاغِ.
وَمَضَتِ الدَّائِرَةُ المُكْتَمِلَةُ ثُمَّ تَوَارَتْ عَنِ الأَنْظَارِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، تَكَوَّنَتْ شَبَكَةٌ تَلْمَعُ بِاللَّوْنِ البَنَفْسَجِيِّ وَبَدَأَتْ تُحِيطُ بِالحَاجِزِ بِأَكْمَلِهِ.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، اخْتَفَى الضَّوْءُ السَّاطِعُ الَّذِي مَلأَ دَاخِلَ الحَاجِزِ، وَظَهَرَتْ بُورِي وَهِيَ تَلْتَفِتُ حَوْلَهَا.
شَعْرٌ أَبْيَضُ، وَعَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ، وَقُوَّةٌ مُقَدَّسَةٌ قَوِيَّةٌ…
إِنَّهَا ذَلِكَ الكِيَانُ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ مِرَاراً فِي الوَثَائِقِ القَدِيمَةِ وَالكُتُبِ المُقَدَّسَةِ لِمَعْبَدِ تِيرِينَا.
‘مَخْلُوقُ الإِلَهِ’.
فِي الحَمَامِ الزَّاجِلِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ بِصِفَةٍ عَاجِلَةٍ، كَانَتْ هُنَاكَ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ عَنْ مَنْ يَسْتَخْدِمُ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ مَعَ طَلَبِ خَتْمِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.
مَعَ رَجَاءٍ بِرَسْمِ دَائِرَةِ خَتْمٍ سِحْرِيَّةٍ فِي السَّاحَةِ فَوْقَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَتَنْفِيذِ سِحْرِ النُّسَخِ دُونَ أَنْ يُلَاحِظَ أَحَدٌ.
قِيلَ إِنَّهُ رَجَاءٌ، لَكِنَّهُ كَانَ بِمَثَابَةِ أَمْرٍ.
مَتَى انْتَهَتْ فَتْرَةُ التَّعَاقُدِ مَعَ دَابِيين؟
شَعَرَ يُوتِيَاس بِالِانْزِعَاجِ لِلَحْظَةٍ مِنْ رِسَالَةِ لُويْد، لَكِنَّهُ اسْتَجَابَ لِطَلَبِهِ لِأَنَّهُ شَعَرَ أَنَّ شَيْئاً مُمْتِعاً سَيَحْدُثُ.
وَالآنَ، ظَهَرَ أَمَامَهُ مَخْلُوقُ الإِلَهِ.
‘كَيْفَ عَرَفَ هَذَا الرَّجُلُ حَقِيقَةَ مِثْلِ هَذَا الوَحْشِ؟’
نَظَرَ يُوتِيَاس إِلَى لُويْد وَهُوَ يُرَاقِبُ تَحَوُّلَ الشَّعْرِ إِلَى الأَبْيَضِ وَالعَيْنَيْنِ إِلَى الأَحْمَرِ.
“عَلَى أَيِّ حَالٍ، كَيْفَ عَرَفْتَ؟”
أَجَابَ “لُويْد” بِاخْتِصَارٍ:
“عَرَفْتُ بِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَيْتُهَا”.
“يَا لَكَ مِنْ رَجُلٍ، لَقَدْ سَاعَدْتُكَ بِصُعُوبَةٍ وَأَنْتَ لَا تُشَارِكُنِي المَعْلُومَاتِ؟ هَذَا لُؤْمٌ”.
تَمْتَمَ يُوتِيَاس بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ.
وَتَجَاهُلاً لِرَدِّ فِعْلِهِ، قَطَّبَ لُويْد حَاجِبَيْهِ.
‘إِنَّهُ لَا يُصَدِّقُ كَلَامَ البَشَرِ. لَقَدْ قُلْتُ الحَقِيقَةَ فَقَطْ’.
مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي حَيَّتْهُ فِيهَا قَائِلَةً إِنَّهَا تَنْتَمِي إِلَى مَقَرِّ المُعَالِجِينَ الإمْبَرَاطُورِيِّ، كَانَ لُويْد وَاثِقاً بِأَنَّهَا بُورِي، رَفِيقَةُ السَّكَنِ وَالصَّدِيقَةُ المُقَرَّبَةُ الَّتِي كَانَتْ كَاي تَبْحَثُ عَنْهَا بِشِدَّةٍ.
