الفصل 110
اتَّجَهَتْ نَظَرَاتُ لويد نَحْوِي.
كَانَ وَجْهُهُ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ أَرَاني شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ ارَاه.
مَا هَذَا الشُّعُورُ؟ هَلْ هُوَ ذَنْبٌ؟ أَمْ حُزْنٌ؟
لَمْ أَسْتَطِعْ مَعْرِفَةَ مَا يَدُورُ فِي عَقْلِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِإِمْعَانٍ، فَأَشَاحَ لويد بِرَأْسِهِ نَحْوَ الوَحْشِ وَتَمْتَمَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ كَادَ لَا يُسْمَعُ:
“… لِمَاذَا هَذَا الشَّيْءُ هُنَا؟”
بَدَا مَوْقِفُهُ وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ الوَحْشَ الَّذِي أَمَامَهُ جَيِّدًا.
هَذَا غَرِيبٌ… حَسَبَ مَعْرِفَتِي، لويد لَمْ يَذْهَبْ أَبَدًا إِلَى السِّرْدَابِ الَّذِي اكْتُشِفَ فِي بُرْجِ السِّحْرِ.
حَسَنًا، رُبَّمَا أَخْبَرَتْهُ دَابِيِينُ.
فَهُمَا يَتَبَادَلَانِ المَعْلُومَاتِ حَوْلَ الوُحُوشِ الَّتِي يَقْبِضَانِ عَلَيْهَا طَوَالَ الوَقْتِ.
بَعْدَ أَنْ وَصَلْتُ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْتَاجِ وَحْدِي، حَوَّلْتُ نَظَرِي مَعَهُ نَحْوَ الوَحْشِ.
سِلَايِمٌ ضَخْمٌ يَتَحَرَّكُ بِشَكْلٍ مُقْرِفٍ بَيْنَمَا يَقْطُرُ مِنْهُ سَائِلٌ أَسْوَدُ.
السِّلَايِمُ الَّذِي قَابَلْتُهُ فِي سِرْدَابِ بُرْجِ السِّحْرِ لَمْ يَكُنْ يُؤَثِّرُ عَلَى مَنْطِقَةِ السِّرْدَابِ عَلَى الأَقَلِّ، لَكِنَّ هَذَا الوَحْشَ كَانَ مُخْتَلِفًا.
السَّائِلُ الأَسْوَدُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ جَسَدِهِ كَانَ يُصْدِرُ صَوْتَ “فِيشِيشِيك” وَيُذِيبُ كُلَّ مَا حَوْلَهُ مُحَوِّلًا إِيَّاهُ إِلَى اللَّوْنِ الأَسْوَدِ.
الأَشْجَارُ وَالعُشْبُ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي مَرَّ بِهَا الوَحْشُ احْتَرَقَتْ وَتَفَحَّمَتْ.
وَسُرْعَانَ مَا تَصَاعَدَ دُخَانٌ أَسْوَدُ مَعَ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ.
قَامَ لويد بِوَضْعِ حَاجِزٍ أَمَامِي بِسُرْعَةٍ ثُمَّ قَالَ:
“إِنَّهَا طَاقَةٌ سَامَّةٌ. إِذَا تَعَرَّضْتِ لَهَا لِفَتْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَسَتَمُوتِينَ”.
السَّائِلُ الَّذِي كَانَ يَسْقُطُ مِنْ جَسَدِ الوَحْشِ ظَلَّ يَزْحَفُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الجَسَدِ الأَصْلِيِّ.
جُزْءٌ مِنْهُ كَانَ يَزْحَفُ نَحْوِي بِبُطْءٍ.
وَمِنَ العَجِيبِ أَنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الحِجَارَةِ أَوِ التُّرَابِ تَمَامًا.
“يَبْدُو أَنَّهُ يَتَفَاعَلُ مَعَ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ فَقَدْ”.
قَطَّبَ لويد حَاجِبَيْهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَطْرَةِ السَّائِلِ السَّوْدَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي وَصَلَتْ قُرْبَ قَدَمِي، ثُمَّ تَلَا تَعْوِيذَةً.
وَمَعَ صَوْتِ انْفِجَارٍ صَغِيرٍ، احْتَرَقَ السَّائِلُ بِاللَّهَبِ وَتَلَاشَى.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سُمِعَ صَوْتُ طَنِينٍ، ثُمَّ تَشَكَّلَتْ دَائِرَةُ سِحْرٍ بِالقُرْبِ مِنَّا.
وَظَهَرَ فَوْقَهَا يُوتِيَاسُ ودَابِيِينُ.
