الفصل 46
نـظرَ بـيـدور إلـى الـمـرأةِ مـرةً أخـرى.
شـعـرٌ أسودُ فـاحـمٌ قـصـيـر، وجـهٌ جـمـيـل، وعـيـنـانِ بـنـفـسـجـِيـتـانِ تـفـيـضانِ بـرغـبـةٍ مـُرعـِبـةٍ فـي الـقـتـل.
فـي تـلكَ الـلـحـظـَة، أدركَ بـيـدور هـويـةَ الـمـرأةِ الـتـي تـقـفُ أمـامـَه.
إنـَّها إحـدى تـوأمـيْ عـائـلـةِ ديـوك هـيـلـديـريـوز الـوحـشـِيـَّيـْن: دابـيـن هـيـلـديـريـوز.
بـحـكـمِ نـشـأتِـهِ فـي الـعـاصـمَة، كـان بـيـدور يـعـرِفُ قـصـصَـهـمـا جـيـداً.
وُحوشُ هـيـلـديـريـوز الـذيـن أصـبـحوا “سـيـادَةَ سـيـف” فـي سـنٍّ صـغـيـرة، ويـتـحـكـمـونَ فـي الـسـحرِ بـبـراعة، ويـُطـهـرونَ الزنازين الـخـطـيـرة.
لـكـنَّ بـيـدور لـم يـكـن يـُصـدقُ هـذهِ الـأقاوِيـلَ كـلـمـا تـردد ت فـي الـأوساطِ الـاجـتـمـاعـِيـة.
كـان يـظـنـُّها مـُجـرَّدَ مـُبـالـغـات.
خـُصـوصـاً عـنـدمـا يـتـعـلـقُ الـأمـرُ بـالـابـنـةِ الأولـى لـلـدوق، دابـيـن هـيـلـديـريـوز، فـقـد كـان يـسـخـرُ مـنـها قـائـلـاً: كـيـف لـامـرأةٍ أن تـكونَ سـيـدَةَ سـيـفٍ وسـاحـرَةً مـنَ الـدرجـَةِ الـثـامـنـَة؟ هـذا جـنـون.
ولـكـن، بـعـدَ أن شـعـرَ بـقـوتِـها الـيـوم، أدركَ أنَّ تـلكَ الـإشـاعـاتِ لـم تـكـن مـُبـالـغـةً أبـداً.
بـاغ!
بـبـساطـَة، حـطـمـت دابـيـن عـظـامَ مـعـصـمِـهِ بـمـُجـرَّدِ إمـسـاكِـهِ بـقـوّة.
“كـيـاااااااك!”
صـرخَ بـيـدور مـن شـدةِ ألـمِ تـحـطـمِ الـعـظام.
“آه، مـزعـج.”
عـنـدمـا تـركـت دابـيـن مـعـصـمـَه، بـدأ بـيـدور يـنـتـحـبُ عـلى الأرضِ صـارخـاً مـنَ الـألـم.
وخـرجَ الـمـُعـالـِجـونَ مـنَ الـمـبـنـى عـلى صـوتِ صـراخِـهِ لـيـحـمـلـوهُ إلـى الـداخل.
خـرجَ “سـانـتـوم”، رئـيـسُ مـقـرِّ الـمـُعـالـِجـيـن، عـلى إثـرِ هـذهِ الـفـوضى.
وعـنـدمـا رأى الـابـنَ الـأصـغـرَ لـلـمـاركـيـزَةِ مـُحـمـولـاً عـلى نـقـالـَة، ارتـجـفَ مـنَ الـغـضبِ وأرادَ زجَّ الـفـاعـلِ فـي سـجـنِ الـقـصرِ الـإمـبـراطـوري، لـكـنَّ غـضـبـَهُ تـبـخـرَ فـورَ عـلـمِـهِ أنَّ الـفـاعـلـَةَ هي دابـيـن، ابـنـةُ دوقِ هـيـلـديـريـوز.
❁❁❁
“هـل سـتـعـمـلـيـنَ هـنا حـقاً؟”
هـمـسـت دابـيـن لـكـاي بـعـدمِ صـبـر، بـعـدَ أن سـئـمـت مـن ثـرثـرَةِ رئـيـسِ الـمـقـرِّ الـتـافـِهـة.
“مـهـمـا نـظـرتُ لـلـأمـر، هـذا الـمـكانُ لـيـسَ طـبـيـعـِيـاً.”
