الفصل 84
تحدثتْ دابين وهي تَنظرُ إلى آين بِمجردِ وصولِهما أمامَ غُرفةِ الاستقبال:
“ريمي مَوجودةٌ بالداخل. لَقد طَرَدنا كُلَّ الكهنةِ الآخرين، لذا سَيكونُ الأمرُ بِخير، أليسَ كذلك؟”
تَبِعَها لويد قائلاً:
“لَقد طَرَدنا الكهنةَ جَميعاً مِنَ القصر. لذا لا تَقلق.”
“إذًا، هل نَدخل؟”
أمامَ سُؤالِ التَّوأم، كانَ آين يَكتفي بِالتحديقِ في وَجهي فقط.
هل يَكرهُ الدُّخول؟
قُلتُ لِـآين مَرةً أخرى بِحذرٍ إنهُ ليسَ بِحاجةٍ لإجبارِ نَفْسِه:
“إذا كنتَ لا تُريدُ مُقابلتَها، فَسأطلبُ مِنها الرَّحيل.”
هَزَّ آين رأسَهُ بِبطءٍ أمامَ كلماتي.
ثُمَّ اقتربَ مِنَ البابِ وأدارَ المِقبض.
فُتِحَ الباب.
عِندما رأتِ الفتاةُ، التي كانت تَنتظرُ صَديقَها وحيدةً في غُرفةِ الاستقبال، آين، نَهضتْ فَجأةً ونادتْ باسمِه:
“آين، لَقد افتقدتُك!”
كانتِ الابتسامةُ تَملأُ وَجهَ الطفلةِ الضَّاحكة.
ولكن لم تَظهرْ أيُّ مَشاعرَ على وَجهِ آين.
لَقد نَظَرَ إلى وَجهِ ريمي بِصمتٍ وتعبيراتٍ خَالِية، وكأنَّهُ يَسألُها لِماذا أتيتِ إلى هنا.
ألم يَكونا صَديقينِ مُقربين؟
على عَكسِ ردةِ فِعلِ الفتاة، بَدا أنَّ آين يَرفضُها.
ورُغمَ أمْرِ الطَّرْدِ الواضحِ على وَجهِه، لم تَشعرِ الفتاةُ بِأيِّ أذى، بل اقتربتْ وهي تبتسمُ بِرقة.
“يَبدو أنَّكَ كنتَ بِخيرٍ طَوالَ تِلكَ الفترة؟ لَقد تَحسَّنَ مَظهرُ وَجهِك.”
بَعدَ أن ألقتِ التحيةَ القَصيرة، نَظرتْ إليَّ وجَمَعَتْ يَدَيْها وهي تَتوسلُ بِإلحاح:
“أنا… أنا آسفة، ولكن هل يُمكِنني التحدثُ مَع آين بِمفردِنا؟”
حينها هَزَّ آين رأسَهُ يَميناً ويَساراً بِقوة.
حتى إنهُ وَضعَ يَدَهُ أمامي لِيَسدَّ طَريقي وكأنهُ يَقولُ لا تذهبي.
بَعدَ ذلكَ حَدَّقَ في ريمي بِبرود.
بَقيتْ ريمي تَنظرُ إلى آين لِفترةٍ وكأنَّها مُرتبكة، ثُمَّ تَنفستِ الصُّعَداء.
وبَعدَ تَرَدُّدٍ طَويل، اقتربتِ الفتاةُ مِن آين بِبطءٍ وهَمستْ في أُذُنِهِ بِشيءٍ قَصير.
في تِلكَ اللحظة، اتسعتْ عينا آين.
وبدأ جَسدُهُ يَرتجفُ بِقوة.
كانَ الغَضبُ هو مَا يَملاًُ وَجهَه.
“مَاذا هناك. أيتها الصَّغيرة، مَاذا قُلتِ لَه!”
صَرَختْ دابين التي كانت تُراقبُ المَوقفَ في الفتاة.
حينها انكمشتِ الفتاةُ وكأنَّها لا تَعرفُ شَيئاً.
“لَقد نَقَلْتُ لَهُ فقط أنَّ أصدقاءَهُ في المَعبدِ بِخير.”
سَقَطتْ دَمعةٌ واحدةٌ مِن عَينِ آين عِندَ سَمَاعِ ذلك.
وأمامَ ذلكَ المَشهد، بَدأتِ الفتاةُ تَنحبُ وكأنَّها مَظلومة.
