الفصل 65
رَبَتُّ عَلى كَتِفِ لوسي المُرْتَجِف.
“إِذاً، ماذا حَدَثَ لِتِلْكَ الطِّفْلَة؟”
“عِنْدَما جاءَ الصَّباح، عادَت إِلى السَّريرِ وكأَنَّ شَيْئاً لم يَكُن. لا تَزالُ غائِبةً عَن الوَعْي.”
ارْتَجَفَ جَسَدُ لوسي مُجَدَّدًا وكأَنَّها تَذَكَّرَت مَشْهَدًا مُرْعِبًا.
تَرَكْتُ لَها كوبَ الشَّايِ الخاصَّ بِي وغَرِقْتُ في التَّفْكير.
‘هَل يُوجَدُ طارِدُو أَرْواحٍ في هذا العالَم؟’
لَقَد عِشْتُ في المَعْبَدِ لِثَمانِ سَنَواتٍ واسْتَعْدَدْتُ لِاخْتِبارِ الكهِنِة المُعالِجين، لكِنَّني لم أَسْمَع قَطُّ عَن شَخْصٍ مَسْكونٍ بالأَشْباح.
“لِنَنْقُل سَكَنَكِ أَوَّلاً يا آنِسَة. تَعالَيْ لِلْعَيْشِ في القَصْرِ الرَّئيسِيّ، سأُخْبِرُ رَئيسَ الخَدَمِ بِذلِك.”
أَمْسَكَت لوسي بِيَدَيَّ وابْتَسَمَت ابتسامَةً باهِتَة:
“شُكْرًا لَكِ يا كاي.”
“هوه… هذه حَقًّا قِصْة مُثيرٌة لِلِاهْتِمام.”
جَفَلْتُ مِن الصَّوْتِ المُفاجِئِ ورَفَعْتُ رَأْسي، فَوَجَدْتُ يوتياس جالِسًا عَلى الطَّاوِلَةِ المُجاوِرَةِ لنا.
لا أَعْرِفُ مَتَى جاء، لكِنَّهُ كانَ يَجْلِسُ بِاسْتِرْخاءٍ ويَشْرَبُ الشَّاي.
بِما أَنَّهُ وَسيمٌ لِدَرَجَةٍ فائِقَة، كانت أَنْظارُ جَميعِ مَن في المَقْهى مُتَّجِهَةً نَحْوَه.
حَتَّى لوسي التي تَجْلِسُ أَمامي احْمَرَّ وَجْهُها وهي تَنْظُرُ إِلَيْه.
بَدأَ يوتياس يَمْسَحُ شَعْرَهُ القَصيرَ بِيَدِه وكأَنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِنَظَراتِ الإِعْجاب.
وعِنْدَما التَقَت عَيْناهُ بِعَيْنَيّ، غَمَزَ لي.
ماذا يَفْعَلُ هُنا شَخْصٌ مِن المُفْتَرَضِ أَنْ يَكونَ مَشْغولاً بِدِراسَةِ مَوْجَةِ الوُحوش؟
“ماذا تَفْعَلُ هُنا؟”
سَأَلْتُهُ بِحَذَر، فَأَجابَ يوتياس بِمَرَح:
“كُنْتُ أَتَجَوَّلُ في المَدينَةِ ورَأَيْتُ الآنسَة كاي فَدَخَلْت. وبِفَضْلِ ذلِك، سَمِعْتُ قِصَّةً مُمْتِعَة.”
“أَلا تَعْمَل؟”
ابْتَسَمَ يوتياس بِاتِّساع:
“حَتَّى لَوْ لم أَعْمَل، فَمَرْؤوسِيَّ يَقومونَ بِكُلِّ شَيْءٍ بَدَلاً عَنِّي.”
شَعَرْتُ بِالشَّفَقَةِ الحَقيقِيَّةِ تِجاهَ سَحَرَةِ البُرْجِ لأَنَّهُم يَعْمَلونَ تَحْتَ إِدارَةِ رَئيسٍ يَقْضي وَقْتَهُ في شُرْبِ الشَّاي.
“فَهِمْت. أَنا مَشْغولَةٌ الآن، لِذا سأَنْصَرِف. آنِسَة لوسي، لِنَنْهَض.”
“أَه؟ نَعَم!”
أَخَذْتُ لوسي التي كانَت مَفْتُونَةً بِوَسامةِ يوتياس، وتَوَجَّهْنا نَحْوَ النُّزُلِ المَقْصود.
بَعْدَ مَسافَةٍ مِن المَشْي، شَعَرْتُ بِأَنَّ أَحَدًا يَتْبَعُنا.
