الفصل 124
فَضَاءٌ وَاسِعٌ يَمْتَدُّ فِيهِ بَيَاضٌ نَاصِعٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
فِي زَمَنٍ مَضَى، كَانَ ذَلِكَ المَكَانُ يَعُجُّ بِالآلِهَةِ.
لَكِنَّ أُولَئِكَ الآلِهَةَ تَجَادَلُوا وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اخْتَفَوْا، ثُمَّ حَلَّ مَكَانَهُمْ زِحَامٌ مِنَ المَخْلُوقَاتِ.
وَالآنَ، حَتَّى المَلَائِكَةُ اخْتَفَوْا، وَأَصْبَحَ ذَلِكَ الفَضَاءُ خَالِيًا تَمَامًا.
لَمْ يَبْقَ فِيهِ سِوَى فَرْدٍ وَاحِدٍ.
الإِلَهُ تِيرِينَا الَّذِي يَجْلِسُ وَحِيدًا.
جَالَ بِنَظَرِهِ فِي الفَضَاءِ الفَارِغِ، ثُمَّ تَمْتَمَ بِنَبْرَةٍ مِلْؤُهَا العَبَثُ:
“لَقَدِ اخْتَفَى الجَمِيعُ.”
الآنَ، أَصْبَحَ وَحِيدًا تَمَامًا.
لَمْ تَعُدْ تُرَاوِدُهُ الرَّغْبَةُ فِي تَنْفِيذِ المَهَمَّةِ الَّتِي أَوْكَلَهَا إِلَيْهِ إِلَهُ الخَلْقِ، وَلَا حَتَّى الإِرَادَةُ فِي البَحْثِ عَنْ رُوآ.
أَصْبَحَ كُلُّ شَيْءٍ بَالِيًا فِي عَيْنَيِ الإِلَهِ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ.
وَبَدَأَتْ طَاقَةٌ سَوْدَاءُ تَنْتَشِرُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ أَطْرَافِ ذَلِكَ الفَضَاءِ الأَبْيَضِ.
“عَلَيَّ أَنَا أَيْضًا… أَنْ أَخْتَفِيَ.”
وَمَعَ نِهَايَةِ كَلِمَاتِ الإِلَهِ، اصْطَبَغَ الفَضَاءُ الأَبْيَضُ بِالسَّوَادِ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي هَجَمَتْ فِيهَا الطَّاقَةُ السَّوْدَاءُ الَّتِي ابْتَلَعَتْ كُلَّ السَّمَاوَاتِ لِتَنْهَشَ جَسَدَ الإِلَهِ، حَدَثَ أَمْرٌ مَا.
“تِيرِينَا.”
فَجْأَةً، تَرَدَّدَ صَوْتٌ مُشْتَاقٌ فِي أُذُنِهِ.
‘كَلَّا. هَذَا مُسْتَحِيلٌ’.
لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مَنْطِقِيًّا. أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَ رُوآ بَيْنَمَا يَنْهَارُ العَالَمُ وَتَمُوتُ المَجَرَّاتُ.
هَزَّ رَأْسَهُ نَافِيًا.
ظَنَّ أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ تَعَلُّقٍ بَائِسٍ.
‘لِنَخْتَفِ هَكَذَا’.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَ الإِلَهُ يَتَّجِهُ فِيهَا نَحْوَ المَوْتِ، سَمِعَ الصَّوْتَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ:
“تِيرِينَا.”
لَمْ يَكُنْ وَهْمًا.
كَانَ الصَّوْتُ حَقِيقِيًّا بِلَا شَكٍّ.
عِنْدَمَا اسْتَعَادَ الإِلَهُ وَعْيَهُ، تَرَاجَعَتِ الطَّاقَاتُ السَّوْدَاءُ الَّتِي كَانَتْ تَقْتَرِبُ مِنْهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمِنْ بَيْنِ الرُّؤْيَةِ المُشَوَّشَةِ، وَقَفَتْ هَيْئَةٌ مَأْلُوفَةٌ أَمَامَ عَيْنَيْهِ.