بـدايـةً، لـم يـُعـجـبـْهـا ذلـكَ الـوغـدُ الـذي ادعـى أنـَّهُ زمـيـلـُها الـأكـبـر.
كـانـت نـظراتـُهُ تـُثـيـرُ الـتـقـزُّز.
مـُحـاولـتـُهُ الـتـحرشَ بـكـاي وإمـسـاكَ شـعـرِهـا كـانـت كـافـِيـةً لـاسـتـبـعادِه.
لـو كـان هـذا فـي مـيـدانِ حـر بٍ أو زنزانة، لـكـانَ قـد مـاتَ عـلى يـدِ دابـيـن مـُنـذُ زمـن.
أضـِف إلـى ذلـك، أنَّ هـذا الـمـديـرَ الـمـسـؤولَ كـان مـُقـرِفاً أكـثـر؛ فـرُغـمَ تـحـطـمِ عـظـامِ مـعـصـمِ مـرؤوسـِه، لـم يـبـدِ أيَّ اهـتـمامٍ سـوى بـالـتـوددِ إلـيـهـمـا.
هـمـسـت كـاي فـي أُذنِ دابـيـن:
“لـقـد تـغـيـرَ الـقانونُ هـذهِ الـمـرّة، ويـجـبُ عـلى حـامـلـي شـهادةِ الـمـُعـالـِجِ الـمـُتـقـدمِ أن يـقـضوا سـنـةً مـنَ الـتـدريـبِ فـي الـمـقـرِّ الـرئـيـسـي!”
لـعـنـَةٌ عـلى شـهادةِ الـمـُعـالـِجِ الـمـُتـقـدمِ هـذه.
‘هـاه، أخـبـر تـُكِ أنـَّكِ لـسـتِ بـحـاجـةٍ لـمـثـلِ هـذهِ الـشـهادة.’
كـلُّ هـذا بـسـببِ لـويـد الـذي غـابَ عـن جـدولِ الـيـومِ بـسـببِ اسـتـدعاءِ عـمـَّتِـه.
نـظرت دابـيـن إلـى كـاي الـتـي كـانـت تـُصـغـي لـحـديـثِ الـمـديـرِ بـأعـيـنٍ لـامـِعـة، وأمـسـكـت بـرأسـِها الـذي بـدأ يـُؤلـِمـُها.
مـُنـذُ لـقائِـهـا بـكـاي، لـم تـتـوقـفِ الـحوادثُ مـن حـولـِهـا.
حـادثـةُ زيـرونـيـا، وحـتـى يـوتـيـاس الـذي لـم يـكـن يـهـتـمُّ بـالـنـسـاءِ أبـداً، أصـبـحَ يـُسـبـبُ الـمـُشـكـلـاتِ بـسـببِ اهـتـمـامِـهِ بـها.
لـقـد وصـلَ إلـى مـسـامـِعِـها دون أن تـبـحـث أنَّ سـبـبَ خـنـقِ يـوتـيـاس لـأبـناءِ الـنـبـلاءِ فـي الـاخـتـبـارِ كـان لـهُ عـلاقـةٌ بـكـاي.
‘كـاي، ألا يـمـكـنـُكِ الـبـقاءُ هـادِئـةً فـقـط؟’
كـانـت تـر غـبُ فـي حـبـسِـها فـي أعـمـاقِ الـقـصر؛ فـعـلى الـأقـلِّ سـتـقـلُّ هـذهِ الـمـواعـيـدُ الـمـُصـدّعـَةُ لـلـرأس.
تـنـهـدت دابـيـن وهي تـسـتـمـعُ لـلـتـمـلـقِ الـمـُمـل.
‘الـحـشـراتُ تـتـجـمـعُ حـولـَها حـتـى قـبـلَ أن تـبـدأَ عـمـلـَهـا، وسـيـزدادُ الـأمـرُ سـوءاً فـي الـمـسـتـقـبـل.’
هـزّت دابـيـن رأسـَها وهي تـخـتـلـسُ الـنـظرَ إلـى كـاي.
لـويـد الـمـسـكـيـن، سـيـعـانـي كـثـيـراً إذا تـزوَّجـَها.