لم أَحْتَج لِلنَّظَرِ لِأَعْرِفَ مَن هُو، لكِنَّني نَظَرْتُ لِلخَلْفِ ووَجَدْتُ يوتياس يَقِفُ هُناكَ وكأَنَّهُ أَمْرٌ طَبيعِيّ.
كانَ يَبْتَسِمُ بِوَجْهٍ مُشْرِق.
“ماذا تُريد؟”
“أَنا فُضولِيٌّ أَيْضًا. طِفْلَةٌ مَسْكونَةٌ بالرُّوح! لِنَقُل إِنَّ شَغَفي العِلْمِيَّ كَساحِرٍ قد اسْتَيْقَظ؟”
لَمَعَت عَيْناهُ بِالفُضولِ مِثْلَ طِفْلٍ وَجَدَ لُعْبَةً جَديدَة.
أَرَدْتُ أَنْ أُجادِلَهُ بِأَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّسْلِيَة، لكِنَّني أَغْلَقْتُ فَمي.
لم يَكُن هُناكَ فائِدَةٌ مِن الكَلام.
لَنْ يَتَوَقَّفَ عَن اللَّحاقِ بِنا حَتَّى لَوْ مَنَعْتُه، ولا أَمْلِكُ القُوَّةَ لِإِبْعادِه، لِذا تَجاهَلْتُهُ وواصَلْتُ المَسيرَ مَعَ لوسي نَحْوَ النُّزُل.
{مَلاذُ المُسافِر}
كانَ النُّزُلُ المَوْجودُ في مَرْكَزِ القَرْيَةِ ضَخْمًا ونَظيفًا كَما وَصَفَتْهُ لوسي.
بَدا وكأَنَّهُ بِنَاءٌ جَديدٌ لم يَمُرَّ زَمَنٌ عَلى بِنَائِه.
كانَ مِن الصَّعْبِ التَّصْديقُ بِأَنَّ بِنَاءً كَهذا في مِنْطَقَةٍ حَيَوِيَّةٍ يَمْلِكُ أَرْخَصَ الأَسْعار.
كُلَّما اقْتَرَبْنا مِن النُّزُل، شَعَرْتُ بِنَسيمٍ بارِدٍ ومُوحِشٍ يَدورُ حَوْلَه.
هَل يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ هُناكَ فَرْقٌ كَبيرٌ في دَرَجَةِ الحَرارَةِ رَغْمَ أَنَّ الشَّمْسَ الدافِئَةَ تُشْرِقُ عَلى المَكان؟
يَبْدو أَنَّ يوتياس الذي كانَ يَتْبَعُني شَعَرَ بِشَيْءٍ غَريبٍ أَيْضًا، فَهَمَسَ بِصَوْتٍ خافِت:
“قُوَّةٌ مُقَدَّسَةٌ مُكَثَّفَة… الحَرارَةُ مُنْخَفِضَةٌ جِدًّا.”
تَجاهَلْتُ تَمْتَمَتَهُ وتَوَجَّهْتُ نَحْوَ المَدْخَل، وفَجْأَةً هَبَّت رائِحَةٌ كَريهَةٌ جِدًّا.
“أُووه، ما هذا…؟”
بَحَثْتُ عَن مَصْدَرِ الرَّائِحَة، فَرَأَيْتُ عَجوزًا ضَئيلَةَ الحَجْمِ تَرْتَدي قِماشًا مَليئًا بالعَفَنِ وتَحُومُ حَوْلَ مَدْخَلِ النُّزُل.
كانت الرَّائِحَةُ الصَّادِرَةُ مِنْها قَوِيَّةً وكأَنَّها لم تَسْتَحِمَّ مُنْذُ سَنَوات.
حاوَلْتُ تَغْطِيَةَ أَنْفي والدُّخول، فَخَرَجَ رَجُلٌ في مُنْتَصَفِ العُمْرِ ذو بِنْيَةٍ جَيِّدَةٍ ووَجْهٍ طَيِّب، وهو يَحْمِلُ طَعامًا.
“يا جَدَّة، خُذي هذا الطَّعامَ وارْحَلي. أَنا آسِف، لكِن لا يُمْكِنُكِ الدُّخولُ لأَنَّ هُناكَ زَبائِن.”
رَدَّت العَجوزُ بِأَصْواتٍ تُشْبِهُ العَويلَ تِجاهَ الرَّجُلِ الذي رَفَضَ دُخولَها بِلُطْف.
كانت تَنْطِقُ بِكَلِماتٍ غَيْرِ مَفْهومَةٍ ومُتَداخِلَةٍ لِدَرَجَةِ أَنَّني لم أَفْهَم شَيْئًا.