شَعْرٌ أَبْيَضُ مُمَوَّجٌ، وَعَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ.
وَجْهُ الحَبِيبَةِ الَّتِي اشْتَاقَ إِلَيْهَا.
رُوآ، الَّتِي كَانَ يَجِبُ أَنْ تَفْنَى مَعَ العَالَمِ فِي مَوْطِنِ البَشَرِ، كَانَتْ تَقِفُ أَمَامَهُ.
“… رُوآ؟”
عِنْدَ سُؤَالِ الإِلَهِ، هَزَّتْ رَأْسَهَا بِلُطْفٍ.
“كَلَّا، يَا تِيرِينَا. انْظُرْ إِلَيَّ جَيِّدًا مَرَّةً أُخْرَى.”
وَمَعَ جَوَابِ المَرْأَةِ، بَدَأَ جَسَدُ الإِلَهِ يَرْتَجِفُ.
هَزَّ رَأْسَهُ بِوَجْهٍ لَا يُصَدِّقُ مَا يَرَى.
هَذَا مُسْتَحِيلٌ.
لَقَدْ مَاتَتْ يَقِينًا.
لَكِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي تَقِفُ أَمَامَهُ لَمْ تَكُنْ رُوآ الَّتِي وُجِدَتْ تَقْلِيدًا لَهَا.
الِابْتِسَامَةُ، وَالحَرَكَاتُ، وَحَتَّى الهَالَةُ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنْهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً.
‘إِنَّهَا هِيَ’.
انْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيِ الإِلَهِ.
“إِيرينِي.”
رَكَضَ نَحْوَهَا مُسْرِعًا وَاحْتَضَنَهَا وَهُوَ يُنَادِي اسْمَهَا.
وَانْبَعَثَتْ مِنْ شَعْرِهَا الأَبْيَضِ الَّذِي لَمَسَتْهُ يَدَاهُ تِلْكَ الرَّائِحَةُ الَّتِي اشْتَاقَ إِلَيْهَا بِشِدَّةٍ.
المَرْأَةُ الَّتِي أَحَبَّهَا الإِلَهُ لِلْمَرَّةِ الأُولَى وَالأَخِيرَةِ طَوَالَ حَيَاتِهِ الطَّوِيلَةِ كَانَتْ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ.
“لَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ.”
مَسَحَتِ المَرْأَةُ عَلَى وَجْهِ الإِلَهِ.
تَمَامًا كَمَا فَعَلَتْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ القَدِيمِ.
“هَلْ هَذَا حُلْمٌ؟”
لَقَدْ مَاتَتْ بِالتَّأْكِيدِ.
أَلَمْ يَعْجَزْ عَنِ العُثُورِ حَتَّى عَلَى شَظِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ رُوحِهَا؟
عِنْدَمَا كَانَ تِيرِينَا يَتَلَوَّى مِنْ أَلَمِ فُقْدَانِ حَبِيبَتِهِ، كَانَ بَعْضُ الآلِهَةِ يَقُولُونَ إِنَّهَا مَفْقُودَةٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّهَا ذَهَبَتْ لِلتَّسْلِيَةِ فِي بُعْدٍ آخَرَ.
وَبَعْضُهُمْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَ الخَلْقِ هُوَ مَنْ مَحَاهَا.
لَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ.
المَرْأَةُ الَّتِي أَمَامَهُ لَمْ تَخْتَفِ، بَلْ مَاتَتْ.
مِنْ سُقُوطِهَا عَنْ جُرُفِ الآلِهَةِ حَتَّى لَحْظَتِهَا الأَخِيرَةِ وَهِيَ تَحْتَرِقُ، كَانَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ.
كَانَ يَعْلَمُ حَتَّى أَنَّ مَخْلُوقَتَهُ (مِيكَائِيلَ) هِيَ مَنْ تَمَلَّكَهَا الحَسَدُ فَقَتَلَتِ المَرْأَةَ.