“حَقًّا…! الأَعْمَالُ لَا تَنْتَهِي مَهْمَا فَعَلْنَا. مَنْ هُوَ ذَلِكَ الجَرِيءُ الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى اقْتِحَامِ قَصْرِ هِيلدِيريُوزَ!”
نَزَلَتْ دَابِيِينُ مِنَ الدَّائِرَةِ السِّحْرِيَّةِ وَهِيَ تَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ مِنَ الغَضَبِ.
ثُمَّ لَمَحَتِ الوَحْشَ الأَسْوَدَ المَاثِلَ أَمَامَهَا، فَصَرَخَتْ بِذُعْرٍ:
“مَا هَذَا! لِمَاذَا هَذَا الشَّيْءُ هُنَا؟”
وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمَحَتْنِي وَأَنَا أَقِفُ بِجَانِبِهَا، فَارْتَاعَتْ لِلْغَايَةِ:
“وَأَنْتِ أَيْضًا، لِمَاذَا أَنْتِ هُنَا؟”
تَغَيَّرَتْ تَعَابِيرُ وَجْهِ دَابِيِينَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الوَحْشِ شَزَرًا.
وَبَدَأَتْ تُرَاقِبُ رَدَّةَ فِعْلِي وَكَأَنَّهَا اتَّفَقَتْ مَعَ لويد عَلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ يُوتِيَاسُ الَّذِي يَقِفُ بِجَانِبِهَا يَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.
كَانَتْ تَعَابِيرُهُ مَلِيئَةً بِالشَّفَقَةِ.
“مَا الأَمْرُ؟ هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ؟ لِمَاذَا تَعَابِيرُ وُجُوهِكُمْ هَكَذَا؟”
عِنْدَمَا سَأَلْتُهُمْ، تَظَاهَرُوا بِالِانْشِغَالِ وَأَشَاحُوا بِأَنْظَارِهِمْ جَمِيعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
“لَا، لَا شَيْءَ… فَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونِي قَدْ فُزِعْتِ لِظُهُورِ وَحْشٍ ضَخْمٍ فَجْأَةً”.
لَقَدْ رَأَيْتُ الكَثِيرَ مِنَ الوُحُوشِ حَتَّى الآنَ، فَكَيْفَ سَأَفْزَعُ مِنْ رُؤْيَةِ هَذَا الوَحْشِ؟
حِينَهَا، نَظَرَ لويد إِلَى يُوتِيَاسَ وَسَأَلَهُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ وَكَأَنَّهُ يَسْتَعْجِلُهُ:
“يُوتِيَاسُ، لِمَاذَا هَذَا الشَّيْءُ هُنَا؟”
رُبَّمَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، لَكِنَّنِي سَمِعْتُهُ جَيِّدًا لِأَنَّنِي كُنْتُ بِجَانِبِهِ تَمَامًا.
مَاذَا هُنَاكَ؟
يَبْدُو أَنَّ هُنَاكَ أَمْرًا يَعْرِفُونَهُ بَيْنَهُمْ وَيُخْفُونَهُ عَنِّي.
“لِنَكْتَشِفْ ذَلِكَ”.
فَرَقَ يُوتِيَاسُ أَصَابِعَهُ بِوَجْهٍ جَادٍّ، فَظَهَرَتْ دَائِرَةُ سِحْرٍ عِمْلَاقَةٌ بِجَانِبِهِ.
كَانَتِ الدَّائِرَةُ العِمْلَاقَةُ مَلِيئَةً بِتَعَاوِيذَ صَغِيرَةٍ مُكْتَظَّةٍ، وَكُلُّهَا كَانَتْ تَدُورُ بِلَا تَوَقُّفٍ.
عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ، نَظَرَ يُوتِيَاسُ إِلَى لويد بِتَعَابِيرَ مُرْتَبِكَةٍ:
“سَيِّدُ لويد، هَذَا لَيْسَ الوَحْشَ الَّذِي فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ. لَا تُوجَدُ مُشْكِلَةٌ فِي خَتْمِ التَّقْيِيدِ”.
عِنْدَ سَمَاعِي لِهَذَا الكَلَامِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ، صَرَخْتُ بِذُهُولٍ:
“هَلْ تَقُولُ إِنَّ هَذَا الوَحْشَ ظَهَرَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَيْضًا؟”
فِي الصُّحُفِ، كَانَتِ الأَخْبَارُ تَتَحَدَّثُ فَقَدْ عَنْ انْدِلَاعِ مَوْجَةِ وُحُوشٍ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي أَيِّ مَكَانٍ أَنَّ سِلَايِمًا بِهَذَا المَظْهَرِ الغَرِيبِ قَدْ ظَهَرَ؟
حَكَّ يُوتِيَاسُ رَأْسَهُ بِوَجْهٍ يَنِمُّ عَنْ زَلَّةِ لِسَانٍ، ثُمَّ ابْتَسَمَ بِارْتِبَاكٍ:
“بِالطَّبْعِ، أَلَيْسَ السَّيِّدُ لويد هُوَ مَنْ قَضَى عَلَيْهَا جَمِيعًا؟ آهاهاها…”
الأَمْرُ مَرِيبٌ جِدًّا.