وكُلَّما فَتَحَت فَمَها، بَدَت بَعْضُ أَسْنانِها السَّوْداءِ والمُتَعَفِّنَة.
أَشارَت العَجوزُ بِيَدِها لِلتَّعْبيرِ عَن شَيْءٍ ما، ثُمَّ اسْتَسْلَمَت لِوَجْهِ الرَّجُلِ المُرْتَبِك، فَأَخَذَت الطَّعامَ وعادَت إِلى الشَّارِعِ بِضَعْف.
تَنَهَّدَ الرَّجُلُ وهو يُراقِبُها.
ثُمَّ لَحَظَ وُجودي أَنا ولوسي ونَحْنُ نُغَطِّي أُنوفَنا، فَسارَعَ نَحْوَنا بِارْتِباك.
“آه، أَيَّتُها المُعالِجَة! أَنا اعْتَذِر.”
انْحَنى الرَّجُلُ مِرارًا وهو يَعْتَذِر.
“أَرْجو التَّفَهُّم، هذهِ عَجوزٌ تَعيشُ في قَرْيَتِنا. لَقَد أُصيبَت بِمَرَضٍ عَقْلِيٍّ وليسَ لَدَيْها عائِلَة، فَتَعيشُ عَلى التَّسَوُّل. إِنَّها مِسْكينَة.”
كانَ هذا الرَّجُلُ هو والِدُ الطِّفْلَةِ المَسْكونَةِ وصاحِبُ النُّزُل.
“أَنا آسِفٌ عَمَّا حَدَثَ بِالأَمْس. لَقَد فُزِعْتِ كَثيرًا، أليس كذلك؟”
بَدأَت الدُّموعُ تَتَجَمَّعُ في عَيْنَيِ الرَّجُل.
“أَنا أَيْضًا لا أَعْرِفُ ماذا أَفْعَل…”
في تِلْكَ اللَّحْظَة، تَحَدَّثَ يوتياس الذي كانَ يُراقِبُ الرَّجُلَ الباكي:
“لَقَد جِئْنا مِن أَجْلِ هذا الأَمْر. هَل يُمْكِنُنا رُؤْيَةُ حالَةِ الطِّفْلَة؟”
لم أَكُن مَسْرورَةً بِتَدَخُّلِهِ المُفاجِئ، لكِنَّني لم أَمْنَعْه.
فَقَد تَهَلَّلَ وَجْهُ صاحِبِ النُّزُلِ عِنْدَما رَأى زِيَّ السَّحَرَةِ الرَّسْمِيَّ الذي يَرْتَديهِ يوتياس، وقادَنا لِلدَّاخِلِ بِفَرَح.
“نَعَم، نَعَم! أَيُّها السَّاحِر!”
لم يَبْدُ أَنَّ ذلِكَ الشَّخْصَ (يوتياس) يَمْلِكُ قَلْبًا لِمُساعَدَةِ المَساكين.
تَذَكَّرْتُ ما قالَهُ قَبْلَ قَليل، فَسَأَلْتُهُ بِصَوْتٍ خافِتٍ وهو يَتْبَعُ المالك:
“سَيِّد يوتياس، هَل سَتُساعِدُ حَقًّا؟”
“عَمَّاذا تَتَحَدَّثين؟ أَنا ذاهِبٌ بِدافِعِ الفُضولِ المَحْض.”
لم يَكُن هُناكَ أَيُّ أَثَرٍ لِلشَّفَقَةِ أَو التَّعاطُفِ عَلى وَجْهِ يوتياس.
لَقَد كانَ ذاهِبًا فَقَط لِإِشْباعِ فُضولِه.
‘كَما تَوَقَّعْت.’
لَقَد قالَها بِنَفْسِهِ قَبْلَ قَليل: °شَغَفٌ عِلْمِيّ.°
“آه، حَسَنًا.”
ماذا أَتَوَقَّعُ مِن مَلِكِ البُرْجِ المُختل.
تَجاوَزْتُ يوتياس وتَبِعْتُ صاحِبَ النُّزُل.
كَما قالت لوسي، كانَ النُّزُلُ نَظيفًا جِدًّا ولا يُوجَدُ فيهِ ذَرَّةُ غُبار.
لكِن بِسَبَبِ خُلُوِّهِ مِن النَّاس، كانَ المَمَرُّ يَفُوحُ بِبُرودَةٍ مُرْعِبَة.
“هنا… هذهِ هي الغُرْفَة.”
فَتَحَ المالكُ البابَ بِوَجْهٍ حَزين.
