الفصل 4
“……”
لماذا تسألُ عن ذلك؟
رغم أنَّ وجهَها الحنونَ لم يكن يبدو عليهِ أيُّ سوء، إلا أنني لم أستطع إخبارَ شخصٍ أراهُ للمرةِ الأولى عن قصةِ دارِ الأيتامِ أو عائلةِ “روزيبلير”.
كان ذلكَ بسببِ الخوفِ من أن يقوموا بالاتصالِ بهم.
ربما قرأتْ ترددي من خلالِ تـلعثـمي، فابتسمتْ مرةً أخرى بابتسامتِها الطيبةِ وقالت:
“إذا كنتِ لا تذكرين، فلا بأسَ بعدمِ القول.”
كانت هذهِ ألطفَ كلماتٍ أسمعُها منذُ زمنٍ طويل.
بينما كانت الدموعُ تترقرقُ في عينيَّ بسببِ كلماتِها الدافئة، تابعتِ القول:
“لقد كنتِ فاقدةً للوعي لمدةِ ثلاثةِ أشهر، لذا كان الجميعُ قلقينَ جداً.”
ماذا؟! ثلاثةُ أشهر؟ هل بقيتُ مستلقيةً لكلِّ هذهِ المدة؟
لا عجبَ أنَّ شعري أصبحَ أطولَ مما كان عليهِ قبلَ السقوطِ من المنحدر، وأنَّ الجروحَ التي ملأتْ جسدي قد اختفتْ تماماً.
“بما أنكِ استيقظتِ الآن، فسيطمئنُّ ذلكَ الشخصُ أيضاً.”
ذلكَ الشخص؟
عندما مِـلتُ برأسي لعدمِ فهمي، قالت السيدةُ سيلاديا بنعومة:
“هل يمكنني معرفةُ اسمِكِ، يا أختاه؟”
الاسم. الاسمُ إذن.
بالتأكيدِ هي لا تسألُ عن اسمي في كوريا قبلَ التجسد.
بل تسألُ عن اسمِ هذهِ الفتاةِ الصغيرة.
“… اسمي هو، ‘كاي’.”
إنهُ الاسمُ الذي كانت تحملهُ الشريرةُ ‘إيفليانا’
قبلَ أن يتمَّ تبنيها من قِبلِ عائلةِ “روزيبلير”.
كاي. لا يوجدُ لقبٌ لأنني يتيمة.
إنهُ اسمٌ شائعٌ جداً بينَ أسماءِ عامةِ الشعبِ في إمبراطوريةِ هذا العالم.
“إنهُ اسمٌ جميل. الأختُ كاي.”
ابتسمتِ الكاهنةُ سيلاديا عندَ سماعِ اسمي.
“على أيِّ حال، ألمْ تشعري بالجوع؟”
بعدَ قولِ ذلك، خرجتِ السيدةُ سيلاديا من الغرفةِ ثم دخلتْ وهي تجرُّ صينية.
كان عليها حساءٌ خفيفٌ يتصاعدُ منهُ البخارُ الدافئُ مع ملعقة.
طبقٌ أبيضُ وملعقةٌ نظيفة! منذُ متى لم أرَ وجبةً حقيقيةً كهذه؟
وضعتْ سيلاديا الطبقَ على الطاولةِ بجانبِ السريرِ ونادتني بابتسامةٍ دافئة:
“تناولي طعامَكِ بسرعةٍ قبلَ أن يبرد.”
أليسَ مسموماً؟
نظرتُ إلى السيدةِ سيلاديا بنظراتٍ ملؤها الشك.
‘هل يمكنني أكلهُ حقاً؟’
كان وجهُها حنوناً جداً لدرجةِ أنني لم أستطع رفضَ ذلكَ الطعامِ اللذيذ، كما أنني كنتُ جائعةً لوجبةٍ حقيقية.
نهضتُ بترددٍ وجلستُ على الكرسيِّ الذي قدمتْهُ لي وأمسكتُ بالملعقة.
وعندما وضعتُ الحساءَ في فمي بيدي المرتجفة، انتشرَ طعمُ الحساءِ اللذيذُ في فمي.
“إنهُ لذيذ!”
هذا حساءٌ حقيقي!
كان هذا أولَ طعمٍ لطعامٍ حقيقيٍّ أشعرُ بهِ منذُ قدومي لهذا العالم.
بدأت يدي تتحركُ بسرعةٍ نحو الحساءِ دونَ وعي.
