الفصل 90
“يَا لَلرَّوْعَةِ، إِنَّهُمَا ثُنَائِيٌّ بَاهِرٌ حَقّاً!”
عِنْدَمَا صَرَخَتْ زَوْجَةُ الدُّوقِ رُوزْبِيلِير بِصَوْتٍ عَالٍ، بَدَأَ النُّبَلَاءُ المُحِيطُونَ بِهَا يُؤَيِّدُونَ كَلَامَهَا وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ.
“مِنْ أَيِّ عَائِلَةٍ هِيَ تِلْكَ الآنِسَةُ؟ حَسَناً، إِنَّهُمَا يَبْدُوَانِ رَائِعَيْنِ مَعاً.”
“كِلَاهُمَا يَمْتَلِكُ مَظْهَراً مِثَالِيّاً، يَبْدُو أَنَّ ذَلِكَ الجَانِبَ فَقَطْ هُوَ مَنْ يُضِيءُ. إِنَّهُمَا زَوْجٌ يُشْبِهُ اللَّوْحَةَ الفَنِّيَّةَ.”
النُّبَلَاءُ يَمْدَحُونَ مَظْهَرِي مَعَ وَلِيِّ العَهْدِ، وَوَلِيُّ العَهْدِ يُمْسِكُ بِيَدِي وَيَدُورُ مُبْتَسِماً بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ.
وَمِنْ بَعِيدٍ، كَانَتْ دَابِيين تُرَاقِبُ هَذَا المَوْقِفَ بِوَجْهٍ شَاحِبٍ وَقَبْضَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ بِقُوَّةٍ.
هَذَا المَشْهَدُ مَأْلُوفٌ لِي.
أَجَلْ، لَا يُمْكِنُني أَنْ أَنْسَى هَذَا المَشْهَدَ؛ فَقَدْ كَانَ يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ مُقَدِّمَةَ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَرَأْتُهَا مِرَاراً وَتِكْرَاراً.
تَجَسَّدَ أَمَامَ عَيْنَيَّ مَشْهَدٌ مِنَ الرِّوَايَةِ كُنْتُ قَدْ قَرَأْتُهُ قَبْلَ انْتِقَالِي إِلَى هُنَا.
تَذَكَّرْتُ كُلَّ شَيْءٍ، بِمَا فِي ذَلِكَ التَّعْلِيقُ الَّذِي تَرَكْتُهُ حِينَهَا وَتَعْلِيقَاتُ النَّاسِ الأُخْرَى.
صَدَحَتْ أَلْحَانُ الأُورْكِسْتْرَا فِي القَاعَةِ مُعْلِنَةً بَدْءَ الرَّقْصِ.
بَعْدَ أَنْ يَقُومَ وَلِيُّ العَهْدِ وَزَوْجَتُهُ بِأَدَاءِ الرَّقْصَةِ الأُولَى، يَبْدَأُ الاحْتِفَالُ الحَقِيقِيُّ.
وَقَفَتْ دَابِيين مَعَ وَلِيِّ العَهْدِ؛ فَقَدْ كَانَ عَلَيْهَا الرَّقْصُ مَعَهُ لِيَسْتَمِرَّ الحَدَثُ.
رُغْمَ أَنَّهُ زَوْجٌ لَا يُحَدِّثُهَا الآنَ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى، إِلَّا أَنَّ هَذَا كَانَ حَدَثاً رَسْمِيّاً يَحْضُرُهُ الإمْبَرَاطُورُ وَجَمِيعُ نُبَلَاءِ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ.
سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَاقَتُهَا بِزَوْجِهَا جَيِّدَةً أَمْ سَيِّئَةً، فَقَدْ كَانَتْ هِيَ زَوْجَةَ وَلِيِّ العَهْدِ، وَكَانَ عَلَيْهَا أَدَاءُ وَاجِبِهَا.
انْتَظَرَتْهُ دَابِيين بِصَمْتٍ.
لَكِنَّ وَلِيَّ العَهْدِ الَّذِي نَهَضَ مِنْ مَقْعَدِهِ نَظَرَ إِلَيْهَا بِحِدَّةٍ، ثُمَّ أَدَارَ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ وَتَوَجَّهَ إِلَى مَكَانٍ مَا.