مَتَى عَرَفَ وَجْهَهَا؟
أَجَلْ، كَانَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً بَعْدَ إِحْضَارِ كَاي مِنْ زِيرُونِيَا.
الأَشْخَاصُ المُحِيطُونَ بِـكَاي الَّذِينَ اخْتَفَوْا فِي لَمْحِ البَصَرِ.
وَلِتَعْزِيَةِ كَاي الَّتِي انْعَزَلَتْ فِي غُرْفَتِهَا بَعْدَ فُقْدَانِهِمْ، بَذَلَ التَّوْأَمُ جُهْداً كَبِيراً لِلْعُثُورِ عَلَيْهِمْ.
لَقَدْ أَوْكَلُوا القَضِيَّةَ إِلَى أَهَمِّ نَقَابَاتِ المَعْلُومَاتِ فِي القَارَّةِ وَأَرْسَلُوا العَدِيدَ مِنَ المُرْتَزِقَةِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا أَيَّ طَرَفِ خَيْطٍ لِلْقَضِيَّةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ.
رُغْمَ اسْتِثْمَارِ مَبَالِغَ طَائِلَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ نَتَائِجَ، وَهَذَا مَا جَعَلَ الشُّكُوكَ تَتَوَلَّدُ.
كَانَتْ زِيرُونِيَا مَدِينَةً إِقْلِيمِيَّةً كَبِيرَةً يَسْكُنُهَا عَدَدٌ هَائِلٌ مِنَ السُّكَّانِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يُوجَدُ شَاهِدُ عِيَانٍ وَاحِدٌ عَلَى اخْتِفَاءِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَاتِ الأَشْخَاصِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
هَلْ هَذَا مُمْكِنٌ؟
خَمَّنَ التَّوْأَمُ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِفَاءِ مُرْتَبِطٌ بِمَوْتِ الرَّسُولِ، فَتَعَاوَنَا مَعَ عَائِلَةِ الكُونْتِ فِي زِيرُونِيَا لِتَفَحُّصِ أَحْجَارِ التَّسْجِيلِ المَرْئِيَّةِ الَّتِي صَوَّرَتِ الشَّوَارِعَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ.
وَكَانَ الشَّخْصُ الرَّئِيسِيُّ الَّذِي بَحَثُوا عَنْهُ فِي الأَحْجَارِ هُوَ صَدِيقَةُ كَاي المُقَرَّبَةُ.
لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ مَعْرِفَةَ مَكَانِهَا سَيُعِيدُ لِـكَاي نَشَاطَهَا عَلَى الأَقَلِّ، وَبِسَبَبِ تَدْقِيقِهِمْ فِي المَقَاطِعِ مِرَاراً، كَانَ لُويْد يَتَذَكَّرُ وَجْهَ بُورِي تَمَاماً.
لَكِنَّ عَدَدَ أَحْجَارِ التَّسْجِيلِ فِي الشَّوَارِعِ لَمْ يَكُنْ كَبِيراً، وَحَتَّى فَتْرَةُ حِفْظِهَا كَانَتْ قَصِيرَةً، مِمَّا جَعَلَ المَقَاطِعَ الَّتِي حَصَلُوا عَلَيْهَا قَلِيلَةً جِدّاً.
وَلِهَذَا السَّبَبِ، غَرِقَتِ الأَدِلَّةُ حَوْلَ المَفْقُودِينَ فِي غَيَاهِبِ الغُمُوضِ.
لِذَلِكَ، عِنْدَمَا حَيَّتْهُ بُورِي أَمَامَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، شَعَرَ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ.
تَخَيَّلَ كَمْ سَتَفْرَحُ كَاي عِنْدَمَا تَطْمَئِنُّ عَلَى صَدِيقَتِهَا.
لَكِنَّ لُويْد سُرْعَانَ مَا صَرَفَ النَّظَرَ عَنْ ذَلِكَ.
فَقَدْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مَأْلُوفٌ جِدّاً فِي نَظْرَةِ بُورِي إِلَيْهِ.
رُوحٌ قَتَالِيَّةٌ.
شَيْءٌ مُتَمَوِّجٌ وَمَكْبُوتٌ لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ.
بِفَضْلِ تَمَرُّسِهِ فِي سَاحَاتِ القِتَالِ وَالدَّهَالِيزِ، طَوَّرَ لُويْد حَوَاسَّ خَارِقَةً لَا تُخْطِئُ حَتَّى أَصْغَرَ رُوحٍ قَتَالِيَّةٍ.
