الفصل 85
نَظَرَ الفارسُ المُقدسُ الذي كان يَحرُسُ المَدخلَ إلى المرأةِ الخارجةِ مِن غُرفةِ الاستقبالِ بِوجهٍ حَزين.
شَعْرٌ أبيضُ وعينانِ حَمراوان.
كُلَّما رَأى جَمَالَها الذي لا يُصدق، تذكرَ تِلكَ الكائناتِ المَذكورةِ في الكتبِ المُقدسةِ التي تَعَلَّمَها عِندما كانَ يَدرسُ لِيُصبحَ كاهناً في طُفولته.
تِلكَ المَخلوقاتُ الأُولى التي خَلَقَها الإلهُ بِنفسِه، ذاتُ الجَمَالِ والقوةِ العَظيمة.
كانَ لِكبارِ الكهنةِ هِوايةُ جَمْعِ الأشخاصِ الذينَ يَمْلِكونَ مِثلَ هذا المَظهرِ والقوةِ المُقدسةِ العالية، وكأنَّ هناك مَن يَتوقُ لِتلكَ الهيئة.
رُبما مِن حُسنِ الحَظِّ أنَّ تِلكَ المرأةَ تَنتمي لِعائلةِ هيلديريوس.
فَفي الآونةِ الأخيرة، لم يَرَ أحداً مِمَّن وُلِدوا بِشعرٍ أبيضَ وعيونٍ حَمراءَ يَتلقى مُعاملةً جَيدةً في مَعبدِ العَاصمة.
‘على كُلِّ حال، لِماذا تستمرُّ في المَجيءِ رُغمَ رَفْضِه الدَّائم؟’
لَقَد مَرَّ أسبوعٌ كاملٌ مُنذُ استعادةِ رَسولِ الإله، ولم يَنقطعْ زُوارُ هيلديريوس عَن زِيارةِ المَعبدِ لِيومٍ واحد.
رُغمَ أنَّ الأمورَ هَدأتْ قَليلاً في الأيامِ الأخيرة، إلا أنَّهم أصبحوا بالفعلِ أشخاصاً مَوضوعينَ تَحتَ المُرَاقبةِ مِن قِبَلِ المَعبد.
في اليومِ الأولِ لِوصولِ الرَّسول، ظَهَرَ التَّوأمُ المَشهورُ وأثارا ضَجةً كَبيرةً مُطالبينَ بِتسليمِه.
وبِسببِ قُوتِهما الخارقة، سَقَطَ جَميعُ الفرسانِ المُقدسينَ الذينَ تَدخلوا في المَوقع.
لَولا تَدخُّلُ الرَّسولِ بِنفسِهِ لِتطويقِ المَوقف، لَرُبما كانَ الجميعُ قد قابَلوا الإلهَ تيرينا الذي يَتوقونَ إليه.
المرأةُ التي بَكتْ أمامَ إصرارِ الرَّسولِ على عَدمِ العَودة، وتوأمُ هيلديريوس اللذانِ صَرَّا على أسنانِهما قَائلَيْنِ إنَّ هذا بِالتأكيدِ غَسيلُ دِمَاغٍ مِنَ المَعبد.
لَقد أفرغوا غَضبَهم لِفترة، لكنهم عادوا في النهايةِ إلى القصرِ بِهدوء.
وفي تِلكَ الليلة، دَخَلَ مُتسللونَ إلى المَعبد.
رُغمَ أنَّ فِرقَةَ الفرسانِ المُقدسينَ كَانتْ تَقومُ بِحراسةٍ مُشددةٍ بِالتناوب، إلا أنَّهُ عُثِرَ على توأمِ هيلديريوس والمَرأةِ التي أمامي في المَنطقةِ المَحظورةِ لِلمعبد.
ولَولا إبلاغُ الرَّسولِ عَنهم، لَمَا عَلِمَ أحدٌ بِدخولِهم.
رَفَضَ الرَّسولُ العَودةَ حتّى النهاية، وعادوا هُم إلى القصرِ دُونَ أيِّ نَتيجة.
“أنا آسف. لَقد رَآكِ، ورِسالتُهُ هي أنَّ عليكِ العَودة.”
كانَ الرَّسولُ الجديدُ لا يَسمحُ سِوى بِبضعِ دَقائقَ وبِوجهٍ خَالٍ مِنَ التَّعابير، وكانَ يَرفضُ بِقسوةٍ المَرأةَ التي تَأتي كُلَّ يوم.
“إذًا، سَآتي غَداً مَرةً أخرى.”
حتّى تِلكَ الفترةُ القَصيرةُ لم تَكن هَادئة.
