الفصل 15
“ماذااا؟ معالجةٌ خاصة؟”
لم أصدق ما سمعتُه من فارسِ عائلةِ هيلديريوز الذي جاءَ في الصباحِ الباكر.
لا بدَّ أنني سمعتُ خطأً.
سألتُ الفارسَ مجدداً:
“تعني أنني أصبحتُ المعالجةَ الخاصةَ للسيّدِ لويد؟”
بدا الفارسُ هو الآخرُ مستغرباً، فحكَّ رأسَهُ وأومأَ بالإيجاب.
لا، مستحيل! قُل إنَّ الأمرَ ليس كذلك!
سألتُهُ بـنبرةِ توسلٍ وقلق:
“عذراً أيها الفارس! أنتَ تعلمُ أكثرَ مني، لقد أبادَ السيّدُ لويد قطعانَ الوحوشِ بـضربةٍ واحدةٍ قبلَ أسبوع. لماذا يحتاجُ شخصٌ قويٌّ مثلُهُ لـمعالجة؟”
أجابَ الفارسُ بـتعبيرٍ يوحي بأنهُ يدركُ قوةَ لويد أكثرَ مني:
“لا أعلمُ. إنها أوامرُ السيّدِ لويد فحسب. يبدو أنَّ علاجَكِ بالأمسِ قد نالَ إعجابَه عليكِ العملُ كـمعالجةٍ خاصةٍ لـفترةِ بقائِهِ في دوركان فقط. يبدأُ الاجتماعُ في الساعةِ الثامنةِ صباحاً، لذا احضري إلى خيمةِ السيّد. وداعاً!”
رحلَ الفارسُ بـسرعةٍ قبلَ أن أتمكنَ من الرد.
وقفتُ أمامَ البابِ بـذهولٍ وأنا أشاهدُهُ يختفي.
لم أشعرْ أنَّ لويد سـيقتلني الآن، لكن بـغضِّ النظرِ عن ذلك، لا أزالُ خائفةً منه.
قوتُهُ الخارقةُ وجسدُهُ الضخمُ يعطيانِ هيبةً تجعلني أشعرُ أنني سـأطيرُ لو ضربني خفةً.
أرنبٌ أمامَ أسد؟ لا، شعرتُ وكأنني سنجابٌ أمامَ تنين.
لكن حتى لو أردتُ الرفض، فإنَّ لويد نبيلٌ وأنا مجردُ عامية.
إذا صَدَرَ الأمر، عليَّ التنفيذ.
أغلقتُ البابَ بيأس.
لم يتبقَّ سوى ثلاثينَ دقيقةً على الثامنة.
بدأتُ الاستعدادَ لـلعملِ بـسرعة.
وصلتُ إلى خيمةِ لويد وأنا ألهث.
كانت الخيمةُ الكبيرةُ التي تحملُ شعارَ عائلةِ هيلديريوز متينةً وفخمةً وضخمةً جداً، عكسَ الخيمةِ التي أسكنُ فيها.
هل هذا هو سببُ قولِ الناسِ إنَّ السلطةَ والمالَ أمرانِ جيدان؟
استرحتُ قليلاً وأنا أتأملُ فخامةَ الخيمة، ثم اقتربتُ وقلتُ بـصوتٍ خجول:
“مرحباً أيها السيّد… أنا كاي… .”
جاءَني صوتٌ من الداخلِ يأمرني بالدخول.
دخلتُ بـتردد وعندما شعرتُ بـنظراتِ لويد الحادة، أدرتُ رأسي وجلتُ بـبصري في الخيمة.
كان هناكَ الكثيرُ من الأشخاصِ يستعدونَ للاجتماع، وكان من بينهم وجهٌ مألوف.
“أوه؟ أنتِ أيتها المعالجةُ المتوسطة. كيفَ تجرئينَ على الدخولِ إلى هنا؟”
اقتربَ مني المعالجُ المتقدمُ ذو الشعرِ الأشعثِ وهو يعقدُ حاجبيه.
يبدو أنكَ لا تعلمُ بالأمرِ أيضاً. أجبتُ بـهدوء:
“لقد عينني السيّدُ لويد كـمعالجةٍ خاصةٍ له.”
