الفصل 70
بَدأتْ أجواءُ النُّزلِ الصَّاخبةُ تهدأُ تَدريجيًّا.
مِن الذينَ اتَّخذوا الطاولاتِ وسائدَ واستسلموا للنومِ مَكانَهم، إلى الذينَ غطّوا في نَومٍ عَميقٍ وهُم يَستندونَ إلى بَعضِهم البعضِ مَع صَوتِ شَخيرِهم.
كما كانَ هناكَ مَن يَملكونَ إرادةً قويةً لدرجةِ مُواصلةِ الشُّربِ حتى النهايةِ دونَ فُقدانِ الوعي.
وللدهشةِ، كانت “كاي” مِن الفئةِ الأخيرة.
رُبما تَعلمتْ كَيفيةَ التَّحكمِ في نَفسِها مِن خِلالِ تَجاربِها السابقةِ مع الثَّمالة، أو رُبما تغيرتْ بِنْيتُها الجَسديةُ بسببِ الأحداثِ التي مَرَّت بها مَع التَّوأم، لكنها كانت تَشربُ بوعيٍ تامٍ وهي تُبادلُ الباقينَ الأحاديث.
ابتسمَ “لويد” ابتسامةً خَفيفةً وهو يُراقبُ “كاي” التي كانت تَضحكُ بِمرحٍ لِقصصِ صاحبِ النُّزل.
كلما رآها تَضحكُ بإشراقٍ، كان يَرغبُ في حِمايتِها لِتبقى هكذا دائمًا، وفي الوقتِ ذاتِه، حينَ تَتورطُ في مَواقفَ خَطيرةٍ كما حَدثَ اليوم، كانت تَرواِدُه رَغبةٌ في إخفائِها في مَكانٍ لا يَعرفُه أحدٌ لِتجعلَه يَنظرُ إليها وَحدَها.
ألا يَراها أحدٌ غيرُه.
وبينما كانَ يَتساءلُ في نَفسِه عن هذهِ المَشاعرِ المُتناقضةِ…
“أوه، سأخرجُ قليلًا لأستنشقَ بَعضَ الهواءِ النقي.”
قالت إنَّ دُوارَ الخَمرِ بَدأ يَنتابُها وخَرجتْ.
ولأنَّ خُطواتِها كانت تَتأرجحُ قليلًا، لَحقَ بها “لويد” شُعورًا منهُ بالقَلق.
بَدأت “كاي” تَمشي حولَ النُّزلِ وهي تُدندنُ بِنغمةٍ وكأنها في مَزاجٍ جَيد.
مَرَّ نَسيمُ الشَّمالِ الباردُ خِلالَ شَعرِها.
لمعَ شَعرُها الأبيضُ تَحتَ ضَوءِ القَمرِ راسمًا خُطوطًا جَميلة.
ارتجفتْ أكتافُها لِلحظةٍ بسببِ الرياحِ القارسة.
خلعَ “لويد” سُترةَ زِيِّه الرسميِّ ووَضعَها حولَ كَتفَي “كاي” قائلاً بِصوتٍ خَفيض:
“لقد كانَ أمرًا خَطيرًا.”
توقفت “كاي” التي كانت تَمشي في المُقدمةِ والتفتتْ لِتنظرَ إلى وَجهِ “لويد”.
“أوه، هل أنتَ تُوبخُني الآن؟”
قَطبتْ شَفتيها ممتعضةً.
“أنا لا ألومُكِ على خَطأٍ ارتكبتِهِ. ألم تَكوني… خائفةً؟”
“آه، في كلِّ مَرةٍ كانت تَدورُ فيها عَينا ‘مارغريت’، كان قَلبي يرتجفُ، لكنني بخير. يَبدو أنَّ قَلبي قد أصبح أقوى. الآنَ أصبحتُ صامدةً أمامَ أيِّ خَوفٍ تَقريبًا.”
أمسكَ “لويد” بِيَدِها وهي تُثرثرُ قائلاً:
“أنا آسفٌ لأنني تركتُكِ وَحدَكِ.”
لم يَكن يَتخيلُ أبدًا أنَّ مِثلَ هذا الخَطرِ سَيحدثُ داخلَ الإقليم.
رُغمَ أنَّ “كاي” لم تلاحظْ، إلا أنَّه كانَ قد نَشرَ فُرسانًا إضافيينَ في أنحاءِ الإقليمِ لِضمانِ سَلامتِها.
ومع ذلك، وكأنَّ الأقدارَ تَسخرُ من تلكَ الجُهود، كانت الحَوادثُ تقعُ دائمًا في مَكانٍ ما.
