الْفَصْلُ 52
قامت تلكَ المرأةُ بمشاركةِ قوتِها واسمِها مع ذلكَ البشريِّ الضعيفِ الذي كانَ يبدو وكأنهُ سينكسرُ بمجردِ لمسِه.
واعتنت بهِ بكلِّ جوارِحِها.
منذُ متى يا تُرى؟
منذُ متى تحولت شفقتُها على البشرِ إلى حُب؟
أحبت المرأةُ ذلكَ البشريَّ الذي لم يُجبرْها على الحُبِّ ولم يُقيدْها.
والبشريُّ أيضاً لم يملِكْ خياراً سوى حُبِّ تلكَ المرأةِ الجميلةِ التي اعتنت بهِ ومنحتْهُ القوة.
وهكذا وقعَ الاثنانِ في الحُب.
لكنَّ مخلوقاً آخرَ رأى ذلكَ صدفةً وأخبرَ النحات.
فقدَ النحاتُ صوابَهُ بسببِ نيرانِ الغيرةِ التي اشتعلت في صدرِه.
في مكانٍ خالدٍ لا يوجدُ فيهِ ضوءٌ ولا ظلام، ولا حتى وقت.
هناكَ في أعمقِ بقعةٍ لا يمكنُ لأحدٍ دخولُها سواهُ، قامَ بحبسِ المرأةِ تماماً.
أرادَها أن تنظرَ إليهِ وحدهُ وتُحبَّهُ وحده.
لكنَّ المرأةَ كانت تُعدُّ نهايتَها في ذلكَ السجن.
لم تكن ترغبُ في العيشِ بهذهِ الطريقةِ بعدَ الآن.
وفي أحدِ الأيام، فتحتِ المرأةُ صدرَ النحاتِ النائم، وانتزعت قلبَهُ وهربت.
ثم سلمت ذلكَ القلبَ المسروقَ إلى ذلكَ البشريِّ الصغيرِ والضعيف.
وحتى في اللحظةِ التي كشفَها فيها المخلوقاتُ الأخرى واقتادوها بعيداً، ظلت تحمي البشريَّ وتتوسلُ إليه؛ أن يُنقذَها باستخدامِ قوةِ القلب.
وعندما سُحبت أمامَ النحاتِ الغاضب، كانت تؤمنُ أنَّ البشريَّ سيأتي لإنقاذِها.
لكن عندما صرختِ المخلوقاتُ الأخرى مُطالبةً بنفيِها الأبديِّ وقتلِها، أدركتِ الحقيقة.
أدركت أنَّ البشريَّ لن يأتيَ لإنقاذِها.
وعندما أدركت ذلك، كانت قد فقدت كلَّ قوتِها وبدأت تسقطُ في ظلامٍ لا نهايةَ له.
ومن جهةٍ أخرى، بكى النحاتُ وهو ينظرُ للمرأةِ التي خانتْه.
استمرت دموعُهُ في الهطولِ حتى تحولت إلى دموعٍ من دم.
حينها فقط، أدرك النحاتُ أنَّ طريقتَهُ في حُبِّ المرأةِ كانت خاطئة.
لكن عندما أدركَ ذلك، كانَ الوقتُ قد فاتَ ولم يَعُد بالإمكانِ إصلاحُ أيِّ شيء.
❁❁❁
ما هذا الحُلمُ الغريب؟
استيقظتُ فجأةً والدموعُ تنهمرُ من عينيّ.
لم أستطع إيقافَ هذهِ الدموعِ مهما حاولت.
كانَ عقلي يتساءلُ “لماذا تبكين؟”، لكنَّ قلبي كانَ يتأثرُ بمشاعرَ غيرِ مفهومةٍ ويستمرُّ في البكاء.
لماذا أبكي؟
هل لأني حزينةٌ لخيانةِ النحاتِ الذي أحببتُه يوماً؟
أم لأني رأيتُ المشهدَ الحزينَ للبشريِّ الذي جاءَ متأخراً لإنقاذِ المرأة؟
بعدَ فترة، عندما بدأ مفعولُ النومِ يتلاشى، استطعتُ أخيراً التوقفَ عن البكاء.