“هذا… هذا حقيقي! أنا لم أقُل سِوى ذلك…”
“ألا تَخرجينَ حالاً؟”
أمامَ ردةِ فِعلِ دابين الحَادة، تراجعتِ الفتاةُ الباكيةُ لِلخلفِ ثُمَّ ركضتْ خارجةً مِن غُرفةِ الاستقبالِ وكأنَّها تَهْرُب.
“آين، مَا الأمر؟”
هل كانَ السَّماحُ لَهُما بِاللقاءِ خَطأً؟
بَدا آين غَاضباً جِدّاً.
وقفَ وهو يَرتجفُ بِوجهٍ مُحمرٍ وكأنَّهُ لا يَستطيعُ السَّيطرةَ على غَضبِه.
“سَأذهبُ وأبْرَحُ أتباعَ تيرينا ضَرْباً! لا تَقلقْ كثيراً!”
أصدرتْ دابين صَوتاً بِفرقعةِ مَفاصِلِ أصابِعِها.
بَعدَ أن بَقِيَ آين يُراقبني ويُراقبُ التَّوأمَ لِفترة، هَزَّ رأسَهُ بِبطء.
ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ وكأنَّهُ اتخذَ قَراراً.
“أوه؟ إلى أينَ أنتَ ذاهب؟”
طَق، طَق، طَق.
بَدأ آين يَتجهُ إلى مَكانٍ مَا دُونَ نَبْسِ بَبِنْتِ شَفَة.
لم يَكن ذلكَ المَكانُ هو الطابقُ الثاني حيثُ نَعيشُ عادةً.
بل كانَ المَمَرَّ المُؤديَ إلى الخَارج.
وبدأ آين يُسرعُ خُطواتِه.
“انتظرْ لحظة!”
ركضتُ بِسرعةٍ وأمسكتُ بِكَتفِ آين.
لَقد شَعرتُ أنني أعرفُ إلى أينَ يُريدُ الذهاب.
“هذهِ لَيستْ فِكرةً جَيدة. لا أعرفُ مَاذا قالتْ تِلكَ الفتاة، ولكنَّ تِلكَ مُجردُ خُدعةٍ لِجذبِك. لا يَجبُ أن تَتورط. صَدِّقني.”
لكنهُ هَزَّ رأسَهُ بِبطءٍ أمامَ كلماتي.
ثُمَّ ابتسمَ بِحُزنٍ وأنزَلَ يَدِي عَن كَتفِه.
“كاي. إنهُ مُجردُ طفلٍ بَعد. لا بأس. سَأحملُهُ وأعيده إلى الغُرفة.”
كانت تِلكَ اللحظةُ التي اقتربتْ فيها دابين مِن آين.
بَانغ!
“مَا… مَا هذا؟”
فَجأةً، انبعثَ ضوءٌ قَويٌّ مِن أمامِ آين وكأنهُ انفجار.
لم أتمكنْ مِن رُؤيةِ مَا أمامي بِسببِ الضوءِ الباهر.
بَعدَ قَليل، خَمَدَ الضوء، ولكنَّ آين الذي كانَ أمامَ عينيَّ قَبلَ قَليلٍ لم يَعُد لَهُ أثر.
“مَاذا يَعني هذا؟”
تَرَكتُ لويد ودابين المَصدومَيْنِ خَلفي وركضتُ نَحوَ مَدخلِ القَصر.
كانَ المَدخلُ الذي يُغلقُ دائماً مَفتوحاً على مِصراعَيْه.
تَبِعني دابين ولويد.
أمامَ البابِ المَفتوح، كانت هناكَ عَرَبَةٌ مَنقوشٌ عليها شِعارُ المَعبدِ بِشكلٍ كَبير.
وكانَ بَابُها مَفتوحاً وكأنَّها تَنتظرُ آين.
كانَ آين يَتجهُ نَحوَها بِبطء.
“آين!”
في اللحظةِ التي ركضتْ فيها دابين خَارجَ البابِ نَحوَه:
طَانغ!
كانَ هناكَ دِرعٌ حِمائيٌّ شَفافٌ مَوضوعٌ أمامَ بَابِ القَصر.
“مَا هذا؟”
نَظرتْ دابين بِذُعر.
حاولتِ الضَّربَ بِقبضتِها مِراراً، لكنَّ الدِّرعَ الشفافَ لم يَتزحزح.
“كَيفَ…”
كانَ مِنَ المُستحيلِ على أيِّ قُوةٍ أن تَصمُدَ أمامَ قُوتِها.