“قلتُ لكَ إنَّه ليسَ شَيئًا تَعتذرُ عنه.”
كانت عيناها ذابلتَينِ قليلًا وهي تَبتسمُ بِرقة.
أخذَ لويد كاي المُترنحةَ وأوصلَها إلى مَكانِ إقامتِها.
استلقتْ كاي على السَّريرِ وغرقتْ في نَومٍ عَميقٍ فورًا.
“هممم.”
ارتسمتْ ابتسامةٌ على وَجهِها وهي نائمة، وكأنها تَرى حُلمًا جَميلًا.
“يَجبُ أن أتحققَ مِمَّا حدثَ بالضبط.”
غادرَ لويد غُرفتها.
ثم توقفَ لِلحظة.
رسمَ دائرةً سِحريةً أمامَ بابِ الغُرفة.
ومضتِ الدائرةُ السحريةُ لِحظةً ثم اختفت.
لقد قامَ بِختمِ الغُرفةِ مؤقتًا حتى تَستيقظ، لِضمانِ عدمِ حدوثِ أيِّ شَيءٍ خَطيرٍ لها.
❁❁❁
استشعرَ “يوتياس” شَخصًا يَخترقُ الحواجزَ الثلاثيةَ التي صَنعَها بِيَدِه لِيأتي إليه.
لم يَكن هناكَ سوى شَخصينِ في هذهِ القارةِ يُمكنُهما كَشفُ هذهِ الحواجزِ المُعقدةِ والمَخفيةِ بِيُسر.
أحدُهما في العاصمة، والآخرُ هو…
“… سَيِّدي الدُّوقُ الصَّغير، لقد جِئتَ إذًا.”
كانَ لويد هيلديريوس هو مَن يَنظرُ إليهِ بِغضبٍ مُطلقًا هالةً مُرعبة.
“لو تَواصلتَ مَعي عبرَ أداةِ الاتصالِ لأجبتُك، فهل كانَ مِن الضروريِّ أن تَأتي لِتُحطمَ الحواجزَ التي نَصبتُها طَوالَ الشِّتاء؟”
“سأضطرُ لإصلاحِها مَرةً أخرى. يا لَلإزعاج.”
هزَّ يوتياس رأسَه رَفضًا.
“أنتَ هو، مَن قَتلَ الجاني.”
تَحدثَ لويد بِنبرةٍ هادئة.
بعدَ أن سَمعَ القِصةَ مِن كاي، تَوجهَ لِتفتيشِ مَنزلِ العَجوزِ ووجدَ أنَّ كلَّ شَيءٍ كانَ نَظيفًا بِمبالغة.
لقد أخذَ بُرجُ السِّحرِ جميعَ الأدلة، ولم يَبقَ حتى أثرٌ لِطاقةٍ في المَكان.
هل يَقومُ بُرجُ السِّحرِ بالعملِ بهذهِ الدِّقةِ رُغمَ أنَّه ليسَ جِهازَ التحقيقِ الإمبراطوري؟
لا بُدَّ أنهم يُخفونَ شَيئًا.
علاوةً على ذلك، جُثةُ الجاني التي تَمَّ تَمزيقُها بِشكلٍ يَبُثُّ الاشمئزاز… كانت مِن صُنعِ شَخصٍ يَعرفُه لويد جَيدًا.
لأنَّه خاضَ سُوحَ القِتالِ مَعه لِمراتٍ عديدة.
عندَ سَماعِ كلماتِ لويد، هَزَّ يوتياس كَتفيهِ وكأنَّ الأمرَ لا يَعنيه.
“حسنًا، لقد حدثَ أمرٌ مُزعجٌ قليلًا.”
“لماذا تَعاملتَ مَع الأمرِ بِمفردِك؟ أليسَ مِن عاداتِك عدمُ التدخلِ في مِثلِ هذهِ الأمورِ المُزعجة؟”
الشَّخصُ الذي كانَ يَنبغي أن يَظلَّ غَيرَ مُبالٍ كالعادة، بَدأ يَتسكعُ في الأرجاء.
“هممم، لقد ظَهرَ شَخصٌ أحبُّه. شَخصٌ أرغبُ في مُساعدتِه بشتى الطُّرق. أليسَ لَديكَ يا سَيِّد لويد شَخصٌ كَهذا أيضًا؟”
ابتسمَ يوتياس بِمكر.
عِندَ تلكَ الكلمات، ازدادت طاقةُ لويد قُوةً.
بَدأت طاقتُه المُتوهجةُ في تَديمرِ وتَفجيرِ جميعِ الحواجزِ التي وَضعَها “يوتياس”.
