الفصل 118
عِنْدَمَا اخْتَفَى الضَّوْءُ، كَانَتْ دَابِيِينُ قَدْ وَصَلَتْ بِالفِعْلِ إِلَى جَانِبِي، وَهِيَ تَحْمِلُ الإِمْبِرَاطُورَةَ المُلَطَّخَةَ بِالدِّمَاءِ.
“كُوه!”
بَدَا أَنَّ الإِصَابَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ النَّاتِجَةَ عَنِ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ كَانَتْ كَبِيرَةً، حَيْثُ اسْتَمَرَّتِ الدِّمَاءُ القَاتِمَةُ بِالتَّدَفُّقِ مِنْ فَمِ الإِمْبِرَاطُورَةِ.
“آهَاهَاهَا، لَقَدْ نَجَحْتُ. أَخِيرًا تَحَطَّمَتْ كُلُّ حَوَاجِزِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ”.
دَوَّتْ ضِحْكَةُ مِيكَا بِقُوَّةٍ فِي المَكَانِ.
“عَمَّتِي… هَلْ تَأَخَّرْنَا كَثِيرًا؟”
نَظَرَتْ إِلَيَّ دَابِيِينُ بِعَيْنَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ.
فَتَحَتِ الإِمْبِرَاطُورَةُ عَيْنَيْهَا بِصُعُوبَةٍ عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ دَابِيِينَ وَحَرَّكَتْ شَفَتَيْهَا، لَكِنْ لَمْ يُسْمَعْ لَهَا صَوْتٌ.
فَقَدْ كَانَ يُسْمَعُ فَقَطْ صَوْتُ أَنْفَاسِهَا الثَّقِيلَةِ.
نَظَرَتْ إِلَى دَابِيِينَ وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِخِفَّةٍ.
“اهْدَئِي. سَأُحَاوِلُ عِلَاجَهَا”.
كَانَ قَلْبِي يَتَسَارَعُ.
لَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُ الإِمْبِرَاطُورَةِ شَاحِبًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ.
أَسْرَعْتُ بِتَفْعِيلِ سِحْرِ الشِّفَاءِ.
“شِفَاءٌ!”
وَمَضَ الضَّوْءُ مِنَ العَصَا السِّحْرِيَّةِ مَعَ كَلِمَةِ التَّفْعِيلِ.
“أُ… أُمِّي؟ سَيِّدَةُ مِيكَائِيلُ، لِمَاذَا؟”
سُمِعَ صَوْتُ لِيو المَذْهُولِ بِوُضُوحٍ.
عِنْدَمَا رَفَعْتُ رَأْسِي، رَأَيْتُ مِيكَا تَنْظُرُ إِلَى لِيو المُرْتَبِكِ وَتَبْتَسِمُ لَهُ.
“هَذِهِ كَانَتْ خُطَّتِي. أَيُّهَا البَشَرِيُّ الطَّيِّبُ”.
عِنْدَمَا أَجَابَتْ وَهِيَ تَضْحَكُ بِخُفْيَةٍ، ارْتَجَفَ جَسَدُ لِيو بِشِدَّةٍ.
“هَلْ… هَلْ خَدَعْتِنِي؟”
يَبْدُو أَنَّ ذَلِكَ الأَحْمَقَ صَدَّقَ مِيكَا حَقًّا..
كَانَ وَجْهُ لِيو مَمْلُوءًا بِالارْتِبَاكِ بَعْدَ أَنْ تَعَرَّضَ لِلْخِيَانَةِ، وَاهْتَزَّ بُؤْبُؤُ عَيْنَيْهِ بِعُنْفٍ.
“مَتَى، مُنْذُ مَتَى حَدَثَ ذَلِكَ؟”
لَكِنَّ مِيكَا لَمْ تُجِبْ عَلَى كَلَامِهِ، بَلِ اكْتَفَتْ بِالضَّحِكِ.
ارْتَجَفَ لِيو غَضَبًا مِنْ مَوْقِفِهَا الَّذِي يَتَجَاهَلُهُ تَمَامًا.