بَيْنَمَا كَانَ يَتَسَاءَلُ لِمَاذَا تَشْعُرُ بِالرَّغْبَةِ فِي قَتْلِهِ، تَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِهِ فَجْأَةً “زَاد” الَّذِي تَلَاشَى فِي شِقَّةِ كَاي.
وَبِمُرَاقَبَتِهِ لِـبُورِي الَّتِي كَانَتْ تَرْصُدُهُ طَوَالَ الوَقْتِ، تَأَكَّدَ لُويْد.
‘هَذِهِ أَيْضاً مِنَ العِصَابَةِ نَفْسِهَا’.
هَمَسَتْ لَهُ غَرِيزَتُهُ الَّتِي نَجَتْ مِنْ حُرُوبٍ طَاحِنَةٍ؛ بِأَنَّ مَوْقِفاً مُشَابِهاً لِمَا حَدَثَ مَعَ “زَاد” سَيَتَكَرَّرُ.
بَعْدَ القَضَاءِ عَلَى الوُحُوشِ، أَرْسَلَ “لُويْد” حَمَاماً زَاجِلاً إِلَى “دَابِيين” عَلَى عَجَلٍ.
لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَتَلَقَّى رَدّاً يَقْضِي بِالتَّعَاوُنِ مَعَ يُوتِيَاس…
وَلَكِنْ، أَنْ تَسْتَهْدِفَ حَيَاتَهُ وَتَفُكَّ خَتْمَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ.
لَمْ يَتَخَيَّلْ أَبَداً أَنَّهَا سَتَفُكُّهُ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.
“السَّيِّدُ لُويْد، سَأَسْتَخْدِمُ سِحْرَ النُّسْخَةِ مُجَدَّداً، فَحَاوِلْ أَنْ تَسْتَدْرِجَهَا بِالكَلَامِ. يَبْدُو أَنَّهَا تُحِبُّ التَّحَدُّثَ، أَلَا يَجِبُ أَنْ نَحْصُلَ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ المَعْلُومَاتِ؟”
سَأَلَ يُوتِيَاس وَهُوَ يُرَاقِبُ بُورِي الَّتِي كَانَتْ تَتَجَوَّلُ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَتُنَادِي بِاسْمِ
لُويْد.
لَكِنَّ لُويْد لَمْ يُجِبْ بِأَيِّ شَيْءٍ.
‘مِنَ المُسْتَحِيلِ أَنْ يُطِيعَ هَذَا الرَّجُلُ كَلَامِي بِسُهُولَةٍ. مَاذَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ مِنْ شَخْصٍ صَامِتٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى الحِوَارِ؟’
تَنَهَّدَ يُوتِيَاس ثُمَّ قَالَ:
“سَأَفْعَلُ ذَلِكَ بِنَفْسِي. سَأُلْقِي عَلَيْهَا وَهْماً”.
رَسَمَ دَائِرَةً سِحْرِيَّةً وَاحِدَةً مَلِيئَةً بِصِيَغِ سِحْرِ الوَهْمِ فِي الهَوَاء كَأَنَّهَا تَتَطَايَرُ. وَفِي لَحْظَةٍ، وَمَضَ السِّحْرُ وَتَمَّ تَنْفِيذُهُ.
تَوَجَّهَتْ طَاقَةُ السِّحْرِ البَنَفْسَجِيَّةُ بِبُطْءٍ نَحْوَ بُورِي.
نَظَرَ يُوتِيَاس إِلَيْهَا بِوَجْهٍ مَلِيءٍ بِالتَّشْوِيقِ.
“أوه؟”
لَكِنَّ تِلْكَ الطَّاقَةَ لَمْ تَصِلْ حَتَّى إِلَى جِوارِ بُورِي، بَلْ تَأَكْسَدَتْ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ وَتَلَاشَتْ.
“هَه، إِنَّهُ لَا يَعْمَلُ!”
تَمْتَمَ يُوتِيَاس بِخَيْبَةِ أَمَلٍ.
أَمَال لُويْد رَأْسَهُ مُتَسَائِلاً، ثُمَّ قَطَّبَ حَاجِبَيْهِ وَرَسَمَ دَائِرَةً سِحْرِيَّةً فِي الهَوَاءِ.