‘هاها، انظروا إلى هذا…؟’
لقد وَقعَ في الفخِّ بِيُسرٍ رُغمَ أنني استغززتُه قليلًا فقط.
حينَ التقى بِـ لويد لأولِ مَرة، كانت مَهاراتُه أقلَّ مِن يوتياس.
لكنَّ هذا الوحشَ بَدأ يتساوى مَعه في القوةِ قبلَ أن يُدرك، والآنَ بَدأ ينمو بِسرعةٍ هائلةٍ تَتجاوزُ حُدودَ خَياله.
زمجرَ لويد بِصوتٍ مُنخفضٍ بَينما كانت الحواجزُ تَتداعى كَالزجاجِ المُحطم:
“لا تَتطاولْ عليهِا.”
كانت طاقةً هائلة.
‘هاه، كلما فَعلت ذلك، ازددتُ رَغبةً في الحصولِ عليها. كيفَ سَيتحولُ وَجهُكَ الواثقُ بَعدَ أن آخذَ تِلكَ القوةَ العَظيمة؟ سَيتحطمُ بِشكلٍ مأساويٍّ.’
لكنَّ الوقتَ الآنَ هو لِلانسحاب.
إذا تَواجها بِجدية، فلن يَضمنَ حَياتَه.
توارى يوتياس عَن الأنظارِ وهو يَبتسمُ بِمَرارة.
❁❁❁
“سَيِّدي الدُّوقُ الصَّغير، نَشكرُكم على كلِّ شَيءٍ طَوالَ تلكَ الفترة.”
“تَفضلوا بزيارتِنا مَرةً أخرى! سنكونُ في انتظارِكم دائمًا.”
خَرجَ الكثيرونَ لِوداعِنا، بِمَن فيهم كَبيرُ خَدمِ القَلعةِ ورئيسُ القَرية.
لقد حانَ الوقتُ لِلعودةِ إلى العاصمة.
“إلى اللقاءِ أيتها المُعالِجة. تَعالي لِلعبِ مَرةً أخرى، ‘آين’!”
لوّحت مارغريت بِيَدِها.
صَعدنا إلى بَوابةِ الانتقالِ السِّحريِّ وَسَطَ وَداعِ الناس.
“إذًا، سننطلقُ الآن.”
عندما أعطى السَّاحرُ الإشارة، بَدأت صورُ الأشخاصِ الذينَ يُلوحونَ لنا تَتلاشى.
تَشوهتِ الخَلفيةُ لِلحظةٍ ثم أصبحتْ واضحة، وسُرعانَ ما رَأينا مَكانًا مألوفًا.
“لقد وَصلنا.”
لقد كانت ساحةَ تَدريبِ هيلديريوس.
“لقد وَصلنا أخيرًا!”
تَوقعتُ أن يَخرجَ شَخصٌ ما لاستقبالِنا، لكن لم يَكن هناكَ أحد.
لم يظهر حتى دابين وروبا اللذانِ كانا يَنتظرانِ عودتَنا أكثرَ مِن أيِّ شَخصٍ آخر.
ماذا حَدث؟
“لم أتلقَّ أيَّ تَقاريرَ عن حُدوثِ شَيء…”
بَدت الحَيرةُ واضحةً على وَجهِ لويد أيضًا.
وحتى عندما زُرنا القَصرَ بَعدَ الانتهاءِ مِن تَرطيبِ الأمتعة، لم نَجد كَبيرَ الخَدمِ الذي كانَ يَستقبلُنا دائمًا.
حتى خادمُ البابِ الذي يَفتحُ البابَ لِلقصر، جاءَ مُسرعًا بارتباكٍ لِيفتحَ لنا.
“هل هناكَ خطبٌ ما في القَصر؟”
ترددَ الخادمُ عندَ سُؤالِ “لويد” وبَدا عليهِ الحَرج.
“أعتقدُ أنَّ كَبيرَ الخَدمِ سَيُخبرُكم بالتفاصيل.”
تَوجهنا بِخطواتٍ سَريعةٍ إلى مَكتبِ “دابين”.
تَوقعتُ أن أجدَ دابين غارقًا في جِبالٍ مِن الأوراق، لكنَّه لم يَكن هناك.
وبالإضافةِ إلى ذلك، كانت جميعُ تلكَ الأوراقِ الكثيرةِ مُرتبةً تَمامًا.
“هذا مذهلٌ يا دابين. لقد رتّبَ كلَّ شَيء.”
هل هذهِ هي قُدرةُ البَطلة؟
وبينما كُنتُ أتفحصُ الأوراقَ المُرتبة، سَمعتُ صَوتَ ضَجيجٍ مِن بَعيد.