وبينما كانت دابين تَنظرُ إلى يَدِها بِبلاهة، أخرجَ لويد سَيفَهُ مِنَ المَساحةِ الفَرعيةِ وضَرَبَ الدِّرع.
كواانغ!
عَصفتْ رِيحٌ صَغيرةٌ دَاخلَ القَصر.
ومَع ذلك، لم يَظهرْ أيُّ خَدشٍ على الدِّرعِ الشفاف.
“مَا هذا بِحقِّ الخَالق؟”
في تِلكَ الأثناء، كانَ آين يَصعدُ إلى العَرَبَة.
“آين، لا تذهبْ!”
صَرَختُ، لكنَّ آين نَظَرَ إليَّ بِأعينٍ حَزينةٍ لِفترةٍ طَويلةٍ ثُمَّ هَزَّ رأسَه.
سُرعانَ مَا أُغْلِقَ بَابُ العَرَبَةِ وصَرَخَ الكاهنُ في العَرَبَاتيِّ بِسرعة:
“بِسرعةٍ إلى المَعبد!”
ظَهَرَ خَيالُ آين مِن نَافذةِ العَرَبَة.
“آين!”
رَفَعَ آين يَدَهُ التي كانت ترتجفُ بِضعف.
“مَا الأمر، كَيفَ تَسيرُ الأمورُ هكذا!”
هِييييييييينغ!
بِمجردِ أن ضَرَبَ العَرَبَاتيُّ بِالسَّوط، أصدرَ الحِصانُ صَهيلاً وبدأ يركضُ بِسرعة.
ومِن دَاخلِ العَرَبَةِ التي كانت تبتعد، كانَ آين يَكتفي بِالنظرِ إلينا فقط.
❁❁❁
“كَيفَ كانَ تَمثيلي؟”
شَعرُ الفتاةِ الرماديُّ التي كانت تَجلسُ بِجانبِ آين بدأ يَتغيرُ تَدريجياً إلى اللَّونِ الأبيض.
وعيناها الوردِيَّتانِ بَدأتا تَتغيرانِ إلى اللَّونِ الأحمر.
عِندَ رُؤيةِ ذلك، قَامَ الكهنةُ الجَالِسونَ في المَقابلِ بِضمِّ أيديهم ووجوهُهم شَاحبةٌ مِنَ الخَوْف.
“أنتِ مُذهلة!”
“لَقد انخدعنا نَحنُ الذينَ كُنا نُشاهدُ أيضاً!”
“سِيادةَ ريمييل، أنتِ بارعة!”
ضَحكتِ الفتاةُ لِكلماتِ الكهنةِ بِمرح.
“هُفُف، رُغمَ أنَّهُ نِفاقٌ واضح، إلا أنهُ أعجبني. هذا الشُّعورُ مُنعش.”
بينما كانت ريمييل تَمْسَحُ شَعرَها لِلخلفِ بَعدَ المَديحِ المُستمر، نَظرتْ إلى آين.
“لكن لم يَكن كُلُّ شَيءٍ تَمثيلاً. فَقد كَانَ نِصفُهُ مَشاعرَ هذهِ الفتاة. يَبدو أنَّ هذهِ الصَّغيرةَ كانت تُحبُّ وعاءَ السِّيدِ آين كَثيراً. بِمَا أنني أشعرُ بِهذهِ المَشاعرِ أيضاً. يَا لَلغرابة… مَاذا نُسمي هذا الشُّعور؟ شَفقة؟ تَعاطُف؟ أم خَوْف؟”
رَفَعَتِ الفتاةُ يَدَها ونَظرتْ إليها.
كانت يَدُ الفتاةِ ترتجفُ بِقوة.
وبينما كانت تَنظرُ إلى يَدِها وتَبتسم، أغْمَضَتْ عينيها.
فَتوقفتِ اليَدُ المرتجفةُ عَنِ الحركة.
فَتَحَتْ عينيها مَرةً أخرى وهي تبتسمُ ابتسامةً مُشرقة.
“على كُلِّ حال، هذا غَريب. لم أتوقعْ أن تتبعنا حقاً.”
هَزَّتِ الفتاةُ كَتفيها.
“لَقد تَغيرتَ كَمَا سَمِعتُ مِن زادكييل. تَخرجُ بِنفسِكَ مِن أجلِ هؤلاءِ البَشَرِ الذينَ كنتَ تَعتبِرُهم تافهين.”