“ما الذي يحدثُ معي؟”
مسحتُ دموعي ونظرتُ حولي.
من خلالِ النافذة، كانَ الليلُ لا يزالُ حالكاً والسوادُ يلفُّ المكانَ بلا أضواء.
نظرتُ بجانبي، فوجدتُ طفلاً صغيراً ينامُ منكمشاً على نفسِه.
إنهُ الطفلُ الذي أحضرتُهُ أمسِ من مقبرةِ
“السيد المبعوث. اسمُهُ آين”.
كانَ الطفلُ ينامُ وهو يحتضنُ كتابَ قصصٍ مصورةٍ بقوة، ويصدرُ أنفاساً هادئة.
لقد كانت هذهِ القصةُ التي قرأتُها لهُ قبلَ النوم.
عنوانُ الكتاب: «المرأةُ التي أحبَّها النحات».
لقد أحضرت دابين هذا الكتابَ البارحةَ قائلةً إنها قرأتْهُ في طفولتِها.
كانت القصةُ مزيجاً عجيباً بين أساطيرِ الغابةِ السوداء في دوركان وأسطورة “بجماليون”.
لم أتوقع أبداً أن أحلمَ بمحتوى القصة.
والأغربُ أنَّ النحاتَ في حلمي كانَ يُشبهُ “السيد المبعوث”.
يبدو أنني تعرضتُ لضغوطٍ كبيرةٍ مؤخراً بسببِ المرضى والمهامِ الشاقةِ التي رماني بها رئيسُ المقرّ.
لدرجةِ أنني حلمتُ بقصةِ أطفالٍ واستيقظتُ باكية.
تنهدتُ ثم التفتُّ لأنظرَ إلى آين النائمِ بعمق.
كنتُ أتوقعُ ذلكَ منذُ رأيتُ تصرفاتِ الكهنةِ القاسيةَ معه في المقبرة، لكن يبدو أنَّ آين تعرضَ لتعنيفٍ مستمرٍ لفترةٍ طويلة.
بمجردِ ظهورِ شخصٍ غريب، كانَ يتشبثُ بي أو بلويد وهو يرتجفُ باكياً.
الشخصُ الوحيدُ الذي تجرأ آين على الاقترابِ منهُ قليلاً كان دابين.
لكنَّ دابين فزعت عندما رأت شعرَهُ المتسخَ والأوساخَ على رقبتِه، وأمرتِ الخادماتِ بغسلِه.
وعندما ظهرتِ الخادماتُ الغريبات، انفجرَ آين بالبكاء وارتمى في حضنِ لويد مرةً أخرى.
في النهاية، أصبحتُ أنا ولويد المسؤولينِ عن تحميمِ آين.
بالطبع، كانت هناك مشكلةٌ بسيطة.
حدثَ هذا قبلَ يومين.
“لويد، هل سبقَ لكَ وأن حممتَ طفلاً من قبل؟”
“إذا علمتِني، فسأبذلُ جهدي.”
تنهدتُ وأنا أنظرُ إلى لويد الذي كانَ ينظرُ إليَّ بتعبيرٍ يُوحي بأنهُ سيفعلُ المستحيل.
فهو وريثُ عائلةِ الدوق، وسيكونُ من المعجزاتِ لو كانَ يحممُ نفسَهُ بنفسِه.
اقتربتُ من آين الذي كانَ يرتجفُ برداً.
“سوفَ نستحمُّ بماءٍ دافئ.”
أمالَ آين رأسَهُ باستغراب.
أيعقلُ أنهُ لا يعرفُ ما هو الاستحمام؟
عندما حاولتُ خلعَ ملابسه، ارتعشَ وبدأت الدموعُ تتساقطُ من عينيه.
“الأمرُ ليسَ مخيفاً.”
مسحَ لويد على رأسِهِ بلطف، فأومأ آين برأسِهِ وهو يغالبُ دموعه.
والشيءُ الغريبُ هو أنهُ برغمِ اتساخِ شعرِهِ ورقبتِه، كانت ملابسُهُ جديدةً ولامعة.
هل كانوا يلبسونَهُ ملابسَ فاخرةً فقط للتظاهرِ أمامَ الناس؟ يا لهم من أشرار!