وَلِهَذَا السَّبَبِ، لَمْ يَكُنْ يَعِيشُ طَوَالَ تِلْكَ السِّنِينَ إِلَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ المَوْتَ.
فَالنِّسْيَانُ لَا وُجُودَ لَهُ عِنْدَ الإِلَهِ.
تَسَاقَطَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيِ الإِلَهِ بِلَا تَوَقُّفٍ.
فِي اليَوْمِ الَّذِي عَرَفَ فِيهِ الحَقِيقَةَ، كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْبَارُ الآلِهَةِ بِجَرِيمَةِ “مِيكَائِيلَ”.
وَبِذَلِكَ كَانَ سَيُعَاقِبُهَا وَيَمْحُوهَا لِتَدْفَعَ ثَمَنَ قَتْلِهَا لِـإِيرينِي.
لَكِنَّهُ لَمْ يَقْوَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ.
فَـمِيكَائِيلُ… كَانَتْ أَوَّلَ مَخْلُوقٍ صَنَعَهُ، وَأَوَّلَ مَنْ مَنَحَهُ قَلْبَهُ.
مِنْ بَيْنِ مَخْلُوقَاتِهِ الكَثِيرَةِ، كَانَتْ هِيَ الصَّدِيقَةَ وَالِابْنَةَ الوَحِيدَةَ.
لَمْ يَسْتَطِعْ مَحْوَ مِيكَائِيلَ بِيَدَيْهِ.
لَكِنَّهُ، فِي المُقَابِلِ، لَمْ يَسْتَطِعِ احْتِضَانَهَا بِقَلْبٍ صَافٍ.
كُلَّمَا تَذَكَّرَ تِيرِينَا مِيكَائِيلَ، كَانَتْ تَطْفُو فِي مُخَيَّلَتِهِ صُورَةُ إِيرينِي الَّتِي مَاتَتْ عَلَى يَدَيْهَا.
عَذَّبَتِ المَشَاعِرُ المُتَنَاقِضَةُ الإِلَهَ.
لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى الحِفَاظِ عَلَى عَقْلِهِ.
وَلِهَذَا، حَتَّى عِنْدَمَا حَدَثَ ذَلِكَ المَوْقِفُ المُرْعِبُ حَيْثُ كَانَ الآلِهَةُ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَانَ يَتَجَاهَلُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَنْهَارُ وَحْدَهُ مِنْ دَاخِلِهِ.
“تِيرِينَا…أَنَا آسِفٌ. أَنَا آسِفٌ.”
انْهَارَ الإِلَهُ بَيْنَ أَحْضَانِ المَرْأَةِ.
جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظَلَّ يُكَرِّرُ الكَلِمَاتِ نَفْسَهَا.
مَسَحَتْ إِيرينِي عَلَى شَعْرِ الإِلَهِ الَّذِي انْحَنَى أَمَامَهَا.
“لَقَدْ مَضَى مَا مَضَى. وَالآنَ لَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهُ…”
عِنْدَ كَلِمَةِ المَرْأَةِ الأَخِيرَةِ، شَعَرَ الإِلَهُ بِأَلَمٍ يَعْتَصِرُ صَدْرَهُ.
لَقَدْ كَانَ كَلَامُهَا صَحِيحًا. الآنَ أَصْبَحَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ المَاضِي.
لَقَدْ فَقَدَ الإِلَهُ حَبِيبَتَهُ وَصَدِيقَتَهُ وَكُلَّ شَيْءٍ كَثَمَنٍ لِخِيَارَاتِهِ الحَمْقَاءِ.
دَفَنَ وَجْهَهُ فِي ثِيَابِهَا وَهَزَّ رَأْسَهُ.
أَرَادَ النُّكُورَ.
أَرَادَ البَقَاءَ مَعَهَا إِلَى الأَبَدِ هَكَذَا.
لَكِنَّ الوَاقِعَ كَانَ قَاسِيًا.
فَهِيَ الَّتِي أَمَامَهُ بَدَأَتْ تَتَلَاشَى تَدْرِيجِيًّا.