تـخـيـلـت دابـيـن لـويـد وهـو يـتـصـبـبُ عـرقـاً طـوالَ حـيـاتـِهِ لـيـُصـلـِحَ مـا تـُفـسـِدُهُ كـاي، فـتـحـسَّـن مـزاجُـها قـلـيلاً.
لـكـنَّ هـذا الـقـريـبَ الـأحـمـقَ لـن يـنـجـحَ فـي ذلـكَ بـمـُفـرَدِه، وسـتـنـتـهـي الـأمـورُ بـأن تـقـومَ دابـيـن بـإصـلـاحِ كـلِّ شـيء.
عـادَ إلـيـها صـداعُ الـرأسِ مـرةً أخـرى.
تـبـاً، أيَّ نـوعٍ مـنَ الـحـيـاةِ عـاشـتـهـا هـذهِ الـفـتاة!
كـلـمـا فـكـرت، أدركـت أنَّ كـاي تـفـتـقـرُ لـلـمـفـاهـيـمِ الـأسـاسـِيـةِ لـلـسـلامـَة، رُغـمَ نـشـأتـِها كـعـامـِيـة.
بـدت أكـثـرَ اسـتـهـتـاراً مـن بـنـاتِ الـنـبـلاءِ الـطائـِشات.
عـلى سـبـيـلِ الـمـثـال، خـروجـُها وحـيـدةً فـي مـنـتـصـفِ الـلـيـل.
ذُهـلـت دابـيـن عـنـدمـا خـرجت مـنَ الـمـكـتـبـَةِ بـسـببِ صـداعِـها مـنَ الـنـقاشِ مـع سـحـرَةِ الـبـرج، لـتـرى كـاي تـسـيـرُ بـهـدوءٍ مـع “روبـا” تـحـتَ ضـوءِ الـقـمـرِ فـي وقـتٍ مـُتـأخـر.
مـهـمـا كـانـت أراضي هـيـلـديـريـوز آمـنـة، لـم تـرَ قـط عـامـِيـةً تـجـرؤُ عـلى الـخـروجِ بـمـُفـرَدِهـا لـيـلـاً.
مـا لـم تـكـن تـمـتـلـكُ قـوةً مـُرعـِبـةً مـثـلَ دابـيـن، فـلا يـوجـدُ امـرأةٌ تـخـرُجُ بـمـُفـرَدِهـا فـي الـلـيـلِ حـتـى فـي الـعـاصـمَةِ ذاتِ الـأمـنِ الـجـيـد.
فـلـا تـزالُ عـمـلـِيـاتُ اخـتـطافِ الـبـشـرِ وبـيـعِـهـم كـعـبـيـدٍ تـحـدثُ بـشـكـلٍ غـيـرِ قـانـونـي، وكـلـمـا ابـتـعـدتَ عـنِ الـعـاصـمَة، زاد تِ احـتـمـالـِيـةُ ظـهـورِ الـوحـوش.
الـنـسـاءُ مـنَ الـعـامـَةِ لا يـُفـكـرنَ حـتـى فـي مـغـادرَةِ مـنـازلـِهِـنَّ بـعـدَ حـلولِ الـظلـام، مـا لـم يـكـُنَّ نـبـيـلـاتٍ يـمـلـكـنَ أراضيَ آمـنـة.
عـنـدمـا سـألـتـُها مـا إذا كـانـت تـخـرُجُ كـثـيـراً فـي الـلـيـلِ عـنـدمـا كـانـت فـي زيـرونـيـا، أجـابـت كـاي بـابـتـسامـةٍ عـريـضـة:
“آه، الـمـشيُ هو هـوايـتـي. هـناكَ مـساراتُ مـشيٍ جـمـيـلـةٌ جـداً فـي زيـرونـيـا.”
الـمـشيُ فـي الـلـيـلِ ولـم يـحـدث أيُّ شـيء؟
هـل مـنَ الـمـُمـكـنِ ألا يـكـونَ هـناكَ مـخـمورون، أو تـُجارُ عـبـيـدٍ لـم يـروا كـاي ولـو لـمـرةٍ واحـدة؟
شـعـر ت دابـيـن بـالـريـبـَة.
مـظـهـرُ كـاي يـجـذبُ أنـظارَ الـنـاس.
وجـمالـُها الـفـائـقُ كـامـرأةٍ مـنَ الـعـامـَةِ كـان بـالـتـأ كـيـدِ يـُمـثـلُ مـُشـكـلـَة.