سألني بـاستنكارٍ وكأنهُ سمعَ شيئاً لا يُصدق:
“ماذا؟ المعالجةُ الخاصةُ للسيّدِ لويد؟”
بدت علاماتُ عدمِ التصديقِ واضحةً على وجهه.
فليسَ من المنطقي أن يتخذَ لويد القويُّ معالجةً متوسطةً كـمساعدةٍ خاصة، ولو فعلَ ذلك، لكانَ الأجدرُ أن يختارَ معالجاً متقدماً.
“ما هذا الهراءُ الذي تقولينه!”
صرخَ بـوجهي، ثم انتبهَ لـمن حوله، فنظرَ إليَّ بـحدةٍ وعادَ إلى مقعدِهِ في الزاوية.
نظرتُ حولي، كان الجميعُ في الخيمةِ من كبارِ الشخصيات.
أجل، لا يمكنكَ رفعُ صوتِكَ هنا.
بما أنني في نفسِ الموقف، قررتُ الانزواءَ في زاويةٍ والبقاءَ هادئةً كالفأر، حتى فتحَ لويد اللعينُ فمه.
قال لويد وهو يجلسُ بـكبرياءٍ على أفخمِ مقعد:
“هل اسمُكِ كاي؟”
بمجردِ أن نطقَ لويد، سادَ الصمتُ في الخيمةِ التي كانت تضجُّ بالكلام.
ورغمَ صمتِ ألسنتهم، إلا أنَّ نظراتِهم جميعاً كانت موجهةً نحوي.
تجاهلتُ تلكَ النظراتِ وانحنيتُ لـلويد بـأدبٍ قائلة:
“نعم، أيها السيّد.”
أمرني لويد:
“اقتربي.”
اتبعتُ أمرَهُ ومشيتُ نحوَهُ وأنا أشعرُ كأنني أرنبٌ يدخلُ طواعيةً إلى فمِ أسد.
ارتجفت ساقاي بـسببِ الضغطِ القريب، لكنني حاولتُ ألا أظهرَ ذلكَ أمامَ النظراتِ الحادةِ خلفي.
عندما اقتربتُ وانحنيت، قال لويد:
“لقد سمعتِ بـأمرِ تعيينِكِ كـمعالجةٍ خاصةٍ لي، أليس كذلك؟”
ضجت الخيمةُ بـالهمساتِ عند سماعِ كلمات لويد.
لماذا يحتاجُ السيّدُ لويد القويُّ إلى معالجة؟
وحتى لو كان يحتاج، فـكيفَ تكونُ معالجةٌ متوسطةٌ هي الخاصةُ بهِ في وجودِ معالجينَ متقدمين؟
أظلمتِ الدنيا في عيني بـسببِ تلكَ الضوضاء.
أنا أيضاً… لا أريدُ هذا المنصب!
“… نعم.”
ابتسمَ لويد بـخفةٍ بعدَ سماعِ ردِّي وأكمل:
“اليومَ سنخرجُ في حملةٍ إلى الأرضِ المقدسةِ شمالَ غابةِ الظلام. استعدي لـذلك.”
قال ذلكَ الرجلُ الوسيمُ وهو يبتسم، لكنَّ مضمونَ كلامِهِ لم يكن مضحكاً أبداً.
غابةُ الظلامِ كانت منطقةً تكثرُ فيها الوحوش، وسمعتُ أنَّ جيشَ “الأورك العظيم” قد ظهرَ في الأرضِ المقدسةِ الواقعةِ في الشمال.
وأنا سأذهبُ إلى هناك؟
ليس أنا فقط، بل حتى الآخرونَ نهضوا بـفزعٍ وقالوا:
“هذا خطر! أيها السيّد لويد، أرجوكَ أعدِ التفكير.”
حتى المعالجُ المتقدمُ في الزاويةِ صرخَ مذهولاً:
“هذهِ الفتاةُ مجردُ معالجةٍ متوسطة، ومهاراتُها ليست كافية! سـتكونُ عائقاً بلا شك. اتركها هنا.”