وَبَدَأَتْ طَاقَةٌ بَيْضَاءُ تَتَمَوَّجُ حَوْلَ قَبْضَتِهِ المَشْدُودَةِ.
لَوَّحَ بِقَبْضَتِهِ نَحْوَ مِيكَا الَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ تَبْتَسِمُ.
كْوَاانْغ!
انْتَشَرَ الغُبَارُ مَعَ صَوْتِ انْفِجَارٍ، وَلَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ أَيِّ شَيْءٍ بِسَبَبِ الضَّبَابِ.
سُرْعَانَ مَا اخْتَفَى الغُبَارُ الكَثِيفُ.
وَفِي المَكَانِ الَّذِي زَالَ عَنْهُ الغُبَارُ، كَانَ هُنَاكَ فَقَطْ لِيو الَّذِي غَرَزَ قَبْضَتَهُ فِي أَرْضِيَّةِ القَاعَةِ المَحْفُورَةِ.
لَمْ تَكُنْ مِيكَا مَوْجُودَةً فِي أَيِّ مَكَانٍ حَوْلَهُ.
بَيْنَمَا كَانَ لِيو يَلْتَفِتُ حَوْلَهُ بَحْثًا عَنْ مِيكَا، ظَهَرَتْ هِيَ خَلْفَهُ بِهُدُوءٍ.
“كَيْفَ تَجْرُؤُ عَلَى تَوْجِيهِ لَكْمَةٍ إِلَيَّ. حَسَنًا، بِمَا أَنَّنِي مَدِينَةٌ لَكَ بِفَضْلِ مَا فَعَلْتَهُ، سَأُسَامِحُكَ لِهَذِهِ المَرَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَأَنَا أَشْعُرُ بِالظُّلْمِ. تَقُولُ إِنَّنِي خَدَعْتُكَ؟ أَنَا دَائِمًا أَقُولُ الحَقِيقَةَ فَقَطْ”.
اشْتَدَّ غَضَبُ لِيو عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، فَالْتَفَتَ مَرَّةً أُخْرَى وَحَاوَلَ لَكْمَ مِيكَا.
لَكِنَّ مِيكَا تَفَادَتِ اللَّكْمَةَ بِخِفَّةٍ.
رُغْمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ بِلَا جَدْوَى، إِلَّا أَنَّ لِيو اسْتَمَرَّ فِي تَوْجِيهِ اللَّكَمَاتِ وَهُوَ يَلْهَثُ، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى.
كَانَتْ هِيَ تَتَفَادَاهُ يَمِينًا وَيَسَارًا.
“حَسَنًا، عِنْدَمَا أُفَكِّرُ فِي الأَمْرِ، هُنَاكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ أَقُلْهَا لَكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ… حَالَةُ إِيفِيلِيَانَا”
تَوَقَّفَ لِيو عَنِ الهُجُومِ فِي لَحْظَةٍ عِنْدَمَا ذُكِرَ اسْمُ إِيفِيلِيَانَا.
وَنَظَرَ إِلَى مِيكَا بِوَجْهٍ مَذْهُولٍ.
“مَا… مَاذَا تَعْنِينَ بِذَلِكَ؟ هَلْ تَقْصِدِينَ أَنَّ إِيفِيلِيَانَا قَدْ مَاتَتْ؟”
أَجَابَتْ مِيكَا بِنَبْرَةٍ تَتَسَاءَلُ عَمَّا يَقُولُهُ:
“أَنْتَ غَبِيٌّ حَقًّا. لَقَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّهَا حَيَّةٌ. آه، بِالطَّبْعِ هِيَ تَعِيشُ حَيَاةً أَسْوَأَ مِنَ المَوْتِ”.