“أُوغ…!”
انْبَعَثَت مِن فَتْحَةِ البابِ رائِحَةٌ جَعَلَت رائِحَةَ العَجوزِ تَبْدو بَسيطَة.
كانت رائِحَةً كَريهَةً جِدًّا، تُشْبِهُ رائِحَةَ تَعَفُّنِ جُثَّةٍ تُرِكَت لِفَتْرَةٍ طَويلَة.
“إِنَّها أَسْوَأُ مِمَّا تَخَيَّلْت.”
قَطَّبَ يوتياس جَبينَهُ وفَرَقَعَ أَصابِعَه.
فجأةً انْفَتَحَت النَّوافِذُ وتَدَفَّقَت رِياحٌ قَوِيَّةٌ إِلى داخِلِ الغُرْفَة.
“… سِحْر؟”
تَمْتَمَ صاحِبُ النُّزُلِ بِدَهْشَة.
بَعْدَ فَتْرَة، اخْتَفَت الرَّائِحَةُ بِفَضْلِ الرِّياحِ القَوِيَّة.
ثُمَّ أُغْلِقَت النَّوافِذُ تِلْقائِيًّا.
بَعْدَ هذهِ السَّلْسَلَةِ مِن الأَحْداث، تَمَكَّنَّا وأَخيرًا مِن دُخولِ الغُرْفَة.
كانت الغُرْفَةُ وَرْدِيَّةً ومُزَيَّنَةً بِدِمًى وكُتُبِ قِصَصٍ مُرَتَّبَة.
وعَلى سَريرٍ صَغير، كانت هُناكَ طِفْلَةٌ تَبْدو في عُمْرِ آين تَقْريبًا.
رَغْمَ أَنَّها سَمِعَت صَوْتَ دُخولِنا، إلا أَنَّها لم تَتَحَرَّك.
لَوْلا حَرَكَةُ بَطْنِها الصَّغيرَةِ بِفِضْلِ التَّنَفُّس، لَظَنَّ أَيُّ شَخْصٍ أَنَّها جُثَّةٌ بِسَبَبِ شُحوبِ جَسَدِها.
“هذهِ ابْنَتي مارغريت. عُمْرُها ثَمانِ سَنَوات.”
امْتَلأَت عَيْنا المالكِ بالدُّموعِ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ ابْنَتِه.
“كُنْتُ مَشْغولاً جِدًّا بِأَعْمالِ النُّزُلِ ولم أَسْتَطِع الِاهْتِمامَ بِها… رَغْمَ ذلِك، نَمَت مارغريت لِتَكونَ طِفْلَةً صالِحَة. لم تَشْتَكِ قَط، وكانت تُساعِدُ في أَعْمالِ النُّزُلِ وقَضاءِ الحَوائِج. لكِن…”
مَسَحَ المالكُ دُموعَهُ وتابَع:
“مُنْذُ شَهْرٍ تَقْريبًا، فُقِدَت الطِّفْلَة. قالت إِنَّها ذاهِبَةٌ لِلَّعِبِ عِنْدَ صَديقَتِها ثُمَّ اخْتَفَت… اضْطَرَبَت القَرْيَةُ بِأَكْمَلِها.”
بَدأَ صَوْتُهُ يَرْتَجِفُ مِن الأَلَمِ وهو يَتَذَكَّرُ تِلْكَ اللَّحَظات.
شَوَّهَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ مِن الوَجَعِ وتابَع:
“لا تَعْرِفونَ كَم بَحَثْنا عَنْها… ثُمَّ وَجَدَها حَرَسُ القَصْرِ في غابَةِ الأَشْجارِ البَيْضاء. كانت الغابَةُ في ذلِكَ الوَقْتِ مَحْظورَةً لأَنَّ بُرْجَ السَّحَرَةِ رَصَدَ فيها طاقَةً ضَعيفَةً لِمَوْجَةِ الوُحوش.”
“غابَةُ الأَشْجارِ البَيْضاء…”
مَسَحَ يوتياس ذَقْنَهُ بِتَعابيرَ غامِضَة.
“كانت طِفْلَةً هادِئَةً لم تُخالِف أَمْرَ والِدَيْها قَط… لا أَعْرِفُ لِماذا دَخَلَت المِنْطَقَةَ المَحْظورَة. لكِنَّنا وَجَدْناها مُغْمًى عَلَيْها هُناك، وتَغَيَّرَت تَمامًا بَعْدَ ذلِك. كانت طِفْلَةً كَثيرَةَ الكَلامِ وتُحِبُّ الغِناء، لكِنَّ كَلامَها قَلَّ بِشِكْلٍ مَفاجِئ، وأَصْبَحَت تَجْلِسُ شارِدَةً لِأَيَّامٍ طَويلَة.”
