الْفَصْلُ 51
بسببِ شراءِ باقةِ زهورٍ من محلٍّ قريب، حلَّ المساءُ وغابتِ الشمسُ تقريباً حينَ وصلتُ إلى مقبرةِ كنيسةِ تيرينا.
“يبدو أنني لم آتِ منذُ فترةٍ طويلة.”
وصلتُ أمامَ قبرِ “السيد المبعوث” بتوجيهٍ من الكاهن، وكانَ فوقَ القبرِ زهرةُ أُقحوانٍ جافة وذابلة تركتُها في زيارتي السابقة.
“أنا آسف! هذا تقصيرٌ مني، كانَ عليَّ تنظيفُ المكانِ منذُ مدّة.”
قالَ الكاهنُ المرافقُ بارتباك، ثم انحنى وأخذَ الزهرةَ الذابلةَ وغادر.
يبدو أنَّ القبرَ لم يلقَ عنايةً لفترة؛ فقد تراكمَ الغبارُ بكثافةٍ على الشاهدِ الذي كانَ أبيضَ ناصعاً في المرةِ السابقة.
مسحتُ الشاهدَ المتسخَ بمنديلي لفترةٍ طويلة، ثم ابتسمتُ بمرارة.
“يجبُ أن آتي كثيراً يا سيدي.”
جثوتُ على ركبتيَّ وأغمضتُ عينيَّ، ودعوتُ لروحِهِ بالسلام.
ففي هذا العالمِ الخياليِّ الآلهةُ موجودةٌ حقاً، وبالتأكيدِ هو الآنَ يعيشُ بسعادةٍ بجوارِ الآلهة تيرينا.
في تلكَ اللحظة، سُمِعَ صوتُ خشخشةٍ وتبِعَهُ صوتُ خطواتٍ تركضُ بسرعة.
“طَق، طَق، طَق.”
شعرتُ فجأةً بحرارةِ جسدٍ خلفي، فالتفتُّ بسرعة.
كانَ مصدرُ الحركةِ هو…
“صغير؟”
كانَ طفلاً يبدو في الخامسةِ من عمرِهِ تقريباً.
لا أعرفُ من أينَ ظهرَ هذا الصغير، لكنهُ كانَ مُتشبثاً بظهري وأنا جاثيةٌ على ركبتيَّ.
كانَ يدفنُ وجهَهُ في ظهري فلم أستطع رؤيةَ ملامحِهِ جيداً.
“مَن أنتَ…؟”
عندما تحدثتُ، رفعَ الطفلُ رأسَه.
كانَ يملكُ شعراً أبيضاً مُشرقاً وعينينِ حمراوينِ صافيتينِ مثل الياقوت، تماماً مثلي.
وبمجردِ أن التقت عيناهُ بعيني، امتلأت عيناهُ الصغيرتانِ بالدموع.
“مِن أينَ أتيتَ؟”
سألَ لويد الذي كانَ يراقبُ الموقف، لكنَّ الطفلَ ارتمى في حضني وأخذَ يبكي بصمتٍ شديد.
فسألني لويد:
“هل تعرفينَهُ؟”
“هذهِ أولُ مرةٍ أراهُ فيها.”
بالتأكيدِ لم أرهُ من قبل.
لكنَّ ملامحَهُ كانت تُشبهني لدرجةِ أنني فكرتُ:
هل لـإيفليانا عائلةٌ مخفية؟
“يا صغير، ما اسمُك؟”
رفعَ الطفلُ رأسَهُ مرةً أخرى وهو يشهقُ بالبكاء، وهزَّ رأسَهُ يميناً ويساراً. سألَ لويد:
“ألا يستطيعُ الكلام؟”
نظرَ الطفلُ إلى لويد بتمعن، ثم أومأ برأسِهِ وعادَ لِيختبئَ في حضني.
“أينَ والدتُك؟ سآخذُكَ إليها.”
لكنَّ الطفلَ اكتفى بهزِّ رأسِهِ رفضاً وظلَّ مُتشبثاً بي.