بَيْنَمَا كَانَ لِيو يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ لَا يَفْهَمُ مَا تَقُولُ، تَابَعَتْ مِيكَا:
“إِيفِيلِيَانَا الآنَ مَحْبُوسَةٌ فِي عِقَابٍ إِلَهِيٍّ. العِقَابُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهَا هُوَ أَنْ تَعِيشَ آلَامَ مَوْتِ ضَحَايَاهَا الَّذِينَ قَتَلَتْهُمْ مِنْ خِلَالِ أَعْيُنِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَشَرِ العَادِيِّينَ، هُوَ عِقَابٌ خَفِيفٌ يَنْتَهِي فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. وَلَكِنْ… بَشَرِيَّةٌ مِثْلُ إِيفِيلِيَانَا مُخْتَلِفَةٌ. كَمَا تَعْلَمُ، لَقَدْ قَتَلَتِ الكَثِيرَ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهَا”
نَظَرَ لِيو إِلَيْهَا بِذُهُولٍ بَعْدَ كَلَامِهَا.
“… هَذَا افْتِرَاءٌ. إِيفِيلِيَانَا شَخْصٌ طَيِّبٌ وَنَقِيٌّ! عِقَابٌ إِلَهِيٌّ؟ لَا بُدَّ أَنَّكِ مُخْطِئَةٌ يَا سَيِّدَةُ مِيكَائِيلُ”.
عِنْدَمَا سَمِعَتْ مِيكَائِيلُ كَلَامَ لِيو، أَمْسَكَتْ بِبَطْنِهَا وَانْفَجَرَتْ ضَاحِكَةً.
“طَيِّبَةٌ؟ آخخ، لَقَدْ سَحَرَتْكَ تِلْكَ المَرْأَةُ تَمَامًا. لِمَاذَا تَظُنُّ أَنَّ بَشَرِيَّةً طَيِّبَةً كَهَذِهِ لَا تَزَالُ مَحْبُوسَةً فِي العِقَابِ! لَقَدْ قُلْتُ لَكَ لِتَوِّي. لَقَدْ قَتَلَتِ الكَثِيرَ جِدًّا مِنْ بَنِي جِنْسِهَا. أَيُّهَا البَشَرِيُّ الطَّيِّبُ، أَنْتَ تَعْرِفُ الحَقِيقَةَ فِي دَاخِلِكَ. تَعْرِفُ الأَعْمَالَ الشِّرِّيرَةَ الكَثِيرَةَ الَّتِي ارْتَكَبَتْهَا عَائِلَةُ رُوزبِيلِيِر! كُلُّ هَذَا هُوَ ثَمَنُ خَطَايَاهَا. هَذَا هُوَ مَا فَعَلَتْهُ إِيفِيلِيَانَا. بِمَا أَنَّهَا ارْتَكَبَتْ كُلَّ تِلْكَ الذُّنُوبِ..”
“لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ…إِيفِيلِيَانَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَكَذَا أَبَدًا…”
تَمْتَمَ لِيو وَكَأَنَّهُ فَقَدَ عَقْلَهُ ثُمَّ أَمْسَكَ بِرَأْسِهِ.
نَظَرَتْ مِيكَائِيلُ إِلَى لِيو الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ مُنْكَمِشًا وَيُكَرِّرُ الكَلَامَ نَفْسَهُ، وَقَالَتْ بِنُفُورٍ:
“هَه، لَا جَدْوَى مِنَ الحَدِيثِ مَعَكَ. هَذَا مُزْعِجٌ. يَا لَكَ مِنْ قَلِيلِ أَدَبٍ. إِلَى مَتَى سَأُضْطَرُّ لِتَكْرَارِ الكَلَامِ نَفْسِهِ؟”
قَطَّبَتْ مِيكَا حَاجِبَيْهَا ثُمَّ صَفَّقَتْ بِيَدَيْهَا.
فَجْأَةً، انْبَعَثَتْ قُوَّةٌ مُقَدَّسَةٌ بَيْضَاءُ تَتَمَوَّجُ مِنْ جَسَدِ لِيو.