مَهما قَالَتِ المَرأة، كانَ الرَّسولُ يَكتفي بِهَزِّ رأسِهِ فقط، ثُمَّ يُعيدُها قَائلاً إنَّ الوَقتَ قد حَانَ لِلرحيل.
نَظَرَ الفارسُ المُقدسُ بِارتباكٍ إلى ظَهْرِ كاي وهي تَبكي، ثُمَّ نَظَرَ إلى الوَرقةِ التي كَلَّفَهُ الرَّسولُ بِتسليمِها.
لم يَكن يَنوي قِراءةَ المَحتوى، ولكن بِسببِ طَريقةِ كِتابتِها غيرِ المُنظمة، رَآها رُغماً عنه.
بَدَتِ الوَرقةُ وكأنَّها كُتِبتْ على عَجَل، حيثُ مُزِّقَتْ مِن طَرَفِ كِتابٍ مُقدس.
والمُثيرُ لِلدَّهشةِ أنَّ مَا كُتِبَ فيها كانَ بِاللغةِ الإلهيةِ كتولت.
كَيفَ لَهُ أن يَكتبَ بِطلاقةٍ لُغةً إلهيةً بَذَلَ الفارسُ أكثَرَ مِن ثلاثينَ عاماً في دِراستِها لِيقرأَها بِصعوبة؟ هل هذا لِأنهُ رَسولُ الإله؟
‘هل تَعرفُ المَرأةُ لُغةَ كتولت؟ هل يَجبُ أن أُفسرَها لَها؟’
ولكنَّ مَحتواها كانَ يُؤلمُ القَلب.
[لا تَأتي إلى المَعبدِ بَعدَ الآن. ومُنذُ هذهِ اللحظة، تَجنبي كَهنةَ طائفةِ تيرينا.]
تَرَدَّدَ الفارسُ لِحظةٍ ثُمَّ حَسَمَ أمْرَه.
“لَيحدثْ مَا يَحدث، لَنْ أتَدخلَ في شُؤونِ الآخرين.”
نادى الفارسُ على كاي.
ثُمَّ مَدَّ لَها الوَرقةَ قَائلاً إنَّ السِّيدَ آين هو مَن أرْسَلَها، وعادَ بِسرعةٍ إلى مَكانِه، مُتجاهلاً صَوتَ البُكاءِ الذي سُمِعَ مِن خَلْفِه.
❁❁❁
بِسَببِ غِيابِ الزَّوجينِ الدُّوقيَّيْن، وخِيانةِ مُساعدِ لويد وقائدِ الفرسان، كانت عائلةُ هيلديريوس مُنشغلةً لِلغاية.
تَعاوَنَ توأمُ هيلديريوس ورئيسُ الخَدَمِ لِإنجازِ جِبَالٍ مِنَ الأوراق.
ولكنَّ كَمِيَّتَها كانت هَائلةً جِدّاً، فَبعدَ أن كَانتْ تَمْلأُ المَكتبَ فقط، بَدأتْ تَتزايدُ وتَنتشرُ في المَمَرِّ الخَارجي.
“حثالةُ روزبيلير، لَقد خَطَّطوا لِهذا. كَي نَموتَ مِن كَثرةِ العَمَلِ أثناءَ تَنظيمِ الأوراق. لَنْ أتركَهُم أبداً.”
قَبَضَتْ دابين يَدَها بِتعبيراتٍ غَاضبةٍ ثُمَّ كَسَرَتِ القَلَم.
كانتِ الأقلامُ المَكسورةُ مُتراكمةً تَحتَ المَكتب.
هَزَّ لويد رأسَهُ لِمشاهدةِ ذلكَ ثُمَّ التفتَ إليَّ وسأل:
“كَيفَ حالُ آين؟”
رُغمَ أنني تَسللتُ مَعهم إلى المَعبدِ وكُنتُ أذهبُ كُلَّ يومٍ لِأطلبَ مِنهُ العَودة، إلا أنَّ آين كانَ لا يَزالُ صَامتاً ويَرفضُ العَودةَ إلى القصر.
علاوةً على ذلك، تَرَكَ اليومَ ورقة.
كانت لُغةُ كتولت المَكتوبةُ بِخطٍ غَيرِ مُنتظمٍ لَطيفةً جِدّاً بِمَا أنهُ تَعَلَّمَها في المَعبد، ولكنَّ مَحتواها كانَ بَارداً.
مَاذا يَجبُ أن أقولَ لِلتوأمِ وهو يَطلبُ مِني ألّا آتيَ بَعدَ الآن؟
ابتسمتُ بِمَرارةٍ وأجبتُ:
“الأمرُ كَمَا هو.”