حـتـى فـي قـاعـةِ الـاخـتـبارِ فـي الـقـصرِ الـإمـبـراطـوري، شـعـر ت دابـيـن أنَّ هـناكَ الـكـثـيـرَ مـمـن يـسـتـهـدفـونـَهـا بـسـببِ مـظـهـرِهـا.
كـان هـناكَ حـتـى تـُجارُ عـبـيـدٍ يـتـحـيـنـونَ الـفـر صـَةَ لـاخـتـطافـِهـا، رُغـمَ وجـودِ حـرسِ وسـحـرَةِ الـقـصرِ بـجـانـبِـهـا تـمـاماً.
بـالـطـبـع، اخـتـفى أولـئكَ الـأوغـادُ مـن هـذا الـعـالـمِ بـسـرعَةٍ بـضـربـَةِ سـحرٍ واحـدةٍ مـن لـويـد قـبـلَ أن تـلـاحـظـَهُـم كـاي.
حـتـى سـحـرَةُ الـبـرجِ الـذيـن يـعـمـلـونَ فـي الـمـكـتـبـَةِ كـانـت نـظراتـُهـم نـحـوَ كـاي غـيـرَ مـُطـمـئـنـَة.
لـولا اهـتـمـامُ يـوتـيـاس، لـكـانـت قـد حـدثـت كـوارِثُ عـلى أيـدي الـسـحـرَة.
لـقـد حـلـت دابـيـن أكـثـرَ مـن عـشـرِ حـوادثَ فـي الـخـفـاء.
فـكـيـفَ نـجـت هـذهِ الـفـتاةُ طـوالَ بـقائِـها فـي الـأقـالـيـمِ حـيـثُ الـأمـنُ ضـعـيـف؟
هـنا بـدأ الـتـساؤلُ يـراودُ دابـيـن:
هـل كـان هـناكَ مـن يـحـمـيـها طـوالَ ذلـكَ الـوقـت؟
أم أنَّ هـناكَ إلـهـاً حـارِ سـاً مـنَ الـأساطـيـرِ يـحـمـيـها؟ وإلا، فـكـيـفَ تـمـكـنـت مـنَ الـعـيـشِ بـهذا الـصـفـاءِ والـجـهـلِ الـتـامِّ لـمـا يـدورُ حـولـَهـا؟
“دابـيـن! دابـيـن!”
قـطـعَ صـوتُ كـاي الـمـُبـتـهـجُ حـبـلَ أفـكـارِ دابـيـن.
بـدت كـاي مـُتـفاجـِئـةً بـرؤيـةِ مـكـتـبـِها الـذي أر شـدَهـا إلـيـهِ الـمـديـر.
“دابـيـن! هـذا الـمـكانُ عـالٍ جـداً. هـذهِ أولُ مـرّةٍ أكـونُ فـيـها فـي مـكانٍ مـرتـفـعٍ هـكذا.”
كـانـت كـاي تـُسـنـِدُ رأسـَها عـلى زُجاجِ مـكـتـبِ الـمـُعـالـِجـيـنَ الـذي يـرتـفـعُ نـحـوَ 30 مـتـراً، وتـُشـاهـدُ الـمـنـظرَ الـخـارجـي بـأعـيـنٍ تـلـمـعُ بـالـفـضـول.
كـانـت عـيـنـاهـا الـكـبـيـرتـانِ والـلـامـِعـتـانِ تـجـعـلـانـِها تـبـد و كـحـيـوانٍ صـغـيـرٍ لـطـيـف، لـكـنَّ دابـيـن كـانـت تـُعـانـي مـن صـداعٍ بـسـببِ جـبـلِ الـأعـمالِ الـتـي سـتـضـطـرُّ لـلـقـِيـامِ بـها مـن أجـلِ حـمـايـةِ هـذهِ الـمـرأةِ الـسـاذجـة.
فـي تـلكَ الـلـحـظـَة، اشـتـاقـت حـقـيـقـةً إيفليانا الـتـي كـانـت تـعـرِفُ كـيـفَ تـحـمـي نـفـسـَهـا بـبـراعـة.
“أوه، ألـيـسـت هـذهِ هي الـآنـسـةُ الـدوقـِيـة؟”
طـرقَ صـوتٌ غـيـرُ مـُحـبـبٍ أُذنَ دابـيـن.