“مَا… مَاذَا؟ قُوَّتِي؟”
اتَّجَهَتِ القُوَّةُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي لَفَّتْ جَسَدَ لِيو مَرَّةً وَاحِدَةً نَحْوَ مِيكَائِيلَ.
نَظَرَ لِيو إِلَى قُوَّتِهِ الَّتِي تَتَلَاشَى، ثُمَّ أَمْسَكَ بِرَأْسِهِ وَانْكَمَشَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَلَمٍ.
“لا! آآآآآآآآآآآه!”
ابْتَسَمَتْ مِيكَائِيلُ عِنْدَ سَمَاعِ صَرْخَتِهِ.
“تَقُولُ لَا؟ أَنَا فَقَطْ أَسْتَعِيدُ مَا أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ”.
“لَا! هَذِهِ قُوَّتِي، إِنَّهَا قُوَّتِي أَنَا!”
بَدَأَ جَسَدُ لِيو الَّذِي كَانَ يَتَلَوَّى مِنَ الأَلَمِ يَنْكَمِشُ وَيَصْغُرُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، كُنْتُ لَا أَزَالُ أُحَاوِلُ اسْتِخْدَامَ سِحْرِ الشِّفَاءِ.
وَلَكِنْ كَمَا حَدَثَ فِي مُسَابَقَةِ الصَّيْدِ، اسْتَمَرَّ سِحْرُ الشِّفَاءِ النَّاتِجُ عَنِ المَانَا فِي الارتِدَادِ عَنْ جَسَدِ الإِمْبِرَاطُورَةِ.
يَبْدُو أَنَّ الجُرُوحَ النَّاتِجَةَ عَنِ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ لَا يُمْكِنُ شِفَاؤُهَا بِوَاسِطَةِ (المَانَا).
بَدَأَ نَبْضُهَا يَقِلُّ شَيْئًا فَشَيْئًا.
“أَنَا… لَقَدْ أَسَأْتُ تَرْبِيَةَ وَلَدِي. لَقَدْ كُنْتُ مَشْغُولَةً بِالعَمَلِ وَلَمْ أَعْتَنِ بِهِ… كَمَا يَجِبُ”.
تَمْتَمَتِ الإِمْبِرَاطُورَةُ بِحُزْنٍ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى لِيو الَّذِي كَانَ يَتَدَحْرَجُ فِي قَاعَةِ المَأْدُبَةِ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ.
ثُمَّ أَمْسَكَتْ بِيَدِ دَابِيِينَ.
“دَابِيِينُ… أَعْهَدُ إِلَيْكِ بِهَذِهِ البِلَادِ”.
“عَمَّتِي، مَاذَا تَقُولِينَ. يُمْكِنُكِ التَّغَلُّبُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الجُرْحِ. أَنْتِ هِيَ المَلِكَةُ الشَّمْسُ. اسْتَيْقِظِي بِسُرْعَةٍ”.
صَرَخَتْ دَابِيِينُ وَهِيَ تَبْكِي بِحُرْقَةٍ.
إِذَا اسْتَمَرَّ الأَمْرُ هَكَذَا، فَسَتَفْقِدُ حَيَاتَهَا حَقًّا.
لَمْ يَبْقَ أَمَامِي سِوَى خِيَارٍ وَاحِدٍ.
°كُلَّمَا اسْتَخْدَمْتِ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ، سَيَتَأَثَّرُ جَسَدُكِ المُهَيَّأُ لِاسْتِخْدَامِ (المَانَا). إِذَا اسْتَخْدَمْتِ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ فَوْقَ الطَّاقَةِ، فَقَدْ تَمُوتِينَ°
‘سَأَسْتَخْدِمُ القَلِيلَ فَقَطْ، القَلِيلَ جِدًّا’.
وَمَضَتِ الأَدَاةُ السِّحْرِيَّةُ المَوْجُودَةُ عَلَى جَبِينِي. تَحَوَّلَتِ (المَانَا) الفَائِضَةُ إِلَى قُوَّةٍ مُقَدَّسَةٍ، وَبَدَأَتْ جُرُوحُ الإِمْبِرَاطُورَةِ تَلْتَئِمُ بِسُرْعَةٍ.