ثُمَّ سَادَ الصَّمتُ مَرةً أخرى.
كانَ الجميعُ يُصارعونَ أكوامَ الأوراقِ أمامَهم.
“أشعرُ وكأنَّ هناك شَيئاً مُهماً نَسيتُه؟”
تَمتمتْ دابين وهي تُصارعُ الأوراق.
وكأنَّما لِتُجيبَ على كَلامِها، فُتِحَ بَابُ المَكتبِ المُغلقُ بِقوة.
“يَا لَلإله! مَاذا تَفعلونَ ثلاثتُكم هنا؟”
دَخَلَتْ امرأةٌ مَألوفةٌ وهي تَصرخ.
“ألرادي؟ مَا الذي أتى بِكِ إلى هنا؟”
أمامَ تَساؤلِ دابين، صَرَخَتْ ألرادي بِذُعر:
“مَاذا تَعنين بِمَا الذي أتى بي! لَقد زُرتُكم مِراراً لِأخبرَكم أنَّ الفُستانَ قد انْتَهى ولكنكم رَفَضتُم رُؤيتي! لا يُمكِنُ التأجيلُ بَعدَ الآن! حَفْلُ التَّنصيبِ غَداً، ولا يُمكِنُنا التأخيرُ أكثر!”
حَفْلُ التَّنصيبِ غَداً؟
هل مَرَّ الوَقتُ بِهذهِ السُّررعة؟
نَظرنا إلى بَعضِنا بِدهشةٍ ثُمَّ نَظرنا إلى ألرادي.
“أجل! اِستعدوا بِسرعة.”
❁❁❁
أمسكتْ لوسي بِفُستانِها الطَّويلِ بِقوةٍ وتَوجهتْ نَحوَ مَكانِ الشَّرابِ في البَعيد.
في هذا القصرِ الإمبراطوريِّ المُزدحم، المَليءِ بِنظراتِ الجميع، لم تكن تَمْلِكُ الثِّقةَ لِلبقاءِ بِوعيٍ كامل.
كانت بِحاجةٍ لِقوةِ الكُحول.
أخذتْ كأساً مِنَ النبيذِ مِنَ النَّادلِ وتَوجهتْ لِلزاويةِ وشَرِبَتْهُ بِسرعة.
مَرَّ النبيذُ الأحمرُ بِمَرارةٍ في حَلْقِها.
وعِندما بَدأ مَفْعولُ الشَّراب، تَمَكَّنَتْ لوسي أخيراً مِن تَخفيفِ تَوترِها.
قَبْلَ شَهرٍ مِن الآن، انتشرَ خَبَرُ إقامةِ حَفْلِ تَنصيبِ وَليِّ العَهْدِ ومَعَهُ حَفْلُ استقبالٍ في كُلِّ العَاصمة.
وكالعادة، بالنسبةِ لِـلوسي التي تُركزُ على العَمَلِ فقط، لم يَكن المَوْضوعُ يُثيرُ اهتمامَها.
كانت تَرغبُ فقط في العَودةِ لِلمنزلِ مُبكراً والراحة.
ولكن عِندَ وصولِها لِلسَّكَن، استقبلتْها رِسالةٌ مِن عائلةِ البارون.
رِسالةٌ مَليئةٌ بِالتهديدِ لِتَحْضُرَ حَفْلَ الاستقبالِ بَعدَ شَهر.
تَجَعَّدَ وَجهُ لوسي مِن تَوْبيخِ والِدَيْها قَائِلَيْنِ إنَّها قد وَصَلَتْ لِلعُمرِ المُنَاسِبِ ويَجبُ أن تَتزوج.
لَقَد مَرَّتْ سَنواتٌ وهي تَعملُ في مَقَرِّ المُعالجين، ومَا لِدَاعي لِلزواجِ والحَفْلِ الآن؟
ألقَتْ لوسي الرِّسالةَ في المِدفأةِ فوراً.
لكنَّ والِدَيْها لم يَعرفا الاستسلام.
في اليومِ التالي، صَعَدَ والِدَا لوسي إلى العَاصمةِ وقَاما بِتَفصيلِ فُستانٍ لَها في مَتجرِ فَساتينَ مَشهور.
لَها ولِأخِيها ولِوالِدَيْها أيضاً.
وبالطبع، كُلُّ تِلكَ التكاليفِ كُلِّفَتْ بِها لوسي.
وعِندما انْتَهتِ الاستعداداتُ لِلحفل، بدأ والِدَا لوسي بِعرضِ صُوَرِ رِجالٍ قَائِلَيْنِ إنَّ هذهِ هي المَرةُ الأخيرة.