لم يَمْنحْ آين تِلكَ الفتاةَ الثَّرثارةَ أيَّ نَظرة.
لكنَّ الفتاةَ فَتَحَتْ فَمَها وكأنَّها لا تَهتَم:
“آه. بالطبع، لم يَكن هناكَ بَشَرٌ فقط. فَلدينا أخواتُنا وإخوتُنا أيضاً. آه، مِسكينة سيلابيل. ألا يُمكِنُ لِهذهِ العَرَبَةِ أن تَتتحركَ بِسرعةٍ أكبر؟ لَرُبما فَقَدَتْ عَقْلَها الآن، هُفُف.”
أمامَ كلماتِها، نَبَتَ الغَضبُ على وَجهِ آين الخَالي مِنَ التَّعابير.
ومَع ذلك، وَمَضَ ضوءٌ دَاخلَ العَرَبَةِ وكأنَّ بَرْقاً قد ضَرَب.
“كَاك!”
أحدُ الكهنةِ الذينَ كَانوا يَجلسونَ في المَقابلِ ويَرتجفون، سَقَطَ فَجأةً لِلأمام.
عِندَ رُؤيةِ ذلك، ارْتَعَبَ الكاهنُ السَّمينُ الواقفُ بِجانبِهِ وانكمشَ على نَفْسِهِ وهو يَرْتَعِد.
تَدَفَّقَ دَمٌ أحمرُ صَريحٌ مِن أنفِ الفتاة.
مَسحتِ الفتاةُ الدَّمَ بِيَدِها وابتسمتْ بِخبث.
بدأتْ يَدُها ترتجفُ بِعُنف.
“يَا لَلإله، كَيفَ يُمكِنُ أن تَكونَ ضَعيفةً هكذا.”
ثُمَّ انهارَ جَسدُ الفتاةِ وسَقَطَ كَمَا هو.
لم تَعُدِ العينانِ المَفتوحتانِ تَرْمِشان.
كانت الحَدَقَةُ الفَارغةُ تَعكسُ سَقْفَ العَرَبَةِ فقط.
عِندَ رُؤيةِ ذلك، ارْتَعَبَ آين في تِلكَ اللحظةِ وبدأ يَنحب.
تَجمعتِ الدُّموعُ في عينَيْ آين وسَقَطتْ بِغزارة.
ارتجفَ جَسدُهُ الصَّغيرُ بِعُنف.
وأمسكتْ يَدَاهُ المرتجفتانِ بِيَدِ الفتاةِ المُرتمِيَة.
يَدُها التي كانت دَافئةً ذاتَ يَوْم، كانت تَبْرُدُ الآن.
حُزْن، شَفقة، عَذاب، عَجْز… مَشاعرُ لا تُحصى عَصفتْ بِه.
لم تَكن مَشاعرَهُ هو.
لِأنهُ كانَ طِفلاً يراهُ لِلمرةِ الأُولى.
رُبما كانت هذهِ المَشاعرُ التي يَصعُبُ تَحَمُّلُها هي مَشاعرُ الوِعاء.
كانَ وِعاؤُهُ، الذي يَتَحَمَّلُ قُوَّتَهُ العَظيمةَ بِصعوبة، يَمْلِكُ شَخصِيَّةً وجَسداً ضَعيفَيْنِ لِلغاية.
لِذا، وعلى عَكسِ إرادتِه، كَانَ يَشعرُ بِالرُّعبِ مِنَ الأشياءِ الصَّغيرة، ويَحزنُ، وأحياناً تَتغلبُ عليهِ المَشاعرُ فَلا يُمكِنُهُ الحَرَاك.
تَماماً مِثلَ الآن.
في تِلكَ اللحظة:
“كَاك! كَاك، كَاك!”
الكاهنُ السَّمينُ الذي كانَ يَرْتَعِدُ وهو يَنكمشُ على نَفْسِه، بدأ يَتلوى وكأنهُ في عَذاب.
ارْتَفَعَتْ عيناهُ لِلأعلى حتى بَدَا بَيَاضُهما فقط.
وبدأ شَعرُهُ البُنيُّ يَتصبغُ بِاللَّونِ الأبيضِ تَدريجياً.
وتوقفَ جَسدُهُ المرتجفُ عَنِ الحركة.
تَحركتْ عيناهُ الحَمراوتانِ المُتوهجتانِ بِبَراعة.