“عَمَّتِي!”
عَادَتِ الابْتِسَامَةُ إِلَى وَجْهِ دَابِيِينَ الَّذِي كَانَ مَمْلُوءًا بِاليَأْسِ.
وَاسْتَقَرَّتْ أَنْفَاسُ الإِمْبِرَاطُورَةِ اللَّاهِثَةُ بِمُعْجِزَةٍ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا العِلَاجُ يَنْتَهِي بِسَلَامٍ.
دُوم.
“هَاه…”
بَدَأَ قَلْبِي يَنْبِضُ بِجُنُونٍ وَشَعَرْتُ بِأَلَمٍ فِي جِهَةِ صَدْرِي اليُسْرَى.
وَمَعَ صَوْتِ دُودُوك، بَدَأَتِ الدِّمَاءُ تَسِيلُ مِنْ أَنْفِي.
“كَاي؟ هُنَاكَ دِمَاءٌ…؟”
تَرَدَّدَتْ كَلِمَاتُ لويِدَ القَلِقَةُ فِي رَأْسِي مِثْلَ الصَّدَى.
°سَيَتَأَثَّرُ جَسَدُكِ°
بَدَأَ وَعْيِي يَتَلَاشَى وَبَدَأَتِ الرُّؤْيَةُ تَدُورُ مِنْ حَوْلِي.
°انْتَبِهِي.°
خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّنِي سَمِعْتُ صَوْتَ سَيِّدِي الرَّسُولِ (المبعوث) لِلَحْظَةٍ.
وَضَعَ شَخْصٌ مَا يَدَهُ بِلُطْفٍ عَلَى كَتِفِي.
فَعَادَ لِي صَفَاءُ ذِهْنِي.
عِنْدَمَا الْتَفَتُّ، وَجَدْتُ آيِين يَقِفُ بِجَانِبِي، لَا أَعْرِفُ مَتَى أَتَى.
“آ… آيِين؟”
نَظَرَ إِلَيَّ بِوَجْهٍ حَزِينٍ ثُمَّ أَشَاحَ بِنَظَرِهِ.
وَفِي نِهَايَةِ نَظَرِهِ كَانَتْ هُنَاكَ مِيكَا.
“لَقَدْ ظَهَرْتَ أَخِيرًا؟”
رَسَمَتْ مِيكَا الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى آيِين ابْتِسَامَةً نَاعِمَةً.
بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ آيِين، جَثَا جَمِيعُ سُكَّانِ زِيرُونِيَا عَلَى رُكَبِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ.
نَظَرَ آيِين إِلَيْهِمْ ثُمَّ اقْتَرَبَ بِبُطْءٍ مِنْ مِيكَا.
فِي لَحْظَةٍ، أَحَاطَ الدُّخَانُ بِجَسَدِ آيِين.
“تَوَقَّفِي يَا مِيكَائِيلُ. سَأَفْعَلُ مَا تُرِيدِينَ، لِذَا اتْرُكِي مَنْ بَقِيَ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ وَشَأْنَهُمْ.”
دَوَّى صَوْتٌ مَأْلُوفٌ فِي أَرْجَاءِ قَاعَةِ المَأْدُبَةِ
“سَيِّدِي…… الرَّسُولُ؟”
رُبَّمَا كَانَ وَهْمًا مِنِّي، لَكِنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حَوْلِ آيِين.
وَلَكِنَّ مِيكَا نَظَرَتْ إِلَيَّ بِلَمْحَةٍ خَاطِفَةٍ، ثُمَّ ضَحِكَتْ بِكَسَلٍ وَاخْتَفَتْ.
ظَهَرَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَوْقَ العَرْشِ الخَالِي.
جَلَسَتْ مِيكَا عَلَى العَرْشِ وَوَضَعَتْ قَدَمًا فَوْقَ أُخْرَى وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى آيِين مِنْ أَعْلَى.