هـاه، لـقـد زادتِ الـمـتـاعـبُ واحـدةً أخـرى.
نـظرت دابـيـن بـتـعابـيـرَ مـقـززَةٍ إلـى يـوتـيـاس الـذي كـان يـقـفُ بـجـانـبِـها.
أنـت… مـتـى جـئـتَ أيـضاً؟
انـبـعـثـت هـالـةٌ قـاتـلـةٌ مـن عـيـنـي دابـيـن نـحـوَ يـوتـيـاس، لـكـنـَّهُ تـجاهـلـَها بـابـتـسامـةٍ عـريـضـة.
تـصـلـبَ وجـهُ كـاي بـمـُجـردِ رؤيـتِـها لـيـوتـيـاس.
“الـآنـسـةُ كـاي هـنا أيـضاً. لـقـد جـئـتُ بـشـأنِ مـهـمـةِ الـدعـمِ الـتـقـنـيِّ لـاخـتـبارِ الـمـُعـالـِجـيـن، وسـمـعـتُ صـوتاً مـألـوفـاً فـجـئـتُ لـأرى.”
‘إذا جـئـتَ لـلـدعـمِ الـتـقـنـي، فـعـلـيـكَ الـذهابُ إلـى مـكـتـبِ الـمـديـرِ فـي الـأعـلى، لـماذا تـتـسـكـعُ فـي مـكـاتبِ الـمـُعـالـِجـيـن؟ يـا لـهـذا الـكـاذِبِ الـبـارِع.’
شـدّت دابـيـن عـلى قـبـضـتِـهـا.
ابـتـسـمَ يـوتـيـاس وهـو يـنظرُ إلـى وجـهِ كـاي، وعـنـدمـا رأت دابـيـن تـلكَ الـابـتـسامـة، زادَ صـداعُـها.
لـقـد مـرَّت ثـمـانـي سـنـواتٍ عـلى مـعـرِفـتِـها بـسـيـدِ الـبـرج، وكـانـت دابـيـن تـعـلـمُ أيَّ نـوعٍ مـنَ الـر جـالِ هو.
كـان يـبـدو مـُهـنـدمـاً مـنَ الـخـار ج، لـكـنـَّهُ يـسـتـمـتـعُ بـتـعـذيـبِ الـنـاسِ تـمـاماً كإيفليانا.
وكـان يـُحـبُّ رؤيـةَ وجوهِ الـخـائـفـيـنَ مـنـه.
انـظري إلـيـه، يـكادُ يـمـوتُ سـعادةً بـرؤيـةِ كـاي الـخـائـفـة.
‘مـخـتـل.’
آه، لـهذا الـسـببِ أريـدُ حـبـسـَها فـي الـقـصرِ وتـركَ الـعـمـلِ وكـلِّ شـيء!
كـان جـمـيـعُ مـن يـُحـيـطـونَ بـكـاي مـجـانـيـن.
“عـلى أيِّ حـال، هـل تـنـاولـتُـمُ الـغـداء؟”
أجـابـت كـاي فـوراً عـلى سـؤالِ يـوتـيـاس:
“لـقـد قـررتُ الـعـودَةَ مـع دابـيـن إلـى قـصرِ الـدوقِ لـتـنـاولِ الـطـعـام.”
أحـسـنـتِ يـا كـاي، سـأتـولـى أنـا أمـرَ هـذا الـرجل.
وبـيـنـمـا هـمـَّت دابـيـن بـإخـبـارِ يـوتـيـاس بـالـانـصـراف:
“آه! إذن أنـتـُم لـم تـأكـلـوا بـعـد. إذن، فـلـنـذهب لـتـنـاولِ الـطـعـامِ مـعـاً.”
وفـي تـلكَ الـلـحـظـَة، اقـتـربَ يـوتـيـاس مـن كـاي وحـمـلـَها ثـم اخـتـفـى.
حـدثَ ذلـكَ فـي لـمـحِ الـبـصر، قـبـلَ أن تـتـمـكـنَ دابـيـن مـنَ الـاسـتـعـداد.
“…؟”
مـاذا؟ حـمـلَ كـاي بـتـلـكَ الـيـدِ الـقـذرَةِ واخـتـفـى؟
بـدأ الـغـضـبُ يـغـلـي كـالـحـمـمِ الـبـر كـانـِيـةِ فـي أعـمـاقِ دابـيـن.