في تلكَ اللحظة، سُمِعت صرخاتُ أناسٍ من بعيد.
“سيد آين! أينَ أنت!”
“سيد آين!”
“تباً، ألا يمكنهم رعايةُ طفلٍ بشكلٍ جيد؟ ما كلُّ هذا التعب!”
“سيد آين! هففف… هذا مزعجٌ حقاً.”
كانت أصواتُهُم مليئةً بكلماتٍ بذيئة.
بمجردِ أن سمعَ الطفلُ أصواتَهُم، خبأ وجهَهُ في حضني أكثر.
وسرعانَ ما ظهرَ أمامنا كهنةٌ من كنيسةِ تيرينا.
“إنهُ هناك!”
صرخَ الكهنةُ عندما رأوا الطفل، وبدأوا يركضون نحونا.
ارتجفَ الطفلُ بشدةٍ مع اقترابِ خطواتِهِم ودفنَ نفسَهُ في حضني بعمق.
“سيد آين، لماذا أنتَ هنا!”
اقتربَ الكهنةُ من الطفل.
“نعتذرُ منكم أيها المؤمنون، المعذرة. يبدو أنَّ الطفلَ كانَ يفتعلُ المتاعب. نعتذرُ منكم.”
“سيد آين، تعالَ هنا فوراً.”
رغمَ إلحاحِ الكهنة، لم يتحركِ الطفل.
ظلَّ ساكناً ووجهُهُ مدفونٌ في حضني.
“هل تريدُ أن تُضرَب؟ تعالَ هنا بسرعة.”
“إذا استمررتَ بهذا الأسلوب، فسنحرمُكَ من الطعام.”
كانت أصواتُ الكهنةِ قاسيةً جداً.
أيعقلُ أنهم يضربونَ هذا الطفلَ الصغيرَ ويُجوّعونه؟
“انتظروا لحظة. إنَّ الطفلَ خائفٌ منكم!”
قلتُ ذلك وأنا أحتضنُ الطفلَ المرتجف.
“ماذا؟ هل أنتِ وليةُ أمرِه؟ وما شأنُكِ أنتِ على أيِّ حال؟”
ردَّ الكاهنُ الذي هددَ بالضربِ بملامحَ منزعجة.
“تعالَ هنا، لقد نفدَ صبري.”
اقتربَ الكاهنُ بخطواتٍ واسعة وسحبَ الطفلَ المتشبثَ بي بقسوة.
“يا هذا! توقف! أنتَ تقسي على الطفل!”
انفصلَ الطفلُ المرتجفُ عني بضعفٍ أمامَ قوةِ الرجلِ البالغ.
“ستنامُ اليومَ في زنزانةٍ منفردة. لا يوجدُ عشاء.”
صرخَ كاهنٌ آخرُ في وجهِ الطفل.
في تلكَ اللحظة، سُمِعَ صوتُ “تشااك”، وصارَ السيفُ مُصوباً نحو عُنقِ الكاهن.
“أنت، ابعد يدَكَ عن ذلكَ الطفل.”
أخرجَ لويد سيفَهُ ووجّهَهُ لرقبةِ الكاهن.
“هـييـك!”
صرخَ الكهنةُ بذعرٍ من نصلِ السيفِ الحاد.
“ما… ماذا تفعلُ أيها المؤمن!”
قربَ لويد السيفَ من رقبتِه بصمت، فسالَ القليلُ من الدمِ بسببِ جرحٍ بسيط.
“دم… دم!”
عندما صرخَ الكهنةُ حوله، تركَ الكاهنُ المذعورُ يدَ الطفل.
انكمشَ الطفلُ على الأرضِ وهو يرتجفُ بشدة.
أسرعتُ إليهِ واحتضنتُه.
كانَ يرتجفُ ويبكي بصمت.
“لا بأس، لا تبكِ.”
حاولتُ تهدئتَهُ بمسحِ ظهره، لكنهُ لم يهدأ.
