لكنهُ سرعانَ ما استعادَ هدوءَ ملامحِهِ ونظرَ إلى وجهي متسائلاً:
“هل تعرفينَ شيئاً عن عائلةِ روزيبلير؟”
كان سؤالاً مباشراً وصادماً.
هل يتوقعُ مني أن أجيبَ بـ: “نعم، أعرفُهم جيداً، في الواقعِ كان من المقررِ أن يتمَّ تبنيي في تلكَ العائلة، ولو حدثَ ذلكَ لربما أصبحتُ إيفيليانا روزيبلير التي تبحثُ عنها”؟
لستُ غبية.
استبعدتُ أحداثَ الروايةِ وأجبتُ بـقدرِ ما يفترضُ لـ “كاي” أن تعرفَه:
“هل تتحدثُ عن… عائلةِ الدوق؟”
“هل تعرفينَ عنها شيئاً؟”
“لا أدري، لكنني قرأتُ في الصحفِ قبلَ بضعةِ أشهرٍ خبراً عن حريقٍ كبيرٍ شبَّ في مبنى دوقيةِ روزيبلير.”
“فهمتُ.”
سادَ الصمتُ مجدداً.
“انتهى الأمرُ.”
بسببِ التوترِ استغرقَ العلاجُ وقتاً أطولَ من المعتاد، لكنَّ مهارتي لم تتغير.
اليدُ الكبيرةُ التي كانت تنزفُ بغزارةٍ عولجت تماماً ولم يعدْ يظهرُ عليها أيُّ خدش.
ليس هذا فحسب، بل إنَّ الجروحَ القديمةَ الصغيرةَ والكبيرةَ اختفت تماماً وأصبحت يدُهُ ناصعة.
وبمجردِ أن أنهيتُ كلامي، حدقَ لويد بـإمعانٍ في يدِهِ المعافاة.
“إذن… سأعودُ لـمواصلةِ عملي.”
انحنيتُ لـتوديعه، فـفتحَ فمَهُ قائلاً:
“سآتي مجدداً.”
ماذا؟ سيأتي مجدداً؟
نهضَ بـسرعةٍ وغادرَ الخيمة.
سـ… سـيأتي مجدداً؟
صرختُ من اليأسِ في داخلي: “لا، لا تأتِ! قلتُ لكَ لا تأتِ!”
❁❁❁
بعدَ تلقي العلاجِ من كاي، عادَ لويد إلى سكنِهِ وجلسَ على طرفِ السريرِ يتأملُ يدَهُ التي عالجتها لـفترةٍ طويلة.
كان لويد يعلمُ جيداً أنهُ لا يمكنُهُ مهاجمةُ عائلةِ روزيبلير، إحدى العائلاتِ الثلاثِ الكبرى، بـشكلٍ مفاجئ.
بينما كان يحاولُ السيطرةَ على يدِهِ التي ترتجفُ غضباً، تركَ الزوجانِ الدوقيانِ الطفلَ الذي بالكادِ يتنفسُ وغادرا القبوَ مع أتباعِهما، مع أوامرَ باردةٍ بـجلبِ أطفالٍ أقوياءَ في المرةِ القادمة.
بقيَ الطفلُ الوحيدُ الناجي يلهثُ وحدهُ وهو يموتُ بـبطءٍ على أرضيةِ القبوِ الباردة.
“إيفليانا ليست هنا يا لويد. علينا الرحيلُ الآن.”
قال دابين لـلويد بعدَ أن فتشَ القبوَ بالكامل.
كان عليهما العودةُ دونَ تركِ أثر.
لكنَّ لويد لم يستطعِ الرحيلَ وتركَ الطفلِ المحتضر.
وهكذا، عادَ لويد ودابين إلى دوقيتِهما وهما يحملانِ الجانبَ القبيحَ لـعائلةِ روزيبلير، دونَ العثورِ على أيِّ أثرٍ لـإيفليانا.
و…
“كاااهه! لقد أخطأتُ. أنقذوني، أرجوكم… .”
الطفلُ الذي كان يصرخُ من ألمِ المانا المحقونةِ قسراً وضياعِ طاقتِهِ الحيوية، والصدمةِ النفسيةِ التي تلقاها، فارقَ الحياةَ بعدَ يومينِ رغمَ محاولاتِ علاجِهِ بـالسحرِ والجرعاتِ المكثفة.
منذُ ذلكَ الحين، لم يستطع لويد التركيزَ في عمله.
هل أصبحت إيفليانا روزيبلير شريرة بسبب تلك البيئة التي نشأت بها..؟
ربما جاءت إلى الدوقيةِ دونَ أن تعرفَ شيئاً، وحُقِنت بـالمانا قسراً، وقتلت أطفالاً آخرينَ لـتبقى على قيدِ الحياةِ حتى تحولت في النهايةِ إلى وحش.
هل لهذا السببِ تداخلت في ذهنِهِ صورةُ عيني الطفلِ الذي كان يتوسلُ لـإنقاذِهِ وهو يمسكُ بـيدِ لويد، مع صورةِ عينيها وهي تتوسلُ لـيرحمَها بينَ يديه؟
لذلكَ تركَها تعيش.
عندما رآها ترتجفُ وتتوسلُ لـرحمتِها، رقَّ قلبُه.
“لا يجبُ أن يحدثَ هذا… .”
“عليَّ أن أنتقمَ بـالدماء.”
لكنَّ قلبَهُ المترددَ قال مجدداً: ربما تكونُ هذهِ مجردَ تمثيليةٍ تؤديها امرأةٌ شريرةٌ لـتخدعَ الجميع، لذلكَ استمرَّ في مراقبتِها.
ومع ذلك، فإنَّ صورتَها وهي تؤدي عملَها بـصمتٍ كانت مختلفةً تماماً عن صورةِ إيفليانا التي يتذكرُها من حياتِهِ السابقة.
إيفليانا التي كانت تضربُ الفرسانَ العائدينَ من التدريبِ لـأنَّ رائحةَ عرقِهم تزعجُها، كانت الآنَ تعالجُ الفرسانَ المحتضرينَ وتتحملُ رائحةَ الدماءِ والقيح.
وإيفليانا التي كانت تحتقرُ الخادماتِ اللاتي يغسلنَ الثيابَ وتراها أعمالاً قذرة، كانت الآنَ تغسلُ الأغطيةَ الملطخةَ بالدماءِ وتجففُها تحتَ الشمس.
إيفليانا التي كانت تقطعُ رؤوسَ العذارى لـتستحمَّ بـدمائهنَّ من أجلِ استدعاءِ ملكِ الشياطينِ قد اختفت، ولم يبقَ هناكَ سوى امرأةٍ تُدعى كاي تُعالج المصابين.
“هل يعقلُ أنها ليست إيفيليانا حقاً؟”
وقعَ صراعٌ في قلبِ لويد.
بينَ فكرةِ أنها مجردُ تمثيليةٍ ويجبُ قتلُها في أسرعِ وقت، وبينَ فكرةِ مراقبتِها لـفترةٍ أطول.
ظلت يدُ كاي الصغيرةُ والدافئةُ التي كانت تعالجُهُ عالقةً في ذهنه.
مالَ قلبُ لويد نحو الخيارِ الثاني.
“سأتحققُ لـمرةٍ أخيرة.”
إيفليانا التي جُنَّت بـسببِ القتلِ وأشعلتِ الحروبَ وقتلت الناس، ربما تظهرُ حقيقتُها إذا رأت مشهدَ قتلٍ مجدداً.
التعليقات لهذا الفصل " 14"