“يـو… تـيـاس… أيـُّها الـمـجـنـونُ الـلـعـيـن!”
اهـتـزَّ مـبـنـى مـقـرِّ الـمـُعـالـِجـيـنَ بـسـببِ صـرخـةِ دابـيـن الـمـلـيـئـةِ بـالـغـضـبِ الـشـديـد.
❁❁❁
لـم أتـخـيـل أبـداً أنَّ هـذا الـمـُتـحـرِشَ الـمـجـنـونَ سـيـخـتـطـفـُنـي رُغـمَ وجـودِ دابـيـن بـجـانـبـي.
حـمـلـَنـي يـوتـيـاس فـجأةً ثـم اسـتـخـدمَ الـتـنـقـلَ الـآنـي.
“أرَدتُّ تـنـاولَ الـطـعامَ مـعـكِ، آنـسـة كـاي.”
قـال يـوتـيـاس هـذا وهـو يـُنـزلـُنـي مـن بـيـنِ ذراعـيـه.
كـان هـناكَ طـاولـةُ طـعامٍ طـويـلـةٌ فـي مـُنـتـصـفِ غـرفـةٍ مـُزيـنـةٍ بـفـخـامـة.
وكـانـت تـلكَ الـطاولـةُ مـلـيـئـةً بـأصـنـافِ الـطـعامِ الـتـي تـبـد و شـهـِيـةً جـداً.
“الـآنـسـةُ دابـيـن سـتـأتـي قـريـبـاً، لـذا تـفـضـلـي بـالـجـلوسِ أولـاً.”
قـدَّمَ لـي يـوتـيـاس مـقـعـداً وهـو يـدعـونـي لـلـجـلوس.
“لـا، أريـدُ الـعـودَة.”
ربـمـا يـوجـدُ سـمٌّ فـي هـذا الـطـعام.
هـززتُ رأسي بـسرعَةٍ رافـضـةً عـرضَ يـوتـيـاس.
“هـاهـاهـا، هـذا مـُحـزِن. لـقـد بـذلَ طـبـاخُ الـبـرجِ جـهـداً كـبـيـراً فـي تـحـضـيـرِ هـذا…”
وفـي الـلـحـظـةِ الـتـي ابـتـسـمَ فـيـها بـحـزنٍ وهـو يـنظرُ إلـيَّ:
“أوه… أوه!”
بـدأت قـدمـايَ تـتـحـر كـانِ يـمـيـنـاً ويـسـاراً مـن تـلـقـاءِ نـفـسـِهِـمـا، وبـدأتُّ أسـيـرُ نـحـوَ الـمـقـعـدِ الـذي دعـانـي إلـيـهِ يـوتـيـاس.
شـعـر تُّ وكـأنـَّني دُمـيـةٌ مـُتـحـر كـة.
“مـا هـذا!”
“لـهذا الـسـبب، كـان عـلـيـكِ الـاسـتـماعُ إلـيَّ عـنـدمـا طـلـبـتُ مـنـكِ أولَ مـرّة. هـكذا جـعـلـتـِني أسـتـخـدِمُ الـمـانـا دونَ داعٍ.”
تـوقـفـت قـدمـايَ الـمـُتـخـبـطـ تـانِ أمـامَ الـكـرسـي، ثـم جـلـسـتُ بـقـوّةٍ رُ غـمَ إرادتـي.
“آخ…”
شـعـر تُّ بـألـمٍ فـي مـُؤخـرتـي بـسـببِ الـجـلـوسِ الـعـنـيـف.
“هـيـا، تـذوقـي الـحـساءَ الـذي أمـامـَكِ أولـاً. بـالـطـبـع، إذا لـم تـأ كـلـي، فـسـأضـطـرُّ لـإطـعامـِكِ بـنـفـسـي لـلـأسـف. هـل أُطـعـمـُكِ بـيـدي؟ أم بـفـمـي؟”
لـا يـزالُ مـُتـحـرِ شـاً مـجـنـونـاً.
تـنـاولـتُ مـلـعـقـةً مـنَ الـحـساءِ بـيـدٍ مـُرتـجـفـة.
“…؟”
“لـذيـذٌ، ألـيـسَ كـذلـك؟”
نـظرَ يـوتـيـاس إلـى وجـهـي وهو يـبـتـسـم.
التعليقات لهذا الفصل " 46"