شَعَرَتْ لوسي بِمَرارةٍ عِندما رَأتْ أنَّ أعمارَ الأشخاصِ في الصُّورِ تُشبهُ عُمْرَ والِدَيْها أو أكبر، ولكن بَسببِ إلحاحِ والِدَيْها، وافقتْ على مَضَضٍ على حُضورِ الحَفْل.
وعِندَ حُضورِ الحَفْل، وكَمَا هو مُتوقع، بدأ والِدَاها بِسَحْبِ بَعضِ العَجائزِ لِتعريفِهم بِها.
“هذا هو الماركيز كينتري.”
كانَ الماركيز كينتري رَجُلاً مَشهوراً في العَاصمةِ بِأنَّ لديهِ خَمْسَ زَوْجاتٍ مُطلقات، وعَشَراتِ العَشيقاتِ في قَصْرِه.
شَعَرَتْ لوسي بِالقشعريرةِ وهي تَرى الماركيز يَتفحصُ جَسدَها بِنظراتٍ لَزِجَة.
كانَ الرِّجالُ الآخرونَ يُشبهونَهُ تَماماً، ولم يَكن هناك أحدٌ أفضل.
لِأنَّها لم تَستطعِ التَّحَمُّل، ولِأنَّها لم تَمْلِكِ الثِّقةَ لِلبقاءِ بِوعيِها، تَعَلَّلَتْ بِألمٍ في الرَّأسِ وذهبتْ لِلبحثِ عَنِ الشَّراب.
‘هل حقاً يَجبُ أن أَتزوجَ أحداً مِن هؤلاء؟’
إذا كانَ الأمرُ كذلك، فَإنَّها تُفَضِّلُ البَقاءَ وحيدةً حتّى المَوْت.
وبينما كانت لوسي تَشربُ كأساً آخر لِأنها لا تَستطيعُ التَّحملَ بِكأسٍ واحد:
“عائلةُ دُوق هيلديريوس.”
ومَع صَوْتِ البَوَّاب، هَدأتِ القاعةُ فَجأة.
التَّوأمُ الوَحشُ، بَنَا أخِ الإمبراطور، وصَاحِبَا القوةِ الجَبَّارةِ في القَارة.
في وَقتٍ مَا، كَانَ الكَثيرونَ يَعتقدونَ أنَّ أحداً مِنهما سَيَرتدي تَاجَ الإمبراطور.
ولكن في النهاية، حَصَلَ الأميرُ، الابنُ الوحيدُ لِلإمبراطور، على تَاجِ وَليِّ العَهْد.
بِسَببِ سِلْسِلةِ الأحداث، لم يَظهرِ الدُّوقُ وزَوْجَتُهُ اليوم.
فَقَطِ دابين هي التي دَخَلَتِ القاعةَ بِخطواتٍ واثقة.
رُغمَ أنَّها إبنة إحدى عائلاتِ الدُّوقِ الخَمْس، إلا أنَّها دَائماً مَا كَانَتْ تَلْتَزِمُ بِقَصَّةِ شَعرٍ قَصيرة.
وعلاوةً على ذلك، بَدأتْ تَرْتدي البِذلاتِ الرَّسميةَ بَدلاً مِنَ الفَساتينِ مُنذُ فَترة.
واليومَ أيضاً، ظَهَرَتْ في الحَفْلِ وهي تَرْتدي بِذلةً رَسميةً ثَمينةً وبِوَجهٍ غَاضب.
“يَا لَلإله، السيدة لم تَرْتَدِ فُستاناً مَرةً أخرى.”
هَمَسَ شَخصٌ مَا بِجانبِ لوسي.
رُبما كَانَ الجميعُ في القاعةِ يُفكرونَ بِذلك، لِأنَّ الأنظارَ كُلَّها كانت مُتجهةً نَحوَ دابين.
“هيلديريوس”.
لكن لم يَجرؤْ أحدٌ على قولِ ذلكَ عَلانية.
أيُّ بَشَرٍ يُمكِنُهُ أن يَنتقدَ ابنةَ أخِ الإمبراطور، العَبقريَّةَ التي صَادَتْ تِنيناً، والمُبارزةَ السِّحريةَ الأقوى في القَارةِ بَعْدَ والِدَتِها؟
كانَ أمراً مُستحيلاً.
في تِلكَ اللحظة، شَعَرَتْ لوسي بِالغَيْرَةِ مِن إبنة عائلة هيلديريوس.
لَو كُنتُ في تِلكَ المَكانة، لَمَا اضطررتُ لِلعيشِ هكذا.