شَحُبَتْ وُجُوهُ النُّبَلَاءِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ.
إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ وَيَتْرُكُ زَوْجَتَهُ؟
تَوَقَّفَ وَلِيُّ العَهْدِ، الَّذِي كَانَ يَمْشِي بِخُطَوَاتٍ وَاسِعَةٍ وَغَاضِبَةٍ، أَمَامَ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ بِشَكْلٍ مَبْهُورٍ.
جَثَا عَلَى رُكْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَسَأَلَهَا بِلُطْفٍ:
°الآنِسَةُ إِيفِيلِيَانَا رُوزْبِيلِير، هَلْ تَقْبَلِينَ بِأَنْ تَكُونِي شَرِيكَتِي الأُولَى؟°
ضَجَّتِ القَاعَةُ.
أَيُعْقَلُ أَنْ يَتْرُكَ زَوْجَتَهُ تَقِفُ بِجَانِبِهِ وَيَذْهَبَ لِيَطْلُبَ الرَّقْصَةَ الأُولَى مِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى؟
اتَّجَهَتْ أَنْظَارُ النُّبَلَاءِ نَحْوَ دَابِيين.
يَبْدُو أَنَّ الشَّائِعَاتِ الَّتِي تَدُورُ فِي القَصْرِ حَوْلَ عِلاقَةِ وَلِيِّ العَهْدِ بِامْرَأَةٍ أُخْرَى كَانَتْ حَقِيقِيَّةً.
بَدَأُوا يَتَهَامَسُونَ بِصَوْتٍ عَالٍ لِتَسْمَعَهُمْ
دَابِيين:
“يَا لَهُمَا مِنْ ثُنَائِيٍّ بَاهِرٍ.”
صَارَحَ أَحَدُ النُّبَلَاءِ بِذَلِكَ.
وَبَعْدَ نَظْرَةٍ خَاطِفَةٍ إِلَى رَدِّ فِعْلِ دَابِيين، بَدَأَ الآخَرُونَ بِالكَلَامِ:
“إِذَا كَانَتِ الآنِسَةُ إِيفِيلِيَانَا… فَهِيَ تَلِيقُ بِمَقَامِ وَلِيِّ العَهْدِ. إِنَّهُمَا زَوْجٌ مُتَنَاسِقٌ جِدّاً.”
“أَجَلْ، إِنَّهُمَا ثُنَائِيٌّ رَائِعٌ حَقّاً.”
كَانَتْ دَابِيين تَعْرِفُ جَيِّداً مَنْ هِيَ تِلْكَ المَرْأَةُ الَّتِي يَهْتَمُّ بِهَا لِيُو.
‘كَيْفَ لَا أَعْرِفُهَا؟’
إِحْدَى ابْنَتَيِ الدُّوقِ الوَحِيدَتَيْنِ فِي الإمْبَرَاطُورِيَّةِ.
المَرْأَةُ الَّتِي حَمَلَتْ لَقَبَ السَّاحِرَةِ العَظِيمَةِ فِي سِنٍّ صَغِيرَةٍ وَنَالَتْ ثِقَةَ الإمْبَرَاطُورِ.
وَقَبْلَ أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ.. كَانَتْ هِيَ نَفْسُهَا المَرْأَةُ الَّتِي خَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا مِنْ غُرْفَةِ نَوْمِهِ وَهِيَ شِبْهُ عَارِيَةٍ.
ارْتَسَمَتْ بَسْمَةٌ مُشْرِقَةٌ عَلَى وَجْهِ إِيفِيلِيَانَا. وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِجَمَالٍ، نَظَرَتْ إِلَى دَابِيين الَّتِي كَانَتْ تَقِفُ بَعِيداً وَكَأَنَّهَا تَذَكَّرَتْ شَيْئاً مَا.
ثُمَّ أَخْفَضَتْ عَيْنَيْهَا بِخَجَلٍ وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ وَلِيِّ العَهْدِ أَمَامَ الجَمِيعِ.
بَدَأَ جَسَدُ دَابِيين يَرْتَجِفُ بِشِدَّةٍ مِنَ الغَضَبِ.
وَلِتُخْفِيَ هَذَا الِارْتِجَافَ، ضَمَّتْ قَبْضَتَيْهَا بِقُوَّةٍ.