لَاحَظَتِ المَرْأَةُ أَنَّ جَسَدَهَا بَدَأَ يَبْهَتُ، فَقَالَتْ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ:
“تِيرِينَا، هَلْ تَعْلَمُ لِمَاذَا مَنَحَنِي إِلَهُ الخَلْقِ مَكَانَةَ إِلَهَةٍ دُنْيَا؟”
هَزَّ رَأْسَهُ نَافِيًا عِنْدَ سُؤَالِهَا المُفَاجِئِ.
لَمْ يَكُنْ أَمْرًا فَكَّرَ فِيهِ بِعُمْقٍ مِنْ قَبْلُ، لَكِنَّهُ كَانَ غَرِيبًا بِلَا شَكٍّ.
وُلِدَتِ المَرْأَةُ بَيْنَ إِلَهَيْنِ مِنْ ذَوِي المَرْتَبَةِ العُلْيَا، يَمْلِكَانِ أَقْوَى طَاقَةٍ إِلَهِيَّةٍ بَعْدَ إِلَهِ الخَلْقِ.
كَانَ مِنَ المَفْرُوضِ أَنْ تَرِثَ طَاقَتَهُمَا.
بَلْ حَتَّى بِحُكْمِ المَرْتَبَةِ، كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ إِلَهَةً عُلْيَا.
لَكِنَّهَا وُلِدَتْ بِقُوَّةٍ ضَئِيلَةٍ جِدًّا، وَمَنَحَهَا إِلَهُ الخَلْقِ مَكَانَةَ الإِلَهَةِ الدُّنْيَا.
“وَالِدَايَ كَانَا إِلَهَيْنِ طَمَّاعَيْنِ جِدًّا. كَانَا يَطْمَحَانِ لَيْسَ فَقَطْ لِمَنْصِبِ إِلَهِ الخَلْقِ، بَلْ وَإِلَى الأَبْعَادِ الأُخْرَى أَيْضًا.”
كَانَ الكَلَامُ التَّالِي صَادِمًا.
لَقَدْ كَانَتْ تَعْلَمُ بِنَوَايَا وَالِدَيْهَا الخَبِيثَةِ مُنْذُ أَنْ كَانَتْ فِي الرَّحِمِ.
وَحَتَّى خُطَّتَهُمَا لِاسْتِخْدَامِ قُوَّةِ طِفْلَتِهِمَا القَادِمَةِ لِتَنْفِيذِ مَطَامِعِهِمَا.
لَكِنَّهَا كَانَتْ إِلَهَةً تَرْعَى السَّلَامَ.
وَأَدْرَكَتْ بِفِطْرَتِهَا أَنَّ عَلَيْهَا إِخْفاءَ قُوَّتِهَا مِنْ أَجْلِ سَلَامِ السَّمَاوَاتِ.
لِذَلِكَ، فِي يَوْمِ وِلَادَتِهَا، طَلَبَتْ مِنْ إِلَهِ الخَلْقِ الَّذِي جَاءَ لِيُبَارِكَ مَوْلِدَهَا أَنْ يَخْتِمَ قُوَّتَهَا وَيَمْنَحَهَا مَرْتَبَةَ الإِلَهَةِ الدُّنْيَا.
اتَّسَعَتْ عَيْنَا تِيرِينَا عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ غَيْرِ المُتَوَقَّعَةِ.
“فِي ذَلِكَ اليَوْمِ أَيْضًا، كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّ مِيكَائِيلَ لَنْ تُنْقِذَنِي أَبَدًا مِنَ الجُرُفِ. لِذَلِكَ، فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، جَعَلْتُ قُوَّتِي المَخْتُومَةَ تَنْسَالُ مَعَ دُمُوعِي.”
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَرْوِي قِصَصَ المَاضِي، كَانَ شَكْلُ المَرْأَةِ يُصْبِحُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ.
لَقَدْ أَصْبَحَتْ الآنَ شَبَهَ شَفَّافَةٍ بَالِكادِ تُرَى.