نظرَ لويد إلى الطفلِ المرتجفِ ثم زمجرَ في الكهنة:
“اغربوا عن وجهي، قبلَ أن أقتلَكم.”
أمامَ قوةِ لويد المرعبة، نسيَ الكهنةُ عملَهُم وهربوا وهم يصرخون.
اقتربَ لويد منا بعدَ تأكُّدِهِ من اختفائهم.
“هؤلاءِ الأوغادُ من كنيسةِ تيرينا.”
صرَّ لويد على أسنانِهِ وهو ينظرُ للطفل.
هل كانَ يُعاني من سوءِ التغذية؟ كانَ الطفلُ صغيراً ونحيفاً جداً.
غربتِ الشمسُ تماماً وحلَّ البرد، وبدأتُ أشعرُ بالقشعريرة.
“لنأخذَهُ إلى المنزلِ أولاً.”
حملَ لويد الطفلَ المرتجفَ بينَ ذراعيه.
وعندما بدأ يمسحُ على ظهرِه، بدأ ارتجافُ الطفلِ يهدأُ تدريجياً.
“يجبُ أن نُطعمَهُ شيئاً. ذراعا الطفلِ نحيلةٌ جداً.”
قالَ لويد بملامحَ غاضبة وهو يتفقدُ الطفل، ثم أضاف:
“على أيِّ حال، هؤلاءِ الكهنةُ ليسوا عقلاء أبداً.”
بمجردِ دخولنا العربةَ الدافئة، فتحَ الطفلُ عينيهِ بدهشةٍ وأخذَ ينظرُ حوله.
“أنتَ بأمانٍ هنا.”
ربتَ لويد على ظهرِه، وسرعانَ ما نامَ الطفلُ في حضنِه.
انطلقتِ العربةُ بسرعةٍ نحو قصرِ الدوقِ هيلديريوز.
وعندما وصلنا، حدثت جلبةٌ صغيرة بسببِ الظهورِ المفاجئ للطفل.
بدأت الجلبةُ بصرخةِ الخادمِ الذي فتحَ الباب.
“أوه!”
تبعَهُ رئيسُ الخدمِ الذي كانَ يراقبُ الموقف، وصرخَ بدهشةٍ عندما رأى الطفل:
“مستحيل، هل هذا طفلُ السيدِ الشاب؟”
كانَ الصوتُ عالياً لدرجةِ أنَّ الدوقَ والدوقةَ خرجا من غرفتهما بسرعة.
“طفلُ لويد؟ هل تقصدُ حفيدي!”
كلُّ هذا حدثَ لأنَّ لويد دخلَ وهو يحملُ طفلاً يُشبهني تماماً.
❁❁❁
كنتُ أقفُ في حلمٍ.
كانَ المكانُ في الحلمِ أبيضاً بالكامل.
لا يمكنُ التمييزُ بينَ الأرضِ والسماء، مساحةٌ بيضاءُ بلا أفق.
هناك، كنتُ أقفُ وأراقبُ رجلاً.
والمثيرُ للدهشةِ أنَّ الرجلَ كانَ يُشبهُ “السيد المبعوث” تماماً.
شعرٌ أبيضُ طويلٌ يصلُ لخصرِه، وعينانِ حمراوان، وملامحُ بارزةٌ وجميلة.
ابتسمتُ لأنني شعرتُ بالسعادةِ لرؤيةِ وجهِهِ بعدَ فترةٍ طويلة.
كانَ عملُ الرجلِ نحاتاً.
في أحدِ الأيام، وجدَ صخرة.
كانت أجملَ صخرةٍ رآها في حياته.
كانت صخرةً بلونِ الحليبِ اللامع، وتشعُّ ضياءً.
فتنَ النحاتُ بجمالِها من النظرةِ الأولى.
شعرَ أنهُ إذا صنعَ تمثالاً من هذهِ الصخرة، فسيكونُ عملاً فنياً رائعاً.