لَقَدْ كَرِهَتْ نَفْسَهَا العَاجِزَةَ، بَلْ حَتَّى مَقَتَتْهَا.
لَوْ كَانَا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، لَكَانَ وَالِدُهَا وَوَالِدَتُهَا سَنَداً لَهَا، لَكِنَّهُمَا تُوُفِّيَا فَجْأَةً ذَاتَ يَوْمٍ.
وَحَتَّى شَقِيقُهَا الوَحِيدُ فَقَدَ ذِرَاعَهُ فِي حَادِثٍ وَكَانَ يُصَارِعُ المَوْتَ.
تَوَالَتِ المَصَائِبُ وَاهْتَزَّتْ مَكَانَةُ العَائِلَةِ.
مَجْدُ العَائِلَةِ الَّذِي ظَنَّتْ أَنَّهُ سَيَدُومُ لِلأَبَدِ صَارَ جُزْءاً مِنَ المَاضِي البَعِيدِ.
مُحِبُّ تَوْأَمِ هِيْلْدِيرِيُوس: يَا لَلْعَنَةِ، وَلِيُّ العَهْدِ هَذَا يُثِيرُ الغَضَبَ حَقّاً.
└ أُوَافِقُ، أَرْغَبُ فِي بَرْحِهِ ضَرْباً.
هَلْ أَنْتَ مَنْ سَيَتَلَقَّى ضَرْبَةَ العَدَالَةِ القَادِمَةِ؟
وَلِيُّ العَهْدِ وَإِيفِيلِيَانَا هَؤُلَاءِ حُثَالَةٌ… يَا بَطَلَتَنَا، لِنَسِرْ فِي طَرِيقِ الزُّهُورِ فَقَطْ.
└ ثَبَاتُ دَابِيين الانْفِعَالِيُّ مُذْهِلٌ. لَوْ كُنْتُ مَكَانَهَا لَانْفَجَرْتُ بِالبُكَاءِ.
أَنَا غَاضِبٌ جِدّاً: أَلَيْسُوا مَجَانِينَ تَمَاماً؟ أَيُّهَا
الكَاتِبُ، أَرْجُوكَ انْتَقِمْ مِنْ هَذَيْنِ الخَائِنَيْنِ بِشَكْلٍ لَائِقٍ.
الغَضَبُ يَعْنِي الخَسَارَةَ: قِرَاءَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَالَجَتْ لَدَيَّ انْخِفَاضَ ضَغْطِ الدَّمِ.
لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الحَلْقَةَ الَّتِي سَبَّبَتْ صَدْمَةً لِـدَابِيين.
وَلِأَنَّنِي شَارَكْتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَقَارِئَةٍ، كُنْتُ أَعْرِفُ كُلَّ مَشَاعِرِ الخِزْيِ وَالغَضَبِ وَاليَأْسِ الَّتِي شَعَرَتْ بِهَا دَابِيين حِينَهَا.
آلَمَنِي قَلْبِي وَأَنَا أَرَى دَابِيين تَنْظُرُ إِلَى هُنَا بِأَعْيُنٍ مُرْتَجِفَةٍ مِنْ بَعِيدٍ.
وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، شَعَرْتُ بِالغَضَبِ؛ لِأَنَّنِي أَعْرِفُ تَمَاماً كَيْفَ سَيَبْدُو هَذَا المَوْقِفُ بِنِسْبَةٍ لَهَا.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، دَوَتْ مُوسِيقَى جَمِيلَةٌ كَمَا فِي مَشْهَدِ الرِّوَايَةِ.
العَوْدَةُ إِلَى مَقْعَدِي كَانَتْ مُسْتَحِيلَةً مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي وَصَلَ فِيهَا وَلِيُّ العَهْدِ أَمَامِي.
لَقَدْ كَانَ الخَصْمُ هُوَ وَلِيَّ العَهْدِ، وَأَوَامِرُهُ تَأْتِي فِي المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الإمْبَرَاطُورِ.
لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ الحَقُّ فِي رَفْضِ أَمْرِهِ.
لَقَدْ كَانَ مَوْقِفاً مُدَبَّراً بِإِتْقَانٍ.
‘إِذاً، سَأَجْعَلُكَ تَنْدَمُ عَلَى اخْتِيَارِي.’