“قُوَّتِي بَقِيَتْ نَائِمَةً فِي قَاعِ ذَلِكَ الجَحِيمِ لِفَتْرَةٍ. حَتَّى ذَلِكَ الحِينِ. ثُمَّ فِي يَوْمٍ مَا، أَيْقَظَتْنِي كَاي. سَتَعْلَمُ كَمْ كَانَتْ هَذِهِ الصُّدْفَةُ عَظِيمَةً يَا تِيرِينَا. نَعَمْ، هَذَا صَحِيحٌ. تِلْكَ الأَدَاةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى رَأْسِهَا. لَقَدْ كَانَتْ هِيَ القُوَّةُ الَّتِي خَتَمْتُهَا أَنَا وَإِلَهُ الخَلْقِ.”
وَبَعْدَ أَنْ أَنْهَتْ إِيرينِي كَلَامَهَا، مَدَّتْ يَدَهَا.
وَفِي تِلْكَ اليَدِ البَيْضَاءِ، كَانَ جَوْهَرُ الأَدَاةِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ جَبِينَ كَاي.
“الآنَ سَأَمْنَحُكَ قُوَّتِي. هَذِهِ قُوَّةٌ لَا يَجِبُ عَلَى البَشَرِ امْتِلَاكُهَا أَبَدًا. اسْتَخْدِمْهَا لإِعَادَةِ بِنَاءِ العَالَمِ.”
وَمَعَ نِهَايَةِ كَلِمَاتِهَا، ابْتَسَمَتْ إِيرينِي بِإِشْرَاقٍ.
وَكَأَنَّهَا كَانَتْ تَتَوَقَّعُ نِهَايَتَهَا.
هَزَّ الإِلَهُ رَأْسَهُ بِقُوَّةٍ.
“لَا أَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَكُونِي بِجَانِبِي. أَنَا، لَمْ أَعُدْ أَحْتَمِلُ…”
لَقَدْ فَقَدَ كُلَّ ثِقَتِهِ بَعْدَ مَوْتِ مَخْلُوقَتِهِ الَّتِي أَحَبَّهَا كَثِيرًا.
عِنْدَ سَمَاعِ كَلِمَاتِ تِيرِينَا الضَّعِيفَةِ، بَدَا الحُزْنُ عَلَى وَجْهِ إِيرينِي وَمَسَحَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ.
” طَالَمَا أَنَّ هَذِهِ القُوَّةَ مَوْجُودَةٌ دَاخِلَكَ، فَأَنَا مَعَكَ دَائِمًا.”
احْتَضَنَتْهُ.
ثُمَّ تَلَاشَتْ تَدْرِيجِيًّا.
“تِلْكَ الهَدِيَّةُ الَّتِي لَمْ أَسْتَطِعْ مَنْحَكَ إِيَّاهَا حِينَهَا، سَأُعْطِيكَ إِيَّاهَا الآنَ.”
بَعْدَ رَحِيلِ إِيرينِي، كَانَ هُنَاكَ طَائِرٌ أَبْيَضُ صَغِيرٌ يَقْبَعُ فَوْقَ كَتِفِ الإِلَهِ.
❁❁❁
فَتَحَ لويِدُ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَمْسَحُهُمَا بَعْدَ أَنْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُشَوَّشَةً.
الأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ تَهْتَزُّ بِاضْطِرَابٍ حَتَّى لَحْظَةِ فُقْدَانِهِ لِلْوَعْيِ، أَصْبَحَتِ الآنَ هَادِئَةً وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ.
وَالسَّمَاءُ السَّوْدَاءُ الَّتِي كَانَتْ تُرَى مِنْ نَافِذَةِ القَاعَةِ، صَفَتْ تَمَامًا وَأَصْبَحَتْ بِلَوْنِ السَّمَاءِ النَّقِيِّ.
صَرخَاتُ النَّاسِ الَّتِي كَانَتْ تَتَرَدَّدُ فِي أُذُنِهِ لَمْ تَعُدْ تُسْمَعُ.