وبينما كنتُ ألتهمُ الحساءَ بسرعة، قالت سيلاديا بلطف:
“كُلي قدرَ ما تشائين. لقد أعددتُ الحساءَ لأنها أولُ وجبةٍ لكِ بعدَ ثلاثةِ أشهر عندما تستعيدينَ قوتَكِ أكثر، سنتناولُ وجبةً كاملة.”
هذا وحدَهُ كان كافياً، فما بالُكِ بوجبةٍ كاملة؟
عندما نظرتُ إلى سيلاديا بدهشة، ابتسمتْ وكأنها تعرفُ فيما أفكرُ وقالت:
“في المرةِ القادمةِ سأعدُّ لكِ الخبزَ الأبيضَ وحساءَ اللحم، يا أختاه.”
مجردُ سماعِ الكلماتِ جعلَ لعابي يسيل.
سأبذلُ جهدي لاستعادةِ قوتي!
بعدَ ذلك، لم أنطقْ بكلمةٍ واحدة، بل حركتُ يدي بجدٍّ لألتهمَ الحساء.
كم أكلتُ يا ترى؟
تبقى أكثرُ من نصفِ الطبق، لكنني شعرتُ بالشبعِ ولم أستطع إكمالَه.
ربما لأنني لم آكل جيداً أثناءَ وجودي في دارِ الأيتام، ولأنني كنتُ شبهَ جائعةٍ أثناءَ هروبي، كانت الكميةُ التي يتقبلُها جسدي قليلةً جداً.
“يبدو أنَّ جسدَكِ لا يتقبلُ الطعامَ جيداً لأنها أولُ وجبةٍ لكِ منذُ زمن.”
نظرتْ إليَّ السيدةُ سيلاديا بنظرةِ إشفاق.
“أستطيعُ… أكلَ المزيد.”
في دارِ الأيتام، كنتُ أتعرضُ لعقابٍ شديدٍ إذا تركتُ حتى العصيدةَ المليئةَ بالعفنِ وغيرَ الصالحةِ للأكل.
لكنَّ هذهِ الوجبةَ كانت دافئةً وطازجةً وغيرَ فاسدة.
كان عليَّ أكلُها.
“أووك!”
فجأةً، رَفَضَتْ معدتي الطعامَ وبدأتْ في إخراجه.
حاولتُ إغلاقَ فمي بيدي، لكنَّ الحساءَ الخفيفَ انسكبَ من بينِ أصابعي رغماً عن إرادتي.
سأُضرب!
أغمضتُ عينيَّ بقوةٍ بشكلٍ تلقائي.
لكن لم يحدثْ شيء.
“يا إلهي، هل أنتِ بخير؟”
عندما فتحتُ عينيَّ قليلاً على صوتِ الكلماتِ اللطيفة، وجدتُ السيدةَ سيلاديا تنظرُ إليَّ بقلق.
“ليسَ عليكِ الضغطُ على نفسِك. يمكنكِ زيادةُ كميةِ الطعامِ تدريجياً.”
خرجتْ بسرعةٍ ثم عادتْ بإبريقِ ماءٍ ومنشفة، ومسحتْ جسدي المتسخَ ببراعة.
ثم حملتني بلطفٍ حتى السريرِ ووضعتني عليه بحنان.
غطتني سيلاديا باللحافِ حتى عنقي وقالت لي بدفء:
“لقد أوصاني سيادةُ المبعوثِ بشدةٍ أن أعتني بكِ لكي ترتاحي هنا. إذا احتجتِ لأيِّ شيء، فابحثي دائماً عن خادمةِ الإله، سيلاديا.”
“المبعوثُ…؟”
ابتسمتْ لي رداً على سؤالي:
“نعم، يا أختاه.”
وبينما كانت السيدةُ سيلاديا تربتُ على صدري بلطف، استسلمتُ للنومِ تدريجياً.
❁❁❁
طـاخ!
“ألا تنهضونَ حالاً؟ أيها الخنازيرُ الكسالى!”
فُتحَ البابُ المتهالكُ وظهرَ المشرفُ السمينُ وهو يحملُ سوطاً طويلاً.
فنهضَ الأيتامُ الذين كانوا ينامونَ منكمشينَ فوقَ الأغطيةِ القذرةِ والكريهةِ الرائحةِ بسرعةٍ لترتيبِ أفرشتهم.
‘عليَّ النهوضُ بسرعةٍ للاستعداد.’
إذا تكاسلَ أحدهم أو لم يرتبِ اللحاف، كان يبدأُ الضربُ أمامَ جميعِ الأطفال.
لكن لسببٍ ما، لم يتحركْ جسدي.
“أوووه… .”
لم يصدرْ مني سوى أنينٍ بينما كانت أطرافي ترتجفُ فقط.
هل هذا “جاثوم”؟
‘ليساعدني أحدكم.’
