مبنى دارِ الأيتامِ المتهالك الذي تتسللُ إليهِ الرياحُ الباردة، والبالغون الأشرارُ الذين يمارسونَ التعذيبَ ولا يوفرونَ طعاماً أو لباساً لائقاً، والأيتامُ الذين يضايقونَ الأطفالَ الأضعفَ منهم للبقاءِ على قيدِ الحياةِ وسطَ ذلك.
في الحقيقة، عندما فتحتُ عينيَّ لأولِ مرةٍ في هذا العالم، لم أكن أعرفُ مَن هي هذهِ الشخصيةُ ذاتُ الخلفيةِ البائسة.
كانت هناك شخصيةٌ في الروايةِ تمتلكُ شعراً أبيضَ مميزاً وعينينِ حمراوين ومظهراً رائعاً،
لكنَّ الشخصياتِ التي كنتُ أعرفُها في الروايةِ للاعتمادِ على المظهرِ فقط، كانوا جميعاً من أصحابِ المناصبِ الرفيعةِ كالدوقِ وابنةِ الدوقِ ووليِّ العهد.
كنتُ واثقةً من أنهُ في الروايةِ التي لا يظهرُ فيها سوى النبلاء، لم تظهر ‘فتاةٌ يتيمة’ بجمالٍ باهرٍ ولو لمرةٍ واحدة.
ولكن بغضِّ النظرِ عن الرواية، كان عليَّ أن أنجو.
كان العنفُ المستمرُّ والجوعُ والبردُ يطاردونني.
ماتَ طفلٌ صغيرُ الحجمِ في الغرفةِ المجاورةِ من الجوع.
وإذا لم أفعل شيئاً، فسيكونُ دوري هو التالي بالتأكيد.
فكرتُ فيما يمكنني فعلهُ للحصولِ على وجبةِ طعام، وقررتُ أن أتعلمَ القراءةَ والكتابةَ هنا.
إذا استطعتُ القراءة، فبمهاراتي كموظفةٍ صُقِلَتْ لسنواتٍ في “كوريا الجنوبية”، سأتمكنُ من إقناعِ الأبطالِ والتلاعبِ بهم بطريقةٍ ما.
ولكن في مكانٍ لا يوفرُ حتى الطعام، لم يكن من الممكنِ أن يعلموني الحروف، لذا تظاهرتُ بالتنظيفِ والقيامِ بالمهامِ لاختلاسِ النظرِ إلى وثائقِ الكبارِ في دارِ الأيتامِ لتعلمِ الحروف.
ومن الغريبِ أنني كنتُ أستنتجُ الكلماتِ بمجردِ رؤيتِها مرةً واحدة، وكان بإمكاني تفسيرُ الجملةِ التالية.
وفي أسبوعٍ واحدٍ فقط، أتقنتُ اللغةَ المشتركةَ لهذهِ القارةِ تماماً.
هل يُعقلُ هذا منطقياً؟
لكنني في ذلك الوقتِ لم أفكرْ كثيراً.
قلتُ لنفسي: ‘يقولونَ إنَّ دماغَ الطفلِ كالإسفنجة، وبما أنها لغتي الأمُّ فقد تعلمتُ الحروفَ بسرعة’، ولم أعر الأمرَ اهتماماً كبيراً.
فقد كان كلُّ همي هو الاعترافُ بمهاراتي بسرعةٍ للحصولِ على وجبةِ طعامٍ حقيقية.
وظهرتِ الابتسامةُ على وجوهِ أولئك الذين كانوا ينظرونَ إليَّ كأنني صرصورٌ كلما مررتُ بجانبهم.
‘لقد فعلتُها. سأتمكنُ من الحصولِ على طعامٍ لائقٍ هنا.’
وعندما ظننتُ ذلك، كانت ابتساماتهم تتجاوزُ مجردَ الابتسامِ لتصلَ إلى حدِّ الضحكِ الخبيثِ الذي يبعثُ القشعريرة.
وعندما أدركتُ أنَّ هناكَ شيئاً خاطئاً تماماً، كان الأوانُ قد فات.
بمجردِ أن أدركَ الكبارُ في دارِ الأيتامِ أنني ذكيةٌ جداً، بدؤوا في إجباري على دراسةِ المزيدِ للحصولِ على دعمٍ من النبلاء.
ولم يكن بإمكاني التوقف.
فإذا فشلتُ في تعلمِ الحصةِ المقررة، كنتُ أتلقى عقاباً بدنياً شديداً طوالَ ذلكَ اليوم.
ومع استمرارِ التعذيبِ دونَ طعام، لم يكن أمامي سوى فعلِ ما يطلبونه.
والسعادةُ الوحيدةُ التي وجدتُها وسطَ كمياتِ الدراسةِ الهائلةِ والتعذيب، كانت الصحيفةَ التي يرميها الكبارُ لي لأدرسَها.
كانت بطلةُ الروايةِ تظهرُ كثيراً في الصحيفة.
وبناءً على المقالاتِ التي تقولُ إنها تتقدمُ بسرعةٍ مذهلةٍ وكأنها عادتْ بالزمن، كنتُ أدركُ أنَّ هذا المكانَ ليس واقعاً بل عالمُ الرواية.
لكنَّ النحسَ لم ينتهِ عندَ ذلك.
عندما عَلِمَ الكبارُ أنَّ الفتاةَ الصغيرةَ التي أمامهم قد أتقنتْ في شهرٍ واحدٍ اللغةَ الحديثةَ الصعبةَ ‘لغة كرولت’، وأنها تمتلكُ “مانا” أيضاً، لم يكتفوا بالحصولِ على دعمِ النبلاءِ بل طمعوا في المزيد.
بينما كنتُ أدرسُ دونَ علمٍ بأيِّ شيء، ظهرتْ أمامي عربةُ دوقيةٍ ضخمةٌ ومزينةٌ ببهرجةٍ مفرطة، قيلَ إنها تريدُ تبنيي كابنة.
وعندما علمتُ أنَّ اسمَ العائلةِ التي تملكُ تلكَ العربةِ هو ‘روزيبلير’، خطرتْ ببالي حقيقةٌ واحدة.
وهي أنَّ اسمَ الشريرةِ ذاتِ الشعرِ الأبيضِ والعينينِ الحمراوين في هذهِ الروايةِ هو ‘إيفليانا روزيبلير’.
نعم. لقد تجسدتُ في مرحلةِ طفولةِ الشريرةِ المُختلة.
وإذا اقتادوني هكذا لأصبحَ نبيلة، فسينتهي بي الأمرُ مقتولةً على يدِ الأبطالِ الذين عادوا بالزمن. إذاً، الخيارُ هنا هو…
“لنهرُب.”
إذا لم أظهرْ أمامَ أعينِ الأبطال، ألن ينسوا وجودَ الشريرةِ يوماً ما؟
كان الأبطالُ من نبلاءِ عائلةِ الدوق، وأنا الآن يتيمةٌ أدنى من عامةِ الشعب، لذا إذا هربتُ الآن، فإنَّ احتماليةَ لقائهم تقتربُ من الصفر.
التعليقات لهذا الفصل " 2"