كَانَتْ مُطَابِقَةً تَمَاماً لِلدَّائِرَةِ الَّتِي رَسَمَهَا يُوتِيَاس لِلْتَوِّ.
“هَذَا مُبْهِرٌ حَقّاً!”
أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ صِيَغِ دَائِرَةِ سِحْرِ الوَهْمِ وَيُنَفِّذَهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ القَصِيرَةِ.
‘إِنَّهُ وَحْشٌ’.
تَعَجَّبَ يُوتِيَاس مِمَّا رَأَى.
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، أَضَافَ لُويْد صِيَغاً أُخْرَى.
وَمَا إِنِ اكْتَمَلَتِ الدَّائِرَةُ، حَتَّى انْبَعَثَتْ طَاقَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ مُنْتَصَفِ الدَّائِرَةِ الوَامِضَةِ.
تَوَجَّهَتِ الطَّاقَةُ الَّتِي كَانَتْ تُشِعُّ ضَوْءاً سَاطِعاً وَنَاعِماً بِسُرْعَةٍ نَحْوَ بُورِي.
الطَّاقَةُ الَّتِي حَامَتْ حَوْلَهَا تَلَاشَتْ تَدْرِيجِيّاً مِثْلَ الضَّبَابِ.
“هُوه، لَقَدْ نَجَحَ الأَمْرُ”.
قَالَ يُوتِيَاس وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى بُورِي.
اخْتَفَى الوَمِيضُ مِنْ عَيْنَيْ بُورِي.
وَمِنْ عَيْنَيْهَا الَّتِي كَانَتْ تَتَفَحَّصُ كُلَّ مَكَانٍ، سَقَطَتْ دَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ.
ثُمَّ بَدَأَتْ تَنْتَحِبُ بِحُزْنٍ شَدِيدٍ.
وَبَعْدَ أَنْ ظَلَّتْ تَبْكِي لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، بَدَأَتْ بُورِي تَصْرُخُ:
“لِمَاذَا…! لِمَاذَا تَفْعَلُ ذَلِكَ حَقّاً! هَلْ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَغْلَى عِنْدَكَ مِنَّا؟”
انْسَكَبَ الضَّوْءُ مَرَّةً أُخْرَى مِنَ العَصَا الَّتِي فِي يَدِ بُورِي.
بَدَتْ غَاضِبَةً جِدّاً وَهِيَ تَبْكِي دُونَ تَوَقُّفٍ، تُصْدِرُ ضَوْءاً سَاطِعاً ثُمَّ تُخْفِيهِ مِرَاراً وَتَكْرَاراً.
وَمَعَ تَكْرَارِ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، بَدَأَ الحَاجِزُ القَوِيُّ يَهْتَزُّ وَكَأَنَّهُ سَيَنْكَسِرُ.
“سَيَنْفَكُّ الخَتْمُ كُلُّهُ بِهَذَا المَعْدَلِ”.
بَدَأَ يُوتِيَاس سَرِيعاً بِكِتَابَةِ صِيَغِ دَائِرَةِ الخَتْمِ العِمْلَاقَةِ.
وَمَا إِنِ اكْتَمَلَتِ الدَّائِرَةُ، حَتَّى بَدَأَتْ تَدُورُ وَتُشِعُّ ضَوْءاً مَعَ صَوْتِ رَنِينٍ قَوِيٍّ.
“هَكَذَا نَطْمَئِنُّ”.
نَظَرَ يُوتِيَاس إِلَى الدَّائِرَةِ السِّحْرِيَّةِ بِرِضًا، ثُمَّ نَظَرَ فَجْأَةً إِلَى لُويْد وَسَأَلَ:
“عَلَى أَيِّ حَالٍ، أَيُّ نَوْعٍ مِنْ سِحْرِ الوَهْمِ أَلْقَيْتَهُ؟”
سَأَلَ يُوتِيَاس وَهُوَ يُرَاقِبُ بُورِي الَّتِي كَانَتْ تَصُبُّ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ بِلَا نِهَايَةٍ نَحْوَ شَيْءٍ مَا وَهِيَ تَبْكِي بِأَلَمٍ.
نَظَرَ لُويْد إِلَى بُورِي لِفَتْرَةٍ ثُمَّ أَجَابَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“… الذَّنْبُ”.
‘الذَّنْبُ؟ إِذَا شَعَرَتْ بِالذَّنْبِ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ يَنْهَارُ العَالَمُ’.