تابَعَ المالكُ كَلامَهُ وهو يَنْشِق:
“ظَنَنْتُ أَنَّها تَعَرَّضَت لِشَيْءٍ مُرْعِبٍ في الغابَةِ وسَأَلْتُها، لكِنَّها لم تُجِب. وفَوْقَ كُلِّ ذلِك…”
فجأةً بَدأَ جَسَدُ الرَّجُلِ يَرْتَجِفُ بِقُوَّة:
“بَدأَت تَقْتُلُ الحَيوانات…”
“الحَيوانات؟”
عِنْدَ سُؤالي، غَطَّى الرَّجُلُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ المُرْتَجِفَتَيْنِ وتابَع:
“في البِدايةِ لم أَكُن أَعْلَم. بَدأَت الطِّفْلَةُ تَجْمَعُ زُجاجاتٍ تَحْتَوي عَلى شَيْءٍ أَحْمَرَ داكِن… بَدَا الأَمْرُ كَدَمٍ وكانَ مُقْرِفًا، لكِنَّني أَقْنَعْتُ نَفْسي أَنَّها لُعْبَةُ أَطْفال. لكِن في ذلِكَ اليَوْم، رَأَيْتُها. في وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِن اللَّيْل، رَأَيْتُ ابْنَتي وهي تَقْتُلُ حَيَوانًا صَغيرًا بِوَحْشِيَّةٍ وتَضَعُ دَمَهُ في الزُّجاجَة… كانَ مَشْهَدًا مُرْعِبًا.”
بَكَى الرَّجُلُ بِحُرْقَة:
“مارغريت كانت طِفْلَةً طَيِّبَة، كانت تُقاسِمُ طَعامَها مَعَ العَجوزِ التي يَتَجَنَّبُها الجَميع. كانت مَرِحَةً ولَدَيْها الكَثيرُ مِن الأَصْدِقاء. لكِن لِماذا، لِماذا حَدَثَ هذا…”
لم يَسْتَطِع الرَّجُلُ إِكْمالَ حَديثِهِ بِسَبَبِ الغُصَّةِ في حَلْقِه.
“هممم.”
نَظَرَ يوتياس إِلى الطِّفْلَةِ المُسْتَلْقِيَة.
بَعْدَ أَنْ ظَلَّ يُراقِبُها لِفَتْرَة، ناداني فجأة:
“آنسَة كاي، هَل يُمْكِنُكِ التَّأَكُّدُ مِن حالَةِ جَسَدِ الطِّفْلَة؟ لا يَجِبُ أَنْ أَنْظُرَ إِلى جَسَدِ آنِسَةٍ صَغيرَةٍ بِشِكْلٍ غَيْرِ لائِق.”
ابْتَسَمَ يوتياس واسْتَدار، فاقْتَرَبْتُ أَنا مِن الطِّفْلَة.
طِفْلَةٌ تَسْتَلْقي عَلى السَّريرِ بِجَسَدٍ شاحِبٍ كالجُثَّة.
فَتَحْتُ أَزْرارَ مَلابِسِ الطِّفْلَة.
وتَصَلَّبَ وَجْهي عِنْدَما رَأَيْتُ حالَةَ جَسَدِها.
كانَ الوَضْعُ أَسْوَأَ بِكَثيرٍ مِمَّا تَخَيَّلْت.
“آنِسَة لوسي. هَل عَالَجْتِها بِالأَمْسِ حَقًّا؟”
كانَ جَسَدُ الطِّفْلَةِ مُغَطًّى بِالكَامِلِ بِكَدَماتٍ زَرْقاءَ وحَمْراء.
وامْتَلأَت عَيْنا لوسي بالدُّموعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ المَنْظَر.
“نَعَم… كُنْتُ أُعالِجُها كُلَّ يَوْم.”
“لَيْسَت جُروحًا خارِجِيَّةً فَقَط، بَل لَدَيْها تَمَزُّقاتٌ داخِلِيَّةٌ كَبيرة. أَعْضاؤُها الدَّاخِلِيَّةُ لا تَعْمَلُ أَبَدًا. في الحَقيقَة، هذهِ الحالَة…”
إِنَّها حالَةُ شَخْصٍ مَيِّتٍ تَمامًا.
بَقاؤُها عَلى قَيْدِ الحَياةِ في هذا الوَضْعِ كانَ مُعْجِزَةً بِحَدِّ ذاتِها.
التعليقات لهذا الفصل " 65"