أَمْسَكْتُ بِيَدِهِ وَأَنَا أَشْعُرُ بِرُوحِ القِتَالِ.
لَفَّ وَلِيُّ العَهْدِ يَدَهُ حَوْلَ خَصْرِي.
بَدَأْنَا بِخَطَوَاتِ “الفَالْس” الهَادِئَةِ…
“هاهاها.”
وَسُرْعَانَ مَا انْفَجَرَتِ الضَّحِكَاتُ فِي أَرْجَاءِ القَاعَةِ.
جَسَدِي المُتَصَلِّبُ وَمَهَارَاتِي الخَرْقَاءُ فِي الرَّقْصِ كَانَتْ سَبَبَ ضَحِكِهِمْ.
لَمْ يَكُنْ أَمْراً مُتَعَمَّداً.
فَقَدْ كُنْتُ سَيِّئَةً جِدّاً فِي الرَّقْصِ أَصْلاً.
فِي حَيَاتِي السَّابِقَةِ وَهَذِهِ الحَيَاةِ أَيْضاً، كُنْتُ بَعِيدَةً كُلَّ البُعْدِ عَنْ رَقْصِ الصَّالُونَاتِ.
وَقَبْلَ المَأْدُبَةِ، تَعَلَّمْتُ الرَّقْصَ بِسُرْعَةٍ مِنْ دَابِيين وَلُويْد.
لَكِنْ، بِمَا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ عَلَامَةٍ عَلَى التَّحَسُّنِ، فَقَدْ رَفَعَا أَيْدِيَهُمَا وَيَئِسَا مِني.
حَتَّى أَنَّهُمَا طَلَبَا مِني عَدَمَ الظُّهُورِ فِي قَاعَةِ الرَّقْصِ إِنْ أَمْكَنَ.
أَمَامَ خَطَوَاتِي العَشْوَائِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ خَارِجَ الإِيقَاعِ دَائِماً، ابْتَسَمَ وَلِيُّ العَهْدِ بِوَجْهٍ مُحْرَجٍ.
“.. يَبْدُو أَنَّ الآنِسَةَ كَاي لَيْسَتْ مُعْتَادَةً عَلَى المَآدِبِ.”
نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَأَجَبْتُ:
“مَا هِيَ نِيَّتُكَ مِنْ اخْتِيَارِ شَخْصٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ عَلَى ذَلِكَ؟”
ابْتَسَمَ وَلِيُّ العَهْدِ رَدّاً عَلَى كَلَامِي وَسَأَلَ:
“أَيُّ نِيَّةٍ تَقْصِدِينَ؟”
كَانَ يَمْلِكُ تَعْبِيراً بَرِيئاً وَكَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئاً.
‘لَنْ أَخْدَعَ بِهَذَا التَّعْبِيرِ.’
لَقَدْ كَانَ يَتَظَاهَرُ بِالرَّقْصِ بَيْنَمَا يُرَاقِبُ رَدَّ فِعْلِ التَّوْأَمِ بِاسْتِمْرَارٍ وَيَسْتَمْتِعُ بِهِ.
بِالنَّظَرِ إِلَى رَدِّ فِعْلِهِ المُخْتَلِفِ تَمَاماً عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَمَا قَابَلْتُهُ فِي القَصْرِ، شَكَكْتُ: ‘هَلْ هُوَ أَيْضاً عَادَ مِنَ المَاضِي؟’
هَمَسَ وَلِيُّ العَهْدِ بِسَعَادَةٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى دَابِيين المَمْلُوءَةِ بِالغَضَبِ وَإِلَى لُويْد الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ المَوْقِفَ بِذُهُولٍ:
“أَنَا، فِي الوَاقِعِ، كُنْتُ أَعِيشُ مُخْتَبِئاً خَلْفَ ظِلِّ أُخْتِي وَأَخِي مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ. لَقَدْ كَانَا يَحْمِيَانِي دَائِماً مِمَّنْ يَضْطَهِدُونِي. كَانَ ذَلِكَ الوَقْتُ جَمِيلاً؛ لِأَنَّنَا كُنَّا ثَلَاثَتَنَا مَعاً دَائِماً. وَلَكِنْ، لَا أَعْلَمُ مُنْذُ مَتَى بَدَأَا يَتَجَاهَلَانِي تَمَاماً.”