أوه، شكراً لكَ أيها المعالجُ المتقدم إذا أصبحتُ رئيستَكَ يوماً ما، سـأعذبُكَ قليلاً فقط.
“إذا كنتَ بحاجةٍ لـمعالج، فهناك كـهنةُ علاجٍ من مذهبِ تيرينا ومعالجونَ متقدمون.”
“أرجوكَ فكرْ مجدداً، المكانُ خطر.”
أحسنتم! رائع! استمروا في ذلك!
اجعلوهُ يتراجعُ عن قراره!
لكنَّ لويد قال بـملامحَ متصلبةٍ رداً على اعتراضِهم:
“هل تعارضونَ قراراً اتخذتُه؟”
سادَ الصمتُ فجأةً بـسببِ كلماتِ لويد الباردة.
كان لويد هو القوةَ الأساسيةَ هنا، وإذا غضبَ وعادَ إلى العاصمة، سـتدمرُ الوحوشُ مدينةَ دوركان.
نظرَ لويد إلى الحاضرينَ الصامتينَ وقال:
“أفهمُ أنَّ الجميعَ موافق، سـأنطلقُ الآن في الحملةِ مع معالجتي الخاصة. سـيكونُ قوامُ الحملةِ أنا والمعالجةُ الخاصة، شخصانِ فقط.”
ماذا؟ شخصان… شخصانِ فقط؟
لستُ تابعةً لـمجموعةٍ كبيرة، بل سـأذهبُ معهُ بـمفردنا؟
شعرتُ أنَّ هذا اللعينَ لن يتركني بـسهولة.
لا بدَّ أنهُ ينوي قتلي بنسبة 100%.
هل يريدُ قطعَ رأسي في مكانٍ لا يراهُ فيهِ أحد؟
لم أتمكنْ حتى من وداعِ ميكا، سـتنتهي حياتي في غابةِ الظلامِ المرعبة.
كانت نظراتُ الناسِ نحوي مليئةً بالشفقةِ بعدَ كلامِ لويد.
حتى أنَّ أحدَ الكهنةِ رسمَ علامةَ الصليبِ وصلى من أجلي وهو ينظرُ إليَّ.
❁*صفا: تخيلت😭😭❁
“استعدوا جميعاً، سـننطلقُ فوراً.”
فكري يا كاي! فكري! كنتُ أبحثُ عن أيِّ عذرٍ منطقيٍّ لـعدمِ الذهاب، فـقلتُ بـسرعة:
“آه… أعذرني أيها السيّد، فجأةً بدأت تؤلمني ساقاي.”
نهضَ لويد من مقعدِهِ وردَّ بـسرعة.
غطى ظلُّهُ الضخمُ جسدي بالكامل.
قال وهو يضعُ سيفَهُ العظيمَ خلفَ ظهره:
“إذا كانت ساقاكِ تؤلمانِك، سـأحملُكِ وأمضي.”
يطلبُ من الشريرة أن تُحملَ بينَ يدَي البطل؟
يا لهُ من مجنون.
أفضلُ المشيَ على قدميَّ.
هززتُ رأسي وقلت:
“أنا… أرفضُ العرض. رغمَ الألم، أعتقدُ أنني أستطيعُ المشي.”
نظرَ إليَّ الناسُ الخارجونَ من الخيمةِ بـنظراتِ شفقةٍ وعطف.
دعوتُ في سري: “يا عقلي، أغْمَِ عليّ أرجوكَ افقدِ الوعي.”
دعوتُ مراراً أن يضربني أحدٌ على مؤخرةِ رأسي لـأفقدَ الوعي، لكنَّ الوقتَ مضى ووجدتُ نفسي أمامَ البوابةِ المؤديةِ لـغابةِ الظلامِ من سورِ دوركان.
نظرتُ خلفي ورأيتُ الناسَ الذين جاؤوا لـوداعنا.
رأيتُ ميكا وهي تبكي.
آه أيتها المستجدة… أعتذرُ لـأنني ظننتُكِ عبئاً في البداية.
أنتِ الوحيدةُ التي تهتمُّ لأمري هنا.