وَلَكِنْ بِمَا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ ضَمَانٌ بِأَنَّ الوَحْشَ الَّذِي كَانَ تَحْتَ بُرْجِ السِّحْرِ لَنْ يَظْهَرَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَقَدِ اقْتَنَعْتُ بِكَلَامِهِ فِي النِّهَايَةِ.
فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، اقْتَرَبَ يُوتِيَاسُ مِنْ دَابِيِينَ وَتَمْتَمَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“شَخْصٌ مَا قَامَ بِتَدْمِيرِ … آخَرَ”.
لَقَدْ تَمْتَمَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّنِي لَمْ أَسْمَعْ مَا الَّذِي تَمَّ تَدْمِيرُهُ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَ الوَحْشُ الأَسْوَدُ الَّذِي أَمَامَنَا يُصْدِرُ صَوْتًا غَرِيبًا كَأَنَّهُ يَزْأَرُ.
[آآآآآ——— إِيييي—————]
ثُمَّ بَدَأَ يَنْثُرُ المَاءَ الأَسْوَدَ نَحْوَنَا.
“أُوبْس”.
بَسَطَ يُوتِيَاسُ يَدَهُ، فَتَشَكَّلَ دِرْعٌ أُرْجُوانِيٌّ أَمَامِي.
السَّائِلُ الأَسْوَدُ الَّذِي كَانَ يَتَّجِهُ نَحْوِي انْزَلَقَ لِزِجًا فَوْقَ الدِّرْعِ.
السَّائِلُ الأَسْوَدُ الَّذِي تَنَاثَرَ بِجَانِبِ الدِّرْعِ أَحْرَقَ العُشْبَ مَعَ صَوْتِ “تَشِيشِيك” وَدُخَانٍ أَسْوَدَ.
كُنْتُ سَأُصْبِحُ مِثْلَ ذَلِكَ العُشْبِ لَوْلَا الدِّرْعُ.
“شُكْرًا لَكَ، سَيِّدُ يُوتِيَاسُ”.
عِنْدَمَا انْحَنَيْتُ بِشُكْرٍ، ابْتَسَمَ يُوتِيَاسُ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً.
“هُوم، لَقَدْ كَانَ أَمْرًا بَسِيطًا”.
تَذَمَّرَتْ دَابِيِينُ، فَهَزَّ يُوتِيَاسُ رَأْسَهُ ثُمَّ بَدَأَ فِي إِلْقَاءِ تَعْوِيذَةٍ أُخْرَى.
كَانَتْ تَعْوِيذَةً طَوِيلَةً وَكَأَنَّهُ يُغَنِّي.
حِينَهَا ظَهَرَتْ حُرُوفٌ سِحْرِيَّةٌ وَأَحَاطَتْ بِالوَحْشِ بِشَكْلٍ دَائِرِيٍّ.
“لِنَقْضِ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ”.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي فَرَقَ فِيهَا يُوتِيَاسُ أَصَابِعَهُ، بَدَأَتِ الحُرُوفُ السِّحْرِيَّةُ تَتَوَهَّجُ بِضَوْءٍ سَاطِعٍ فَجْأَةً.
“هِم؟”
وَلَكِنَّ الوَحْشَ بَدَا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِذَلِكَ الضَّوْءِ، بَلِ اقْتَرَبَ بِبُطْءٍ وَامْتَصَّ حُرُوفَ يُوتِيَاسَ السِّحْرِيَّةَ تَمَامًا.
“هَه…؟”
نَظَرَ يُوتِيَاسُ إِلَى الوَحْشِ الأَسْوَدِ بِذُهُولٍ.
أَمَّا دَابِيِينُ الَّتِي كَانَتْ تُرَاقِبُ المَوْقِفَ، فَقَدِ اسْتَفَزَّتْهُ قَائِلَةً:
“هَلْ أَنْتَ أَحْمَقُ؟ لَقَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ فِي السِّرْدَابِ السَّابِقِ. قُلْتُ لَكَ إِنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَسْتَخْدِمَ سِحْرَ النَّارِ!”