حَسَبَ المَوْقِفِ، يَبْدُو أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ دَابِيين وَلُويْد فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي عَادَا فِيهَا إِلَى طُفُولَتِهِمَا.
“لِمَاذَا يَتَجَاهَلَانِي؟ هَلْ لِأَنَّنِي ضَعِيفٌ جِدّاً؟”
تَمْتَمَ وَلِيُّ العَهْدِ بِمَرَارَةٍ.
‘لِمَاذَا تَجَاهَلَاكَ؟ لِأَنَّكَ بَعْدَ أَنْ حَمَيَاكَ هَكَذَا، خُنْتَ دَابِيين وَلُويْد قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ وَقَدَّمْتَ كُلَّ شَيْءٍ لِلشِّرِّيرَةِ، لِهَذَا السَّبَبِ.’
وَلَكِنْ، بِمَا أَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ قَوْلَ ذَلِكَ حَقّاً، اكْتَفَيْتُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ بِحِدَّةٍ.
اسْتَمَرَّ وَلِيُّ العَهْدِ فِي كَلَامِهِ وَكَأَنَّ نَظَرَاتِي لَا تَهُمُّهُ:
“ثُمَّ أَدْرَكْتُ الحَقِيقَةَ. السَّبَبُ فِي أَنَّهُمَا تَخَلَّيَا عَني.. لَيْسَ لِأَنَّنِي ضَعِيفٌ، بَلْ لِأَنَّنِي قَوِيٌّ.”
‘مَا هَذِا التفكير الغَرِيبُ لِلأَحْدَاثِ؟’
لَقَدْ سَقَطَتِ التَّفَاصِيلُ الوَسِيطَةُ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ مَعْرِفَةَ كَيْفَ وَصَلَ إِلَى هَذِهِ النَّتِيجَةِ.
نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِذُهُولٍ مِنْ كَلَامِهِ غَيْرِ المَفْهُومِ.
ابْتَسَمَ بَرِقَّةٍ وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَدَى تَعَجُّبِي:
“مُنْذُ البِدَايَةِ، مَدُّ يَدِ العَوْنِ لِي وَحِمَايَتِي.. كَانَ لِأَنَّنِي كُنْتُ ضَعِيفاً. لِأَنَّنِي ضَعِيفٌ وَسَهْلُ المَنَالِ. وَلَكِنْ، عِنْدَمَا عَاشَا مَعِي، اكْتَشَفَا أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَقَدْ كُنْتُ أَمْلِكُ قُوَّةً أَعْظَمَ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ. رُبَّمَا لِأَنَّهُمَا عَرَفَا ذَلِكَ، تَجَاهَلَانِي بِسَبَبِ الغَيْرَةِ؟ هَاهَا، لَقَدْ كُنْتُ أَنَا مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ.”
ظَهَرَ فِي ضِحْكَتِهِ لَحْظَةٌ مِنَ الجُنُونِ.
“عِنْدَمَا رَأَيْتُ ارْتِبَاكَهُمَا اليَوْمَ بَعْدَ رُؤْيَةِ مَظْهَرِي المُتَغَيِّرِ، تَأَكَّدْتُ. لَقَدِ اقْتَرَبَا مِني عَمْداً مُنْذُ البِدَايَةِ. بِسَبَبِ طَمَعِهِمَا فِي عَرْشِي وَمَكَانَتِي، جَعَلَانِي ضَعِيفاً بِكَلَامِهِمَا المَعْسُولِ عَنْ حِمَايَتِي وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لِأَجْلِي.”
مَا هَذَا الهُرَاءُ الَّذِي يَقُولُهُ هَذَا المَجْنُونُ؟
لِحُسْنِ الحَظِّ، كَانَتْ هُنَاكَ مَهَارَةٌ وَاحِدَةٌ يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهَا فِي مَشَاهِدِ رَقْصِ الرِّوَايَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ عِنْدَمَا يَكُونُ الشَّرِيكُ غَيْرَ عَاقِلٍ.
الحِذَاءُ الَّذِي أَلْبَسَنِي إِيَّاهُ أَلْرَادِي اليَوْمَ كَانَ بِكَعْبٍ طُولُهُ 10 سَم، وَمُرَصَّعاً بِالأَلْمَاسِ الخَامِ.
لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حِذَاءٍ، بَلْ سِلَاحاً بِحَدِّ ذَاتِهِ.
إِذَا صَوَّبْتُ جَيِّداً، فَسَيُسَبِّبُ كَسْراً بِالتَّأْكِيدِ.
‘إِذَا سَأَلَنِي أَحَدٌ، سَأَقُولُ إِنَّهُ كَانَ خَطَأً.’
حَدَّقْتُ فِي وَلِيِّ العَهْدِ بِإِصْرَارٍ، وَفِي الخُطْوَةِ التَّالِيَةِ، دُسْتُ عَلَى قَدَمِهِ بِكُلِّ قُوَّتِي.
“……!”
دُسْتُ بِقُوَّةٍ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِ وَلِيِّ العَهْدِ.
لَوْ كَانَ شَخْصاً عَادِيّاً، لَتَحَطَّمَتْ عِظَامُ قَدَمِهِ.
لَكِنَّ قَدَمَهُ الَّتِي لَمَسَتْهَا قَدَمِي كَانَتْ صَلْبَةً جِدّاً كَالصَّخْرِ، لِدَرَجَةِ أَنَّ قَدَمِي أَنَا هِيَ الَّتِي شَعَرَتْ بِالأَلَمِ.
عِنْدَمَا ارْتَبَكْتُ، رَأَى وَلِيُّ العَهْدِ ذَلِكَ وَابْتَسَمَ بِخُبْثٍ:
“هَاهَا، الآنِسَةُ كَاي. هَلْ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً؟ لَا بَدَّ أَنَّهُ خَطَأٌ.”
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَمْسَكَ بِمِعْصَمِي.
“أَنَا أَيْضاً سَأَرْتَكِبُ خَطَأً، يَا آنِسَةُ كَاي.”
ضَغَطَ بِقُوَّةٍ كَبِيرَةٍ عَلَى مِعْصَمِي الَّذِي أَمْسَكَهُ.
شَعَرْتُ بِأَلَمٍ شَدِيدٍ وَكَأَنَّ عِظَامِي سَتَنْكَسِرُ.
“أُوغ…”
عِنْدَمَا عَضَضْتُ عَلَى شَفَتِي السُّفْلَى وَقَطَّبْتُ حَاجِبَيَّ مِنَ الأَلَمِ، نَظَرَ وَلِيُّ العَهْدِ إِلَى ذَلِكَ وَضَحِكَ بِسُخْرِيَةٍ:
“أُوه، لَدَيْكِ صَبْرٌ جَمِيلٌ. ظَنَنْتُ أَنَّكِ سَتُطْلِقِينَ صَرْخَةً عَلَى الأَقَلِّ.”
كَانَ مِعْصَمِي يُؤْلِمُني بِشِدَّةٍ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَوَقَّفَتِ الأُورْكِسْتْرَا عَنِ العَزْفِ.
لَقَدِ انْتَهَتِ الرَّقْصَةُ.
وَمَعَ بِدَايَةِ مَعْزُوفَةٍ جَدِيدَةٍ، تَرَكَ مِعْصَمِي وَأَحْنَى رَأْسَهُ بِأَنَاقَةٍ:
“يَا إِلَهِي، أَنَا آَسِفٌ. لَا أَسْتَطِيعُ التَّحَكُّمَ فِي قُوَّتِي بَعْدُ.”
فِي هَذَا الوَقْتِ القَصِيرِ، ظَهَرَتْ كَدْمَةٌ زَرْقَاءُ دَاكِنَةٌ عَلَى مِعْصَمِي.
عِنْدَمَا رَأَى وَلِيُّ العَهْدِ ذَلِكَ، ابْتَسَمَ بِلُطْفٍ وَأَمْسَكَ مِعْصَمِي وَرَفَعَهُ إِلَى مُسْتَوَى صَدْرِهِ.
“آه، لَا يَجِبُ أَنْ أُصِيبَ جَسَداً ثَمِيناً هَكَذَا. لَقَدْ تَحَمَّسْتُ زِيَادَةً.”
رَأَيْتُ ضَوْءاً سَاطِعاً صَغِيراً يَلْمَعُ تَحْتَ يَدِهِ.