كُرْك.
حَاوَلَ النُّهُوضَ بِجَسَدِهِ الثَّقِيلِ قَسْرًا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ بِأَلَمٍ ضَاغِطٍ فِي جِهَةِ القَلْبِ.
قَطَّبَ حَاجِبَيْهِ وَنَظَرَ حَوْلَهُ، فَوَجَدَ دَابيينَ مُلْقَاةً بِجَانِبِهِ.
“دَابيينُ، اسْتَيْقِظِي”.
هَزَّ لويِدُ كَتِفَ دَافِيينَ.
حِينَهَا قَطَّبَتْ حَاجِبَيْهَا وَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا قَلِيلًا.
“… لويِدُ؟”
نَادَتِ اسْمَهُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ نَعِسٍ، ثُمَّ فَرَكَتْ عَيْنَيْهَا بِقُوَّةٍ.
“أَنَا، لَقَدْ رَأَيْتُ حُلْمًا غَرِيبًا فِيهِ إِلَهٌ”.
عِنْدَ كَلَامِهَا، قَطَّبَ لويِدُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَأَجَابَ:
“وَأَنَا أَيْضًا”.
نَهَضَتْ دَابيينُ بِسُرْعَةٍ.
ثُمَّ انْحَنَتْ بِجَسَدِهَا مَرَّةً أُخْرَى.
“كِيك!”
لَقَدْ شَعَرَتْ هِيَ الآخَرَى بِأَلَمٍ شَدِيدٍ قُرْبَ قَلْبِهَا.
“مَا هَذَا، مَا هَذَا الأَلَمُ؟”
رُغْمَ كُلِّ التَّدْرِيبَاتِ وَالمَعَارِكِ الَّتِي خَاضَتْهَا، لَمْ تَشْعُرْ بِمِثْلِ هَذَا الأَلَمِ مِنْ قَبْلُ.
هَذَا الأَلَمُ يُشْبِهُ تَمَامًا… ذَلِكَ الأَلَمَ عِنْدَمَا انْتَزَعَتْ إِيفِيلِيَانَا القَلْبَ.
تَحَسَّسَتْ دَابيينُ الَّتِي كَانَتْ تُقَطِّبُ حَاجِبَيْهَا جِهَةَ صَدْرِهَا الَّذِي لَا يَزَالُ يُؤْلِمُهَا.
ثُمَّ نَظَرَتْ حَوْلَهَا وَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهَا.
“كَاي!”
حَوَّلَ لويِدُ نَظَرَهُ إِلَى حَيْثُ تَنْظُرُ دَابيينُ.
كَانَتْ كَاي مُلْقَاةً فِي مُنْتَصَفِ الدَّائِرَةِ السِّحْرِيَّةِ.
نَهَضَ لويِدُ وَرَكَضَ نَحْوَ كَاي بِذُعْرٍ.
حَمَلَ لويِدُ جَسَدَ كَاي الهَامِدَ، وَارْتَجَفَ صَوْتُهُ قَلِيلًا:
“اسْتَيْقِظِي. لَا يَجِبُ، لَا يَجِبُ أَنْ تَرْحَلِي هَكَذَا”.
لَمْ يُسْمَعْ صَوْتُ أَنْفَاسٍ، ذَلِكَ الصَّوْتُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ كُلِّ كَائِنٍ حَيٍّ.
“دَابيينُ، كَاي لَا تَتَنَفَّسُ…”
تَبِعَتْهُ دَابيينُ مُسْرِعَةً وَهِيَ تَلْهَثُ، نَظَرَتْ إِلَى عَيْنَيِ لويِدَ التَّائِهَتَيْنِ، ثُمَّ أَمْسَكَتْ بِسُرْعَةٍ مِعْصَمَ كَاي.
تَشَوَّهَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهَا بِشَكْلٍ فظِيعٍ.
“هَذَا حَقِيقِيٌّ… النَّبْضُ لَا يَعْمَلُ”.
التعليقات لهذا الفصل " 124"