بينما كنتُ أشعرُ بالزنِّ والحزنِ وأنا أنظرُ لـميكا، قال لويد بـبرود:
“اتبعيني.”
تبعتُ لويد إلى غابةِ الظلامِ بـجسدٍ يرتجف، وأنا أدعو أن يُغْمى عليَّ في أيِّ لحظة.
❁❁❁
لم تكن غابةُ الظلامِ مرعبةً كما تصورتُ وأنا أتبعُ لويد.
ربما لأننا لا نزالُ في البدايةِ حيثُ يسهلُ رؤيةُ سورِ دوركان؟
كان الطريقُ سهلاً كأنهُ ممرٌّ للتنزهِ في الجبال.
بدأ توتري يزولُ تدريجياً، وأصبحتُ أمشي بـخطواتٍ خفيفةٍ خلفَ لويد.
شعرَ لويد بـتغيرِ مشيتي، فقال بـبرودٍ وهو يسيرُ أمامي:
“لا تسترخي.”
“حاضر… .”
هذا الرجلُ لا يطيقني بـالتأكيد.
يوبخني لـمجردِ أنني مشيتُ بـخفةٍ قليلاً.
خفضتُ رأسي وتابعتُ المشيَ بـهدوء.
مضت ساعاتٌ ونحنُ نمشي خلفَ بعضنا دونَ أن ينطقَ لويد بـكلمةٍ واحدةٍ بعدَ تنبيهِهِ لي.
بدأت ساقاي تشعرانِ بالخدر.
نظرَ إليَّ لويد بـطرفِ عينِهِ ثم سأل:
“هل سمعتِ عن الأرضِ المقدسةِ في غابةِ الظلام؟”
بالطبع، مَن الذي لا يعرفُ الأرضَ المقدسة؟
“تقصدُ المكانَ الذي سقطت فيهِ ‘روا’؟”
سقوطُ روا.
كانت هذهِ أشهرَ قصةٍ في دروسِ اللاهوتِ التي تعلمتُها في المعبدِ لـأصبحَ كاهنة.
من بينِ الملائكةِ الكثرِ في السماء، كان هناكَ ملاكٌ هو الأكثرُ حُبّاً لدى الإلهِ “تيرينا”.
اسمُ ذلكَ الملاكِ هو “روا”.
ويُقالُ إنها كانت جميلةً جداً وتمتلكُ قوةً عظيمة.
لكنَّ تلكَ الملاكِ التي نالت كلَّ حبِّ الإله، كانت تملكُ مشكلةً واحدة.
وهي أنها أحبتِ البشر.
أحبتهم لدرجةِ أنها منحت قوتَها لهم.
والقوةُ التي منحتها روا في ذلكَ الوقتِ هي “المانا” و “السحر”.
لكنَّ قوةَ الملاكِ هي قوةُ الإله.
ومنحُ قوةِ الإلهِ لـكائناتٍ أخرى دونَ إذنٍ كان ذنباً عظيماً، وبسببِ ذلكَ نالت غضبَ الإلهِ تيرينا، فسقطت من السماءِ إلى الأرضِ المقدسةِ هنا في غابةِ الظلام.
ويُقالُ إنَّ الأرضَ المقدسةَ لا تزالُ تحتفظُ بـقوةٍ مقدسةٍ عظيمةٍ نبعت من الإلهِ تيرينا نتيجةَ الاصطدامِ الذي حدثَ عندَ سقوطِ روا.
على كلِّ حال، اعتمدت روا الساقطةُ من السماءِ على البشرِ الذين أعطتهم قوتَها، لكنَّ البشرَ الطماعينَ غدروا بها.
يئست روا وفتحت بوابةَ عالمِ الشياطينِ في الأرضِ المقدسةِ وأصبحت ملكةَ الشياطينِ وبدأت تقتلُ البشر، فغضبَ الإلهُ تيرينا وقامَ بـختمِ روا في هذا المكان.
المشكلةُ هي أنَّ بوابةَ عالمِ الشياطينِ لم تُغلقْ بـإحكام، وبسببِ التسربِ الذي يحدثُ من الفجوة، تظهرُ الوحوشُ من وقتٍ لآخر.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"