رأتْ لوسي والِدَيْها يُلَوِّحانِ لَها بِيَدَيْهما مِن بَعيدٍ بِإلحاح، فَشَرِبَتْ مَا تَبقّى مِنَ النبيذ.
كانَ عليها العَودةُ إلى هناك.
في تِلكَ اللحظة، أصبحتْ ضَجةُ الناسِ أكبرَ مِن قَبْل.
“مَن هذه؟ مَن تَكون؟”
“واااو…”
نَظَرَتْ لوسي نَحوَ المَدخلِ وهي تَشعرُ بِالفضول.
“كَا… ي؟”
المَرأةُ التي دَخَلَتْ وهي تُمْسِكُ بِذراعِ السِّيدِ الصَّغيرِ لِعائلةِ هيلديريوس كَانَتِ المَرأةَ التي تَعرفُها لوسي جَيداً.
الشَّعرُ الأبيضُ كانَ مَرفوعاً بِجمالٍ مَع جَواهرَ لامعة، والعينانِ الحَمراوانِ كَانتا تَتألقانِ بِانسجامٍ مَع الفُستانِ الأبيضِ البَاهر.
مُنذُ المَرةِ الأولى التي رأتْها فيها، تَساءلتْ عمَّا إذا كانت حقاً قد جَاءتْ لِتُصبحَ مُعالجة، أم لِلدعايةِ لِمَقَرِّ المُعالجين، لِأنَّها كَانَتْ جَميلةً بِشكلٍ مَلحوظ.
ولكن اليوم، وهي تَرى مَظهرَها المُتأنق، لم تَستطعِ التفكيرَ في أيِّ شَيء.
لَقد كَانَتْ جَميلةً جِدّاً لِدَرَجةِ أنَّها جَذَبَتْ أنظارَ جَميعِ النُّبلاءِ المَوجودين.
“إنَّها تِلكَ المَرأة! المَرأةُ التي ظَهَرَتْ في اختِبَارِ المُعالجين!”
“تِلكَ الرِّيفية؟”
تَمتمتْ لوسي وهي تَسمعُ أحاديثَ الناس:
‘مَن يَستخفُّ بِها لِأنَّها رِيفيةٌ سَيَتلقى صَدمةً كَبيرة. إنَّها المَرأةُ التي قد تُصبحُ دُوقةً مُستقبلاً. بَل رُبما هي كَذلكَ بالفعل…’
ابتسمتْ لوسي بِمَرارةٍ وهي تُفكرُ في ذلكَ الصَّغيرِ ذِي الشَّعرِ الأبيضِ الذي رأتْهُ يَوْماً مَا.
“هل نُحاولُ التحدثَ مَعها؟”
بَدَا الرِّجالُ الذينَ كانوا يَنظرونَ إليها وكأنَّهم مَسحورونَ يَرغبونَ في التحدثِ مَعها بِأيِّ طَريقة.
لكنهم لم يَستطيعوا الاقترابَ بِسهولة.
رُبما بِسَببِ لويد ودابين اللذينِ كَانا يَقِفانِ خَلفَها بِوجوهٍ مُخيفةٍ وحالةِ استنفار.
شَعَرَتْ لوسي بِالارتجافِ رُغماً عَنْها وهي تَرى تَوْأمَ هيلديريوس يَنْضحانِ بِالقوةِ القاتلة.
“لوسي! لوسي!”
التفتتْ “لوسي” عِندَ سَمَاعِ اسمِها، فَرأتْ والِدَيْها يُناديانِ باسمِها بِوجوهٍ غَاضبة.
وبِجانبِ والِدَيْها، كَانَ هناكَ رَجُلٌ عَجوزٌ آخرُ يَنظرُ إليها.
يَبدو أنَّ هذا الرَّجُلَ لم يَبقَ في رأسِهِ سِوى القَليلِ مِنَ الشَّعر.
‘آه، يا لَحَظِّي العَاثر.’
عِندما رأتِ البُقَعَ العُمرِيَّةَ التي تَمْلأُ وَجهَ الرَّجُل، شَعَرَتْ لوسي بِالذُّهول.
رُغمَ أنَّها شَرِبَتْ أربعةَ كُؤوس، إلا أنَّها لم تَمْلِكِ الشَّجاعةَ لِلاقتراب.
‘سَأشربُ كأساً واحداً فقط.’
اقتربتْ لوسي مِنَ المائدةِ لِتشربَ النبيذ.
‘هل أشربُ ثلاثةَ كُؤوسٍ دُفعةً واحدة؟’
كانَ رَأسُها يُؤلمُها بِشدة.
التعليقات لهذا الفصل " 85"