قَطَّبَ حَاجبيهِ ثُمَّ فَتَحَ فَمَه:
“ها، هذا الجَسدُ لا يُعجبني… قُوتُهُ هي الأَسوأ، وعلاوةً على ذلكَ لَيْسَ جَميلاً. تِلكَ الفتاةُ كانت تَمْلِكُ جَسداً أعجبني لِأولِ مَرةٍ مُنذُ فَترة.”
بَدأ يَتذمرُ وهو يَنظرُ إلى الفتاةِ المُرتميةِ بِيأس.
أمامَ ذلكَ المَشهد، حَدَّقَ فيهِ آين وكأنهُ سَيقتُلُه.
“مَا هذهِ النَّظرة؟ هل تَقصدُ أنَّ تِلكَ الصَّغيرةَ قد مَاتت؟”
بَدأ يَتحدثُ بِاستفزازٍ لَئيم.
“واو، هذا ظُلمٌ حقاً. أنا لم أَقْتُلْها! إذا أردتَ الحق، فَأنتَ مَن قَتَلَها يا سِيد آين. لا تَكْتَفِ بِالارتجافِ هكذا وقُلْ شَيئاً. لِماذا لا تَنبِسُ بِكلمة؟”
بَعدَ أن ظَلَّ يَثرثرُ لِفترة، تَذكَّرَ شَيئاً مَا وقالَ ‘آه!’:
“صَحيح. ذلكَ الجَسد، لَقد احترقتْ حِبالُهُ الصَّوتِيَّةُ بِالكاملِ بِسببِ صَدمةِ قُبولِك! صَحيح، كانَ الأمرُ كذلك. هذا الجَسدُ سَيءٌ حقاً. دَورانُ عَقْلِهِ بَطيءٌ لِلغاية. على كُلِّ حال، كَيفَ كُنتَ تَعيشُ طَوالَ تِلكَ الفَترةِ بِهذا الضِّيق؟ بِمجردِ العَودة، غَيِّرْ ذلكَ الجَسدَ أولاً. هناكَ الكَثيرُ مِنَ الأوعِيَةِ الجَاهزةِ في المَعبد.”
أحكَمَ آين قَبضةَ يَدِهِ المرتجفةِ أمامَ كلماتِ الكاهنِ الذي كَانَ يَتحدثُ وكأنهُ تَاجِرٌ يَبيعُ بِضاعةً ويَقولُ إنَّ لديهِ كُلَّ مَا تُريد.
على عَكسِ ريمييل التي كانت تُغَيِّرُ جَسدَ البَشَرِ الذينَ يَمْلِكونَ قُوةً مُقدسةً بِحُرية، لم يَكن بِمقدورِهِ تَغييرُ جَسدِهِ بِسهولة.
لَيْسَ فقط لِأنهُ لا يُوجدُ أوعِيَةٌ كَثيرةٌ يُمكِنُها احْتواءُ قُوتِهِ العَظيمة، بل لِأنَّ الوِعاءَ الذي يَسكنُ فيهِ يَنْهارُ مَع رُوحِهِ في اللحظةِ التي يَخرجُ فيها، لِأنهُ لا يَستطيعُ تَحَمُّلَ تِلكَ القوةِ الجَبَّارة.
تَماماً مِثلَ الوِعاءِ العَجوزِ الذي كانَ يَسكنُ فيهِ في المَرةِ الماضية.
‘لا تَحزن. لَقد كُنتُ سَعيداً لِأنني استطعتُ احْتواءَك.’
حتى في تِلكَ اللحظةِ التي كانَ فيها جَسدُهُ ورُوحُهُ يَنْهارانِ تَدريجياً، قَامتِ الرُّوحُ العَجوزُ بِتَعزيَتِهِ بِلُطف.
إذا غَادَرَ هذا الوِعاءَ لِمجردِ أنهُ لا يَستطيعُ الكلام، فَإنَّ هذهِ الرُّوحَ الصَّغيرةَ والضَّعيفةَ سَتَنْهارُ أيضاً مِثلَ ذلكَ الوَقت.
°هذا حَلْوَى القُطْنِ لَذيذٌ حقاً!°
لَقد كَانَتْ رُوحاً تَشعرُ بِالمَرَحِ لِمجردِ قِطعةٍ مِن حَلْوى القُطْنِ الوَرْدِيَّة.
لَنْ أُكَرِّرَ الأخْطاءَ مَرةً أخرى.
أمسكَ آين بِرُكبتَيْهِ بِقوة.
التعليقات لهذا الفصل " 84"