أَشْعَلَتْ دَابِيِينُ لَهَبًا أَحْمَرَ فَوْقَ يَدِهَا.
لَكِنَّ يُوتِيَاسَ اعْتَرَضَ طَرِيقَهَا:
“انْتَظِرِي قَلِيلًا، يَا سَيِّدَةُ دَابِيِينُ. لَدَيَّ شَيْءٌ أُرِيدُ التَّأَكُّدَ مِنْهُ”.
فَتَحَ يُوتِيَاسُ -الَّذِي كَانَ يُحَدِّقُ فِي الوَحْشِ الأَسْوَدِ- فَجْوَةً مَكَانِيَّةً وَأَخْرَجَ مِنْهَا شَيْئًا مَا.
كَانَ لَهَبًا أَحْمَرَ بِلَوْنٍ غَرِيبٍ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ جَوْهَرَةٌ.
بَدَا أَنَّ لويد وَدَابِيِينَ يَعْرِفَانِ تَمَامًا مَا هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، بِالنَّظَرِ إِلَى رَدَّةِ فِعْلِهِمَا المَذْعُورَةِ.
“يُوتِيَاسُ، هَلْ جُنِنْتَ حَقًّا؟”
“أَيُّهَا المَجْنُونُ، هَلْ سَتُخْرِجُ نِيرَانَ الجَحِيمِ الأَبَدِيَّةَ لِتَقْتُلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ؟”
قَفَزَتْ دَابِيِينُ مِنْ مَكَانِهَا وَصَرَخَتْ فِي يُوتِيَاسَ.
نِيرَانُ الجَحِيمِ الأَبَدِيَّةُ.
لَقَدْ كَانَ سِحْرًا أُسْطُورِيًّا لَا يُذْكَرُ إِلَّا فِي الأَسَاطِيرِ.
نِارُ الجَحِيمِ الَّتِي لَا تَنْطَفِئُ أَبَدًا بِمُجَرَّدِ أَنْ تَلْمَسَ شَيْئًا.
“لَدَيَّ تَجْرِبَةٌ أُرِيدُ القِيَامَ بِهَا”.
قَالَ يُوتِيَاسُ ذَلِكَ بِهُدُوءٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى نِيرَانِ الجَحِيمِ الطَّافِيَةِ فَوْقَ يَدِهِ، فَصَرَخَتْ دَابِيِينُ بِإِحْبَاطٍ:
“وَمَعَ ذَلِكَ تُخْرِجُهَا! قُمْ بِتَجَارِبِكَ فِي بُرْجِ السِّحْرِ الخَاصِّ بِكَ! أَعِدْهَا لِمَكَانِهَا حَالًا!”
هُنَاكَ مَثَلٌ يَقُولُ: “لَا تُحْرِقِ البَيْتَ بِأَكْمَلِهِ لِتَقْتُلَ بَقَّةً”.
اسْتِخْدَامُ نِيرَانِ الجَحِيمِ لِلْقَضَاءِ عَلَى ذَلِكَ الوَحْشِ الوَاحِدِ قَدْ يُحَوِّلُ هَذِهِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةَ بِأَكْمَلِهَا إِلَى رَمَادٍ.
وَلَكِنَّ يُوتِيَاسُ ابْتَسَمَ، وَقَبْلَ أَنْ تَتَمَكَّنَ دَابِيِينُ مِن مَنْعِهِ، أَلْقَى بِنِيرَانِ الجَحِيمِ نَحْوَ الوَحْشِ.
“لَا تفعَل!”
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي صَرَخَتْ فِيهَا دَابِيِينُ وَهِيَ تُحَاوِلُ صَدَّ النِّيرَانِ،
تَحَرَّكَ الوَحْشُ الأَسْوَدُ وَكَأَنَّهُ يَتَلَوَّى، ثُمَّ ابْتَلَعَ نِيرَانَ الجَحِيمِ الَّتِي كَانَتْ تَقْتَرِبُ مِنْهُ.
غُلُوب!
نِيرَانُ الجَحِيمِ الَّتِي دَخَلَتْ جَسَدَ السِّلَايِمِ الأَسْوَدِ فِي لَحْظَةٍ لَمْ تَشْتَعِلْ تَمَامًا، بَلِ اخْتَفَى أَثَرُهَا تَمَامًا.