بذلَ الرجلُ كلَّ جهدهِ لنحتِ التمثال، ولم يتهاونَ في أيِّ حركة، بل عملَ بإتقانٍ وتفانٍ.
مرَّ يوم، يومان، عشرةُ أيام… ثم مرت سنوات، وتحولتِ الصخرةُ تدريجياً إلى تمثالِ امرأةٍ جميلة.
وعندما وضعَ السكينَ بعدَ آخرِ لمسة، كانت قد وُلدت أعظمُ تحفةٍ فنية.
من شدةِ جمالِها، ذرفَ النحاتُ الدموع.
ثم طبعَ قبلةً على شفتي التمثال.
حدثَ أمرٌ معجز.
بمجردِ ملامسةِ شفتي النحات، بدأتِ الحياةُ تدبُّ في التمثال، وأصبحَ امرأةً جميلةً تتحرك.
وفي اللحظةِ التي التقت فيها عيناهُ بعينيها الحمراوينِ المتوهجتين، وقعَ النحاتُ في حبِّها.
والمرأةُ أيضاً أحبتِ النحاتَ الذي صنعها، كنوعٍ من غريزةِ الانتماء.
عاشا حباً ساخناً لفترة.
أعطى النحاتُ للمرأةِ اسماً وقوة.
لأنهُ أرادَ أن يُحققَ لها كلَّ ما تطلُبه.
هكذا كانَ حُبُّهُ لها.
لكنَّ المشكلةَ كانت أنَّ حُبَّهُ زادَ عن حده، مما جعلَ المخلوقاتِ الأخرى تغارُ منها.
لكنَّ النحاتَ لم يبالِ بذلك.
فكلُّ اهتمامِهِ كانَ مُوجهاً إليها هي فقط.
في عيني النحات، لم يكن يرى سوى هذهِ المرأة.
لم تستطعِ المرأةُ تحملَ غيرةِ وحسدِ المخلوقاتِ الأخرى، فطلبت من النحاتِ أن يوليَ اهتماماً للآخرين ويمنحَهُم القوة.
لكنَّ النحاتَ رفضَ ببرود.
بل إنهُ كانَ يستمتعُ بتوسلِها إليه، ففي تلك اللحظات، لم تكن عيناها تعكسُ سوى صورتِه.
نما حبُّ النحاتِ للمرأةِ أكثر فأكثر.
لكنَّ المرأةَ بدأت تشعرُ بالاستياءِ منهُ لأنهُ لا يستمعُ لطلبِها.
وبدأت تشعرُ بالعبءِ من حُبِّ النحاتِ الذي عزلَها عن الآخرين وأجبرها على النظرِ إليهِ وحده.
بدأت تبتعدُ عن النحاتِ ببطء.
وكلما ابتعدت، بدأ حُبُّ النحاتِ ينحرفُ ويتحولُ لشيءٍ غريب.
فكانَ يحبسُها في مكانٍ خالدٍ لا وجودَ فيهِ للوقت لمجردِ أنها تحدثت مع مخلوقاتٍ أخرى، وأحياناً كانَ يفرضُ حُبَّهُ عليها قسراً.
سئمتِ المرأةُ من حُبِّ النحات.
كرهت أخواتِها وإخوتَها الذين يحسدونها، وكرهتِ النحاتَ الذي كانَ يراقبُ كلَّ ذلك ويزدادُ تعلقاً بها وهوساً.
وفي يومٍ مليءٍ بالألم، التقتِ المرأةُ صدفةً ببشري.
كانَ البشرُ مجردَ بقايا وفضلاتٍ تركها النحاتُ بعدَ صنعِ التماثيل.
هكذا كانَ البشر.
كائناتٌ ضعيفةٌ لا فائدةَ منها.
لكن عندما رأتِ المرأةُ ذلكَ البشريَّ الصغيرَ جداً، شعرت بالشفقةِ تملأُ قلبَها.
التعليقات لهذا الفصل " 51"