“لَا تَقُلْ كَلَامًا أَحْمَقَ. بَعْدَ أَنْ وَصَلْتُ إِلَى هُنَا، هَلْ تَظُنُّ أَنَّنِي سَأَسْتَمِعُ لِكَلَامِكَ؟”
ثُمَّ فَرَقَعَتْ أَصَابِعَهَا.
“سَيِّـ… سَيِّدَةُ مِيكَائِيلُ؟”
“يَا إِلَهِي، مَا هَذَا…؟”
أَجْسَادُ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ كَانُوا جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ بَدَأَتْ تُصْدِرُ ضَوْءًا سَاطِعًا جَمِيعًا.
“لَا تِفْعَلِي! مِيكَائِيلُ!”
أَطْلَقَ سَيِّدِي الرَّسُولُ صَرْخَةً كَالنَّحِيبِ، وَانْتَشَرَتِ الوَمْضَةُ مَرَّةً أُخْرَى.
عِنْدَمَا خَفَتَ الضَّوْءُ، كَانَ الأَوَانُ قَدْ فَاتَ.
كُلُّ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّكُونَ بِأَمْرِ مِيكَائِيلَ تَحَوَّلُوا إِلَى دُمًى زُجَاجِيَّةٍ مُحَطَّمَةٍ.
وَبَدَأَتِ الدُّمَى الزُّجَاجِيَّةُ تَتَفَتَّتُ بِبُطْءٍ، وَتَحَوَّلَتْ أَجْسَادُهُمْ إِلَى سَائِلٍ أَسْوَدَ يَتَسَاقَطُ قَطْرَةً قَطْرَةً.
“لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ! لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا!”
“أَنْقِذِينِي يَا كَاي!”
الْتَقَتْ عَيْنَايَ بِعَيْنَيْ جُودِي الَّتِي كَانَتْ بَعِيدَةً.
بَدَأَتْ تَرْكُضُ نَحْوِي بِذُعْرٍ.
وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيَّ، تَحَوَّلَتْ قَدَمَاهَا إِلَى مَاءٍ أَسْوَدَ، وَفِي النِّهَايَةِ سَالَ جَسَدُهَا كُلُّهُ لِيُصْبِحَ بِرْكَةً سَوْدَاءَ.
“آهَك، هَاهَاهَاهَا!”
أَصْدَرَتْ مِيكَا ضَحْكَةً حَادَّةً مُمَزِّقَةً.
“مَا رَأْيُكِ؟ أَلَيْسَ هَذَا المَشْهَدُ مَأْلُوفًا لَدَيْكِ؟”
اخْتَفَى كُلُّ أُولَئِكَ النَّاسِ، وَامْتَلَأَتْ أَرْضِيَّةُ قَاعَةِ المَأْدُبَةِ بِالبِرَكِ السَّوْدَاءِ فَقَطْ.
“وَالآنَ، حَانَ الوَقْتُ لِيَتَحَوَّلَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى فَوضَى”.
بِمُجَرَّدِ أَنْ أَنْهَتْ مِيكَا كَلَامَهَا، بَدَأَتِ البِرَكُ تَنْدَمِجُ مَعَ بَعْضِهَا بِسَلَاسَةٍ.
كَانَ ذَلِكَ يُشْبِهُ “السَّلَايِمَ الأَسْوَدَ الَّذِي رَأَيْتُهُ يَوْمًا مَا فِي زِنْزَانَةِ بُرْجِ السِّحْرِ السُّفْلِيَّةِ.
مَاءٌ أَسْوَدٌ يَقْطُرُ، جَسَدٌ هُلَامِيٌّ، وَعَدَدٌ هَائِلٌ مِنَ العُيُونِ الحَمْرَاءِ..