تَعَجَّبَ يُوتِيَاس وَهُوَ يَرَى بُورِي تُفَجِّرُ غَضَبَهَا وَتَنْفُثُ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ بِجُنُونٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
فَانْغ!
مَعَ صَوْتِ انْفِجَارٍ ضَخْمٍ، اهْتَزَّتِ الأَرْضُ بِقُوَّةٍ.
كَانَ صَوْتاً قَوِيّاً يَخْتَلِفُ تَمَاماً عَنِ الِانْفِجَارَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَتَوَالَى حَتَّى الآنَ.
بَدَأَ جَانِبٌ مِنَ الحَاجِزِ، الَّذِي كَانَ يَتَحَمَّلُ القُوَّةَ بِصَمْتٍ، يَنْكَسِرُ مَعَ صَوْتِ “بَاجِيجِيك”.
وَمَعَ ذَلِكَ، تَلاشَتْ إِحْدَى الصِّيَغِ دَاخِلَ دَائِرَةِ الخَتْمِ العِمْلَاقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَدُورُ أَمَامَ يُوتِيَاس.
“لَعْنَةً عَلَى هَذَا!”
أَطْلَقَ يُوتِيَاس شَتِيمَةً وَبَدَأَ بِإِعَادَةِ رَسْمِ الصِّيغَةِ الَّتِي اخْتَفَتْ لِإِصْلَاحِهَا.
وَبَعْدَ فَتْرَةٍ، تَلاشَى الضَّوْءُ الَّذِي مَلأَ الحَاجِزَ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
فَوْقَ السَّاحَةِ المُظْلِمَةِ، وَقَفَتْ بُورِي وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بِذُهُولٍ.
بَدَا جَسَدُ بُورِي ضَعِيفاً جِدّاً وَكَأَنَّهُ سَيَنْكَسِرُ عِنْدَ أَيِّ لَمْسَةٍ.
فَتَحَتْ بُورِي فَمَهَا قَلِيلاً وَتَمْتَمَتْ بِشَيْءٍ مَا.
اسْتَطَاعَ لُويْد مَعْرِفَةَ مَا تَعْنِيهِ حَرَكَةُ شَفَتَيْهَا.
“اهْـ…… رُبِي…… كَاي”.
بَعْدَ أَنْ ظَلَّتْ وَاقِفَةً دُونَ حَرَاكٍ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، تَحَرَّكَ إِصْبَعُ بُورِي قَلِيلاً.
ثُمَّ بَدَأَ الإِصْبَعُ يَفْقِدُ شَكْلَهُ وَيَتَحَوَّلُ إِلَى سَائِلٍ أَسْوَدَ يَقْطُرُ لِلأَسْفَلِ وَكَأَنَّهُ فَقَدَ قُوَّتَهُ.
“……!”
بَدَأَ جَسَدُهَا يَتَحَوَّلُ إِلَى سَائِلٍ أَسْوَدَ ابْتِدَاءً مِنَ الأَصَابِعِ، ثُمَّ انْتَشَرَ إِلَى المِعْصَمِ وَالذِّرَاعِ وَبَقِيَّةِ الجَسَدِ.
اخْتَفَى جَسَدُهَا تَمَاماً وَتَحَوَّلَ إِلَى سَائِلٍ أَسْوَدَ دُونَ أَيِّ أَثَرٍ.
وَفِي النِّهَايَةِ، لَمْ يَبْقَ سِوَى بِرْكَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ السَّائِلِ الأَسْوَدِ وَمُقْلَتَيْ عَيْنٍ حَمْرَاوَيْنِ فَقَطْ.
“لَا، مَا هَذَا……؟”
لَقَدْ رَآهُ مِنْ قَبْلُ.
لَمَعَتْ عَيْنَا يُوتِيَاس وَهُوَ يَتَفَحَّصُ السَّائِلَ بِدِقَّةٍ.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، بَدَأَتِ البِرْكَةُ السَّوْدَاءُ تَتَلَوَّى وَتَحَوَّلَتْ إِلَى “سْلَايِم” (كُتْلَةٍ هُلَامِيَّةٍ) عِمْلَاقٍ، وَبَدَأَ يَتَجَوَّلُ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ بِلَا هَدَفٍ.
وَكَانَتِ المُقْلَتَانِ الحَمْرَاوَانِ تَنْظُرَانِ هُنَا وَهُنَاكَ بِاسْتِمْرَارٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 94"