كَانَ شُعُوراً مَأْلُوفاً.
‘هَلْ يَسْتَخْدِمُ وَلِيُّ العَهْدِ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ؟’
وَبِعِلَاجٍ سَرِيعٍ، اخْتَفَتِ الصَّدْمَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مِعْصَمِي وَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ.
“لَقَدْ كَانَ أَمْراً مُمْتِعاً. لِنَلْتَقِي كَثِيراً فِي المَرَّاتِ القَادِمَةِ.”
ضَحِكَ وَلِيُّ العَهْدِ ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ الحُشُودِ.
بَدَأَ الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ يُحِيطُونَ بِهِ وَيَمْدَحُونَهُ.
لَقَدْ كَانَ حَقِيراً كَمَا تَوَقَّعْتُ.
عِنْدَمَا الْتَفَتُّ، وَجَدْتُ دَابِيين وَلُويْد يَقِفَانِ بِجَانِبِي.
تَعَابِيرُ وَجْهَيْهِمَا لَمْ تَكُنْ طَبِيعِيَّةً.
وَهَذَا أَمْرٌ مَنْطِقِيٌّ؛ لِأَنَّ وَلِيَّ العَهْدِ أَعَادَ خَلْقَ مَوْقِفٍ يُثِيرُ صَدْمَاتِهِمَا المَاضِيَةَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمَا.
اقْتَرَبَتْ دَابِيين، الَّتِي كَانَتْ تَضُمُّ قَبْضَتَيْهَا وَتَهْتَزُّ كَتِفَاهَا غَضَباً، نَحْوِي بِخُطَوَاتٍ وَاسِعَةٍ وَوَجْهٍ مَلِيءٍ بِالغَيْظِ.
“هَاه، انْظُرِي إِلَى هَذَا؟ لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي سَأُتَلَقَّى طَعْنَةً أُخْرَى فِي الظَّهْرِ وَأَنَا سَاكِنَةٌ هَكَذَا.”
تَحَدَّثَتْ بِصَوْتٍ عَمِيقٍ.
كَانَ المَوْقِفُ يَبْدُو وَكَأَنَّنِي أَنَا إِيفِيلِيَانَا بِالنِّسْبَةِ لَهَا.
شَعَرْتُ بِوَخْزٍ فِي جِلْدِي مِنْ هَالَةِ القَتْلِ المُنْبَعِثَةِ مِنْهَا.
وَفَجْأَةً، اغْرَوْرَقَتْ عَيْنِي بِالدُّمُوعِ مِنَ الشُّعُورِ بِالظُّلْمِ.
مَاذَا، هَلْ ظَهَرَتْ عَلَامَةُ المَوْتِ مَرَّةً أُخْرَى؟
بَيْنَمَا كُنْتُ أَبْكِي مِنْ هَذِهِ الفِكْرَةِ الَّتِي خَطَرَتْ لِي أَوَّلاً، وَضَعَتْ دَابِيين يَدَهَا عَلَى كَتِفِي.
“سَأَحْمِيكِ وَلَوْ كَلَّفَنِي ذَلِكَ حَيَاتِي.”
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ بِذُهُولٍ مِنْ كَلَامِهَا الَّذِي لَا يُصَدَّقُ.
اتَّجَهَتْ نَظَرَاتُهَا المَمْلُوءَةُ بِالقَتْلِ تَدْرِيجِيّاً نَحْوَ الجَانِبِ الآخَرِ.
التَفَتُّ بِرَأْسِي لِأُتَابِعَ نَظَرَاتِهَا.
فِي الجَانِبِ المُقَابِلِ لِقَاعَةِ الاحْتِفَالَاتِ، تَلَاقَتْ أَعْيُنُنَا مَعَ زَوْجَةِ الدُّوقِ رُوزْبِيلِير الَّتِي كَانَتْ تَتَحَدَّثُ وَتَضْحَكُ مَعَ وَلِيِّ العَهْدِ بَيْنَ النُّبَلَاءِ.
نَظَرَتْ إِلَيَّ وَإِلَى دَابِيين بِالتَّنَاوُبِ، ثُمَّ ضَحِكَتْ بِمَكْرٍ وَرَدَّتْ عَلَى نَظَرَاتِ دَابِيين.
التعليقات لهذا الفصل " 90"