“هُفُف، يَا سَيِّدَةُ كَاي. لَقَدْ سَبَقَ وَأَنْ جَاءَتْ هَذِهِ الفَوْضَى إِلَى قَصْرِ هِيلدِيريُوزَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ ذَلِكَ كَانَ السَّيِّدَ سَانْدَال بِمَا أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ بِغُرُورٍ، فَقَدْ أَعَدْتُهُ إِلَى حَالَةِ الفَوْضَى. وَلَكِنْ، كَانَ مِنَ المُؤْسِفِ قَتْلُهُ هَكَذَا. لِأَنَّ قَلْبِي رَقِيقٌ أَيْضًا. فَقُلْتُ لِنَفْسِي يَجِبُ أَنْ يَرَى وَجْهَ السَّيِّدَةِ كَاي قَبْلَ رَحِيلِهِ الأَخِيرِ، لِذَا أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكِ”.
فَجْأَةً، تَذَكَّرْتُ صَوْتَ ذَلِكَ السَّلَايِمِ الغَرِيبِ.
ذَلِكَ العُوَاءُ الغَرِيبُ الَّذِي كَانَ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يُنَادِي بِاسْمِي.
“لِمَاذَا… فَعَلْتِ كُلَّ هَذَا يَا مِيكَا”.
ضَحِكَتْ عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِي.
“حَقًّا، أَنْتِ لَا تَعْرِفِينَ أَيَّ شَيْءٍ”.
لَا أَعْرِفُ مَا الَّذِي كَانَ يُضْحِكُهَا لِتِلْكَ الدَّرَجَةِ.
ثُمَّ نَهَضَتْ عَنِ العَرْشِ وَبَدَأَتْ تَقْتَرِبُ مِنِّي.
خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اخْتَفَى جَسَدُ آيِين الَّذِي كَانَ يَقِفُ بِعَجْزٍ بِجَانِبِ مِيكَا.
ظَهَرَ آيِين أَمَامِي وَبَسَطَ ذِرَاعَيْهِ وَكَأَنَّهُ يَمْنَعُهَا مِنْ تَقَدُّمِهَا.
عِنْدَمَا رَأَتْ مِيكَا ذَلِكَ، بَدَأَتْ تَضْحَكُ بِقَهْقَهَةٍ مَرَّةً أُخْرَى.
بَعْدَ أَنْ ضَحِكَتْ لِفَتْرَةٍ، مَسَحَتِ الدُّمُوعَ الَّتِي تَجَمَّعَتْ فِي عَيْنَيْهَا وَقَالَتْ:
“بُوهُوت، أَيُّهَا الإِلَهُ. هَلْ تَظُنُّ أَنَّ فِعْلَكَ هَذَا سَيَمْنَعُنِي مِنْ إِبَادَةِ رُوآ؟”
أَطْلَقَتْ كَلِمَاتٍ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ.
إِلَهٌ؟ رُوآ…؟
قَبْلَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنَ التَّفْكِيرِ، حَدَثَ الأَمْرُ.
مَعَ صَوْتِ وَمِيضٍ، أَطْلَقَتْ مِيكَا ضَوْءًا سَاطِعًا نَحْوَ آيِين.
تَلَقَّى آيِين الضَّوْءَ مُبَاشَرَةً فَتَرَنَّحَ ثُمَّ سَقَطَ إِلَى الأَمَامِ.
“مَاذَا تَفْعَلِينَ يَا مِيكَا!”
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي احْتَضَنْتُ فِيهَا آيِين السَّاقِطَ وَأَنَا فِي حَالَةٍ مِنَ الذُّعْرِ.
“الآنَ قَدِ اجْتَمَعَ كُلُّ مَنْ يَجِبُ أَنْ يَجْتَمِعَ. لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ لِتَسْتَعِيدِي ذَاكِرَتَكِ. رُوآ”.
وَضَعَتْ يَدَهَا فَوْقَ رَأْسِي وَأَمْسَكَتْ بِهِ بِقُوَّةٍ.
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فُرْصَةٌ لِمَنْعِهَا.
اصْطَبَغَتْ رُؤْيَتِي بِالسَّوَادِ تَمَامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 118"