عندما كنتُ أعيشُ في معبدِ تيرينا في جيرونيا، كنتُ أطلعُ أحياناً على الأوراقِ في مكتبِ “السيد المبعوث”.
ورأيتُ كيفَ أنَّ العاصمةَ كانت تأخذُ جزءاً كبيراً من التبرعاتِ التي يقدمُها النبلاءُ والعامةُ بحجةِ “دعمِ المركز”.
في ذلكَ الوقت، كنتُ أتساءلُ لماذا يرسلونَ الدعمَ للعاصمةِ بدلاً من الأقاليم، والآنَ أدركتُ أنهم كانوا مجردَ لصوص.
يأخذونَ الأموالَ من الأقاليمِ ثم يُعنِفونَ طفلاً صغيراً ولا يطعمونَهُ جيداً.
لقد كانوا عصابةً حقيقية.
شعرتُ بالغضبِ من الوجهِ الآخرِ لكهنةِ العاصمة، الذينَ كانوا يختلفونَ تماماً عن الكهنةِ الذينَ عرفتُهُم في جيرونيا.
“يا إلهي…!”
عندما خلعتُ ملابسَ الطفل، وجدتُ جسدَهُ هزيلاً جداً بسببِ سوءِ التغذية.
والأهمُّ من ذلك، كانَ جسدُهُ مليئاً بالكدماتِ والجروح.
طفلٌ صغيرٌ لم يبلغِ الخامسةَ بعد… أيُّ حياةٍ عاشها يا ترى؟
شعر قلبي بالألمِ وأنا أراهُ منكمشاً ومرتجفاً.
“لويد، هل يمكنكَ وضعُ آين في الحوض؟”
أومأ لويد وحملَ آين، فهزَّ الطفلُ رأسَهُ بذعر.
“سيكونُ الماءُ دافئاً عندما تدخل.”
أغمضَ آين عينيهِ بقوة، فوضعهُ لويد بلطفٍ في الحوضِ الذي يتصاعدُ منهُ البخار.
وبسببِ دفءِ الماء، فتحَ آين عينيهِ فجأةً ونظرَ إليَّ وإلى لويد بالتناوب.
“أرأيت؟ الأمرُ جيد، أليسَ كذلك؟”
أومأ آين برأسِهِ بذهول.
وعندما بدأتُ بتنظيفِ جسدِهِ باستخدامِ إسفنجةٍ مليئةٍ بالرغوة، اتسعت عيناهُ بدهشة.
“هل هذهِ أولُ مرةٍ يرى فيها الرغوة؟”
بدأ آين يلمسُ الرغوةَ هنا وهناك، ثم ابتسمَ ابتسامةً عريضة.
وفجأة، أمسكَ وجهي بيديهِ الصغيرتينِ وطبعَ قبلةً سريعةً على طرفِ أنفي.
“أوه… ما هذا؟”
هل يعبرُ عن امتنانِهِ وحُبِّه؟
ابتسمتُ ومسحتُ على شعرِه.
عندما رأيتُ وجهَهُ المبتسم، تذكرتُ “السيد المبعوث” الراحل.
“كاي.”
ناداني لويد بصوتٍ منخفض.
“نعم…؟”
ُقُبلة.
‘مـا… ماذا!’
احمرَّ وجهي بسببِ قُبلةِ لويد المفاجئة.
“آين… آين يراقبنا!”
نظرتُ بسرعةٍ نحو آين، لكنهُ كانَ ينظرُ إلينا ببراءةٍ وكأنَّ الأمرَ طبيعي.
ما خطبُ هذا الرجل؟
بعدَ الانتهاءِ من الاستحمام، وقبلَ إلباسِهِ ملابسَه، استخدمتُ سِحرَ العِلاجِ لمداواةِ الكدماتِ والجروح.
فلو تركتُها لكانت قد تحولت لندباتٍ عميقة.
راقبَ الطفلُ بصمتٍ سِحرَ العِلاجِ وهو يداوي جروحَه، ثم بدأ يبكي مرةً أخرى.