ذلكَ الصَّوتُ الذي كانَ يزدادُ تَدريجيًّا تَوقفَ تَمامًا أمامَ الغُرفة.
ثم فُتحَ البابُ ودخلَ كَبيرُ الخَدمِ بِخطواتٍ سَريعة.
“سامحوني! لقد طَرأ أمرٌ عاجلٌ وتَسببَ في هذا التأخير. أعتذرُ لأنني لم أخرج لاستقبالِكم.”
خَلفَ كَبيرِ الخَدمِ الذي كانَ يَعتذرُ بِسرعة، وقفَ عددٌ كبيرٌ مِن الخدم.
“ماذا هناكَ يا كَبيرَ الخدم؟”
“سَيِّد ‘لويد’! سأشرحُ لكَ الأمرَ وأنا في طَريقي. هَيّا، ليأخذْ كلُّ واحدٍ مِنكم السَّيِّد ‘لويد’ والآنسة ‘كاي’ إلى مَكانِهما المُخصص!”
“ماااذا؟”
اقتادنا الخدمُ والخادمات.
وقبلَ أن نُدركَ ما يَحدث، انفصلنا في المَمّرِ وبدأنا نَتجهُ إلى مَكانٍ ما.
المَكانُ الذي قادتني إليهِ الخادماتُ كانَ غُرفةَ التَّزيين الخاصةَ بِعائلةِ دُوق هيلديريوس.
بما أنَّ ابنةَ الدُّوقِ لم تَكن تَهتمُ بالزينة، فقد ظَلَّ هذا المَكانُ مهجورًا لِفترةٍ طويلة.
لكنَّه اليومَ كانَ يَعجُّ بِأصواتِ الناس.
طرق، طرق، طرق
طرقتْ إحدى الخادماتِ بابَ غُرفةِ التزيين.
“لقد وَصلت الآنسة كاي”
ازدادَ الضَّجيجُ داخلَ الغُرفة.
سُمعَ صَوتُ خُطواتٍ ثم فُتحَ البابُ على مِصراعَيه.
“كاي، ادخلي بِسرعة. لا يوجدُ وقت!”
استقبلتني دابين تَحتَ الأضواءِ الساطعةِ لِغرفةِ التزيين.
“كنا في انتظارِكِ، آنسة كاي!”
وبجانبِها، كانت هناكَ امرأةٌ ضئيلةُ الحَجم، تَرتدي نظاراتٍ حادة، وتَبدو صَارمة، ألقَت التحيةَ عليّ.
“آه، مَرحبًا.”
بناءً على مَكياجِها الأنيق، والقلمِ المَوضوعِ خَلفَ أذنِها، وشَريطِ القياسِ في يَدِها، ووجودِها في غُرفةِ التزيين، وبصفتي قارئةً قرأتْ رِواياتِ “الرومانسيةِ الخيالية” بكثرة، بَدأتُ أخمنُ مِهنةَ المرأةِ التي أمامي.
رُبما تكونُ مُصممةَ أزياءٍ في مَتجرٍ رَاقٍ.
“أيتها الآنسةُ الجميلة، سُررتُ بلقائِكِ. أنا أليدي، صَاحبةُ مَتجرِ أليدي للمُصممين.”
أصابَ تَخميني تَمامًا.
المرأةُ التي حَيّتني بِحركاتٍ أنيقةٍ كانت مُصممةً مَشهورةً يُذكرُ اسمُها حتى في صُحفِ الإمبراطورية.
ضمتْ يَدَيها ونظرتْ إليّ بِعَينينِ لامعتَين.
“آه، إنهُ تَمامًا كما قالتِ الدُّوقة! كَيفَ يمكنُ لِشخصٍ أن يكونَ جَميلاً كأنَّه تِمثالٌ مَنحوت؟ هذا الشَّعرُ الأبيضُ المُبهر، والعينانِ الحمراوان، كلُّ شَيءٍ يَبدو كَعملٍ فنيّ. أنا ‘أليدي تيغريس’، سأضعُ كلَّ روحي هذهِ المَرةَ لِصُنعِ فُستانٍ رائعٍ لِابنةِ الدُّوقِ ولَكِ أيتها الآنسة.”
انحنتِ المرأةُ بِمنتهى الأناقةِ وهي تُحييني.
“إيه؟ فُستان؟”
أجابت أليدي بابتسامةٍ عريضةٍ على سؤالي:
“إنهُ الفُستانُ الذي ستَرتدينه في حَفلةِ تَنصيبِ وَليِّ العَهد!”
التعليقات لهذا الفصل " 70"