يبدو أنَّ الطفلَ الذي بجانبي رأى أنني لا أزالُ مستلقية، فركلني بخفةٍ مع شتيمةٍ خافتة.
“هوي، أيتها الشقراء. انهضي! هل تريدينَ الموت؟”
شكراً لك أيها الصديقُ مجهولُ الاسم. رغمَ شتيمتكَ اللطيفةِ وركلِك، إلا أنَّ جسدي المتصلبَ لم يتحركْ كما يجب.
يبدو أنَّ ذلكَ الفتى استشاطَ غضباً، فركلَ جسدي بقوةٍ أحدثتْ صوتاً.
بدأ مكانُ الركلةِ يصرخُ من الألم، لكنَّ جسدي ظلَّ ثابتاً لا يتحرك.
“ما هذا!”
اقتربَ المشرفُ من بعيدٍ بخطواتٍ ثقيلة.
“أيتها الفتاةُ الكسولة!”
بدا المشرفُ غاضباً جداً، فكان ينفخُ من أنفهِ ورفعَ السوطَ عالياً فوقَ رأسه.
‘هل سأُضربُ مجدداً؟’
لقد ضُرِبتُ طوالَ يومِ أمس، واليومَ يبدأُ الأمرُ منذُ الصباح.
بـاف!
“هـق، هـق.”
فتحتُ عينيَّ على ألمٍ حادٍّ ضربَ جسدي.
وبسببِ القلقِ من ظهورِ المشرفِ وضربهِ لي، نظرتُ حولي بسرعة.
كنتُ مستلقيةً في غرفةٍ مرتبةٍ ونظيفة، فوقَ سريرٍ أبيضَ وناعم.
“صحيح. لقد هربتُ من دارِ الأيتام.”
حاولتُ تهدئةَ أنفاسي المتلاحقةِ ونهضتُ بجسدي.
كان جسدي مبللاً بالعرق.
“هـوو.”
لم تكن الكاهنةُ سيلاديا، التي بقيتْ بجانبي تربتُ على صدري طوالَ الليل، موجودة.
يبدو أنها لم تنمْ جيداً، فهل ذهبتْ لترتاح؟
عليَّ أن أنامَ مجدداً.
وبينما كنتُ أحاولُ الاستلقاءَ للنوم، سُمِعَ صوتُ قرقرةٍ من معدتي.
بالأمسِ لم تتقبلِ الطعامَ وتقيأتْهُ كله، والآن يبدو أنها هضمتْ كلَّ شيءٍ وأصبحتْ جائعة.
سأطلبُ الطعامَ عندما تأتي الكاهنةُ سيلاديا.
حاولتُ إغلاقَ عينيَّ بجهد، لكنَّ معدتي لم تستطع نسيانَ طعمِ الحساء، فاستمرتْ في القرقرةِ والاضطراب.
وفي تلكَ الأثناء، سُمِعَ صوتُ ضجيجٍ خارجَ البابِ مع رائحةِ طعام، وكأنهُ وقتُ الوجبة.
‘هذه… هذهِ رائحةُ زبدة!’
انتشرتْ رائحةٌ زكيةٌ وحلوة، وكأنَّ خبزاً مدهوناً بالزبدةِ قد وُضِعَ في مقلاةٍ ساخنة.
لم أكن أملكُ الثقةَ للانتظارِ حتى تأتي السيدةُ سيلاديا.
نهضتُ بسرعةٍ وتوجهتُ نحو بابِ الغرفة.
“هوي، انتظرني!”
“بسرعة، تعالَ بسرعة!”
سُمِعَتْ أصواتُ أطفالٍ يتحدثونَ ويركضونَ خارجَ الباب.
هل يوجدُ أطفالٌ في مثلِ عمري في هذا المعبد؟ ترددتُ قليلاً ثم فتحتُ البابَ بهدوء.
في الممرِّ الطويل، كان هناكَ أطفالٌ يرتدونَ ملابسَ كهنةٍ بيضاء، يمشونَ في مجموعاتٍ نحو مكانٍ ما.
كان جميعُ الأطفالِ يمتلكونَ خدوداً ممتلئة، مما يدلُّ على أنهم يتناولونَ طعاماً جيداً في المعبد.
“ماذا سنأكلُ هذا الصباح؟”
“يقولونَ إنهُ خبزٌ بالزبدةِ ونقانق!”
من خلالِ حديثِ الأطفال، عرفتُ أنهم ذاهبون لتناولِ الفطور.
حتى إنَّ قائمةَ الطعامِ اليومَ هي خبزٌ بالزبدةِ ونقانق!