عادةً ما يُشعرُ السحرُ ببعضِ الوخزِ عندما تلتئمُ الجروح، فظننتُ أنهُ يتألمُ فتوقفتُ وسألتُه:
“لماذا تبكي؟ هل يؤلمُك؟”
هزَّ الطفلُ رأسَهُ نفياً.
كانَ ينظرُ فقط ليدي التي كانت تعالجُه.
بعدَ تنظيفِهِ وإلباسِهِ ملابسَه، بدا وكأنَّ جمالَهُ قد ازدادَ درجاتٍ عديدة.
عيناهُ الواسعتانِ اللتانِ تشبهانِ الجواهر، وحتى أنفُهُ المرتفعُ برغمِ صغرِ سنِّه.
هل هذا لأنهُ يُشبهني؟
قلتُ وأنا أمسحُ على رأسِه:
“أنتَ وسيمٌ جداً. لا بدَّ أنكَ سمعتَ ذلكَ كثيراً، صح؟”
احمرَّ وجهُ الطفلِ بشدةٍ من كلامي.
هل يخجلُ بالفعل؟ يا لهُ من طفلٍ لطيف.
في تلكَ اللحظة، اقتربَ لويد الذي كانَ يساعدني فجأةً ووضعَ وجهَهُ أمامَ وجهي، وأخذَ يحدقُ فيَّ بتمعن.
“…؟”
عندما نظرتُ إليهِ باستغراب، ترددَ قليلاً ثم قال:
“ألسْتُ أنا وسيماً أيضاً؟”
ما هذا السؤالُ المفاجئ؟
أنتَ وسيمٌ حقاً! ألم تكن تعرف؟
عندما حدقتُ فيهِ بذهول، احمرَّ وجهُ لويد فجأةً وكأنهُ يحترق.
“أوه؟ لويد، يبدو أنَّ حرارتَكَ مرتفعة.”
هل يمكنُ لبطلِ الروايةِ القويِّ أن يصابَ بالبرد؟
“… اذهبي مع الطفل. أنا سأرتبُ المكانَ هنا.”
وريثُ عائلةِ الدوقِ يُصرُّ على ترتيبِ المكانِ بنفسِهِ بدلاً من الخدم؟
أملتُ رأسي باستغرابٍ من تصرفِ لويد، ثم أخذتُ آين وعدتُ للغرفةِ ومعي قصةُ الأطفالِ التي أعطتني إياها دابين.
وعندما حاولتُ النومَ بجانبِ الطفلِ مرةً أخرى، فتحَ آين عينيهِ وكأنهُ شعرَ بوجودي.
كانت عيناهُ رطبتين، ثم فجأةً بدأ يبكي بصمتٍ وهو ينظرُ إليّ.
يا إلهي، هل حلمَ بحلمٍ مخيف؟
“آين، لا يزالُ الوقتُ ليلاً.”
ربتُّ على كتفِهِ فاقتربَ مني وتشبثَ بحضني.
وبسببِ صوتِ شهقاتِه، عرفتُ أنهُ يبكي في حضني.
تذكرتُ طفولتي القاسيةَ في الملجأِ عندما انتقلتُ لهذا العالم، فشعرتُ بمزيدٍ من الألمِ في قلبي.
استمررتُ في مسحِ ظهرِهِ والحديثِ معه حتى نام، ثم غلبني النومُ أنا أيضاً.
❁❁❁
آين، الذي كانَ يختبئُ خلفي أو يبكي بمجردِ رؤيةِ أيِّ شخصٍ غريب، بدأ يستعيدُ استقرارَهُ تدريجياً.
وبعدما كانَ لا يجرؤُ على الخروجِ من الغرفة، بدأ يخرجُ خطوةً بخطوة، واليومَ أخيراً وطأت قدماهُ أرضَ قاعةِ الطعام.
في قاعةِ الطعام، كانَ أفرادُ عائلةِ هيلديريوز جميعاً في انتظارِه.
الدوقُ والدوقةُ ينظرانِ إليهِ بأعينٍ تلمع، وحتى الخدمُ كانوا ينظرونَ إليهِ بإعجابٍ شديد.
كانت كلُّ الأنظارِ موجهةً نحو آين.
التعليقات لهذا الفصل " 52"