تَمْتَمَتْ دَابِيِينُ بِوَجْهٍ مَذْهُولٍ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى اللَّهَبِ الَّذِي اخْتَفَى:
“مَا هَذَا… يُوتِيَاسُ، مَاذَا رَأَيْنَا لِتَوِّنَا؟ هَلْ ابْتَلَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ نِيرَانَ الجَحِيمِ؟”
أَوْمَأَ يُوتِيَاسُ بِرَأْسِهِ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ الأَمْرَ الآنَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى لويد:
“سَيِّدِي الشَّابُّ، جَرِّبْ اسْتِخْدَامَ سِحْرِ النَّارِ عَلَى ذَلِكَ الوَحْشِ. لَا يَتَطَلَّبُ الأَمْرُ الكَثِيرَ مِنَ المَانَا. أَعْتَقِدُ أَنَّ مُجَرَّدَ الرَّغْبَةِ فِي القَضَاءِ عَلَيْهِ سَتَكُونُ كَافِيَةً”.
“يُوتِيَاسُ. أَلَمْ تَرَ نِيرَانَ الجَحِيمِ تَخْتَفِي فِي لَحْظَةٍ؟ كَيْفَ تَقُولُ إِنَّ مُجَرَّدَ الرَّغْبَةِ فِي القَضَاءِ عَلَيْهِ تَكْفِي، بَيْنَمَا قَدْ لَا يَكْفِي حَتَّى إِطْلَاقُ كُلِّ المَانَا الَّتِي نَمْلِكُهَا؟”
هَزَّتْ دَابِيِينُ رَأْسَهَا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَكَأَنَّهَا تَشُكُّ فِي قُوَاهُ العَقْلِيَّةِ، لَكِنَّ لويد فَكَّرَ لِقَلِيلٍ ثُمَّ أَوْمَأَ بِبَسَاطَةٍ:
“…حَسَنًا. بِمَا أَنَّكَ تَبْدُو وَكَأَنَّ لَدَيْكَ فِكْرَةً، سَأَفْعَلُ مَا قُلْتَ”.
عَلَى الفَوْرِ، انْدَلَعَتْ شُعْلَةٌ صَغِيرَةٌ تَمُوجُ فِي يَدِ لويد.
لَقَدْ كَانَتْ نَارًا ضَعِيفَةً تُشْبِهُ ضَوْءَ الشَّمْعَةِ.
نَفَخَ لويد بِخِفَّةٍ عَلَى الشُّعْلَةِ.
فَتَحَرَّكَتِ الشُّعْلَةُ الضَّعِيفَةُ نَحْوَ الوَحْشِ وَكَأَنَّهَا تَنْتَشِرُ مَعَ الرِّيَاحِ.
ثُمَّ لَمَسَتِ الشُّعْلَةُ الوَحْشَ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَ جَسَدُ الوَحْشِ بِالأَكْمَلِ يَشْتَعِلُ.
“أَه؟”
نَظَرَتْ دَابِيِينُ إِلَى الوَحْشِ بِذُهُولٍ.
تَلَوَّى الوَحْشُ بِجَسَدِهِ الضَّخْمِ مِنَ الأَلَمِ بِسَبَبِ النِّيرَانِ المُشْتَعِلَةِ.
[آآآآآآآآآآآآآآآآآ————!]
دَوَّتْ صَرْخَةٌ غَرِيبَةٌ كَادَتْ تُفَجِّرُ طَبْلَةَ الأُذُنِ.
“كَيْفَ حَدَثَ هَذَا…؟”
نَظَرَ لويد إِلَى يَدِهِ بِذُهُولٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ السِّحْرَ الَّذِي أَلْقَاهُ عَلَى الوَحْشِ لَمْ يَكُنْ سِوَى سِحْرٍ بَسِيطٍ جِدًّا يُشْبِهُ الشَّرَارَةَ.
لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ أَبَدًا أَنَّ الوَحْشَ الَّذِي ابْتَلَعَ سِحْرَ سَيِّدِ بُرْجِ السِّحْرِ وَنِيرَانَ الجَحِيمِ بِسُهُولَةٍ سَيَتَفَاعَلُ مَعَ مِثْلِ هَذَا السِّحْرِ الخَفِيفِ.
تَمْتَمَ يُوتِيَاسُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى لويد:
“كَمَا تَوَقَّعْتُ تَمَامًا”.
نَظَرَ بِنَظْرَةٍ عَمِيقَةٍ إِلَى السِّلَايِمِ الَّذِي بَدَأَ يَخْتَفِي تَدْرِيجِيًّا بِفِعْلِ النَّارِ.
السِّلَايِمُ الَّذِي كَانَ بِحَجْمِ بَيْتٍ كَبِيرٍ بَدَأَ يَتَقَلَّصُ حَجْمُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى اخْتَفَى دُونَ أَثَرٍ.
وَلَمْ يَتْرُكْ وَرَاءَهُ حَتَّى رَمَادًا وَاحِدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 110"