فكرتُ في الزبدةِ الذائبةِ فوقَ الخبزِ الهشِّ والنقانقِ المملحة، وتبعتُهم وكأنني مسحورة.
كم مشيتُ يا ترى؟ بدأت ساقايَ ترتجفان.
حينها فقط تذكرتُ أنني مريضةٌ استيقظتْ لتوِّها بعدَ فقدانِ الوعي لثلاثةِ أشهر، وبالكادِ تناولتُ القليلَ بالأمس.
وبالأمسِ لم أستطع هضمَ ذلكَ الطعامِ وتقيأته.
ترنحَ جسدي الذي لم يأكلْ شيئاً.
لم أستطع اللحاقَ بالأطفالِ الذين يمشونَ بسرعة.
طـن، طـن، طـن!
سُمِعَ صوتُ جرسٍ من بعيد.
“يا إلهي! لقد تأخرنا. لنركض!”
بدأ جميعُ الأطفالِ في الركضِ نحو مكانٍ ما، وبقيتُ وحدي تماماً في الممرِّ الفارغ.
أردتُ العودة، لكنَّ ساقيَّ المرتجفتينِ لم تتحركا.
تباً، كان عليَّ الانتظارُ في الغرفةِ بهدوء.
لو كان هناكَ شخصٌ يمرُّ لكنتُ طلبتُ المساعدة، لكنْ بعدَ رنينِ الجرسِ لم يظهرْ أيُّ شخصٍ في الممر.
ولم أكن أملكُ القوةَ للعودة.
“هـاه.”
في النهاية، جلستُ على أرضيةِ الممر.
واستمرتْ معدتي في القرقرةِ مطالبةً بالطعام.
ليأتِ أحدٌ ليساعدني…
وفي تلكَ اللحظة.
“أوه؟ لماذا أنتِ هنا؟”
فجأة، ظهرتْ فتاةٌ ذاتُ وجهٍ مألوفٍ وجلستْ بجانبي في الممرِّ الذي كان فارغاً قبلَ قليل.
“كيااا!”
خرجتْ مني صرخةٌ دونَ وعي بسببِ ظهورِها المفاجئ.
“ماذا، هل رأيتِ شبحاً؟ لماذا أنتِ مندهشةٌ هكذا؟”
سألتِ الفتاةُ وهي تقطبُ وجهَها.
كان وجهُ الفتاةِ ذاتِ الشعرِ الرماديِّ المجدولِ على الجانبينِ مألوفاً بشكلٍ غريب.
وبالتفكيرِ في الأمر، كانت هي الفتاةَ التي رأتني بالأمسِ وصرختْ هاربةً قبلَ دخولِ السيدةِ سيلاديا.
“ماذا؟ ألا تستطيعينَ الكلام؟”
عندما لم أُجب، مَالتِ الفتاةُ برأسِها.
“لا، ظننتُ أنهُ لا يوجدُ أحدٌ هنا، فاندشهتُ لظهورِكِ المفاجئ.”
“هـم، فهمت.”
أجابتني ثم نظرتْ إليَّ مجدداً.
“على أيِّ حال، ماذا تفعلينَ هنا؟ وأينَ ذهبتْ سيلاديا؟”
سيلاديا… هكذا ببساطة؟ تبدو أكبرَ منكِ بستينَ عاماً على الأقل.
تجاهلتُ أسلوبَها الذي يفتقرُ للاحترامِ وأجبتُ على سؤالِها بلطف:
“عندما استيقظتُ لم أجدْ أحداً. خرجتُ لأنني شعرتُ بالجوع، لكنَّ ساقيَّ لم تتحركا فجلستُ لأرتاح.”
اندهشتِ الفتاةُ من كلامي.
“ساقاكِ لا تتحركان؟”
ثم توجهتْ نظراتُها نحو ساقي.
“يا إلهي، لماذا؟ لماذا لا تتحركان؟”
كان وجهُها مليئاً بالقلقِ وكأنَّ خطراً كبيراً قد وقع.
“أعتقدُ… أعتقدُ أنني جائعةٌ فقط… “
لكنَّ الفتاةَ لم تسمعْ كلامي، فبدأت تقضمُ أظافرَها وتتحركُ بتوتر، ثم بدأت تتفحصُ ساقيَّ وكأنها طبيبة.
“مـ… معذرة.”
في اللحظةِ التي ناديتُها فيها لأهدئَ الفتاةَ المرتبكة.
[شفاء]°
تمتمتِ الفتاةُ بصوتٍ خافت، وفجأةً انبعثَ ضوءٌ ساطعٌ من يدِها الصغيرةِ التي كانت تمسكُ بقدمي.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"