الفصل 105
أَمَامَ كَلِمَاتِ وَلِيِّ العَهْدِ الحَزِينَةِ، تَنَهَّدَ الفَتَى ثُمَّ فَتَحَ فَاهُ قَائِلًا:
“لِيُو، سَيَتَدَمَّرُ جَسَدُكَ إِذَا اسْتَمْرَرْتَ هَكَذَا. فِي أَوْقَاتٍ كَهَذِهِ، يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَمَالَكَ عَقْلَكَ جَيِّدًا”.
رُغْمَ أَنَّ مَظْهَرَ الفَتَى كَانَ صَغِيرًا، إِلَّا أَنَّ طَرِيقَةَ كَلَامِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَنَظَرَاتِ عَيْنَيْهِ كَانَتْ مَلِيئَةً بِالرَّزَانَةِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ عُمُرَهُ.
فَوْقَ ذَلِكَ، كَانَ يُخَاطِبُ سُمُوَّ وَلِيِّ العَهْدِ بِصِيغَةِ المُتَسَاوِي، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يَتَجَرَّأُ أَحَدٌ عَلَيْهِ.
لَوْ سَمِعَ أَيُّ شَخْصٍ هَذَا الكَلَامَ لَكَانَ عِقَابُهُ شَدِيدًا، لَكِنَّ وَلِيَّ العَهْدِ كَانَ يَسْتَمِعُ إِلَى كَلَامِ الفَتَى بِصَمْتٍ وَكَأَنَّ تَصَرُّفَهُ هَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ.
“لَقَدْ رَشَوْتُ مُخْبِرِي الإِمْبِرَاطُورِ. وَفُرْسَانُ النُّخْبَةِ أَيْضًا فِي صَفِّنَا. إِذَا وَجَدُوهَا، سَيَكُونُ الِاتِّصَالُ الأَوَّلُ بِنَا”.
عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، مَسَحَ وَلِيُّ العَهْدِ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ بِقَلَقٍ.
“هَلْ يُعْقَلُ أَنَّهَا.. قَدْ مَاتَتْ عَلَى أَيْدِي أُولَئِكَ الوُحُوشِ؟ أَنَا أَكْثَرُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ، أَخْشَى ذَلِكَ وَأَخَافُ مِنْهُ كَثِيرًا”.
كَانَتْ كَلِمَةُ الوُحُوشِ تُشِيرُ إِلَى تَوْأَمِ هِيلدِيريُوز.
حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ، كَانَ يُنَادِيهِمَا بِأَخِي وَأُخْتِي.
ابْتَسَمَ الفَتَى بِمَرَارَةٍ وَهُوَ يُوَاسِي وَلِيَّ العَهْدِ:
“إِيفِيلِيَانَا سَتَكُونُ مُخْتَبِئَةً فِي مَكَانٍ آمِنٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ جَيِّدًا أَنَّهَا امْرَأَةٌ ذَاتُ قُوَّةٍ صَلْبَةٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَا تَقْلَقْ كَثِيرًا. لَوْ رَأَتْكَ بِهَذِهِ الحَالَةِ المُنْهَارَةِ، لَحَزِنَتْ كَثِيرًا”.
هَزَّ وَلِيُّ العَهْدِ رَأْسَهُ مُوَافِقًا وَهُوَ يَذْرِفُ الدُّمُوعَ.
فَجْأَةً، تَبَادَرَتْ إِلَى ذِهْنِهِ كَلِمَاتٌ قَالَتْهَا إِيفِيلِيَانَا يَوْمًا مَا بِوَجْهٍ حَزِينٍ:
‘أَلَا تَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّدًا؟ رُغْمَ أَنَّنَا عَائِلَةُ دُّوقٍ… إِلَّا أَنَّكَ تَعْرِفُ كَيْفَ نُعَامَلُ’.
لَقَدْ أَرَدْتُ حِمَايَتَهَا…. أَيَّتُهَا المَرْأَةُ المِسْكِينَةُ.
مَسَحَ وَلِيُّ العَهْدِ دُمُوعَهُ الَّتِي لَا تَتَوَقَّفُ عَنِ الِانْهِمَارِ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى الأَرِيكَةِ بِبُطْءٍ وَقَالَ:
“… أَعْطِنِي بَعْضَ الوَقْتِ لأُفَكِّرَ بِمُفْرَدِي”.
أَوْمَأَ الفَتَى بِرَأْسِهِ كَمَا لَوْ كَانَ يَتَفَهَّمُ، وَغَادَرَ المَكَانَ بَعْدَ أَنْ تَمَنَّى لَهُ رَاحَةً هَادِئَةً.
“أَرْجُوكِ، أَتَوَسَّلُ إِلَيْكِ… ابْقَيْ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ فَقَطْ، يَا إِيفِيلِيَانَا”.
تَمْتَمَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، ثُمَّ غَرِقَ تَدْرِيجِيًّا فِي ذِكْرَيَاتِهِ.
❁❁❁
‘.. إِيفِيلِيَانَا؟’
كَانَ اسْمًا ذَا رَنِينٍ مَأْلُوفٍ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ.
لِأَنَّ الِاسْمَ كَانَ مُخْتَلِفًا عَنِ الِاسْمِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، بَدَا عَلَيْهِ الِارْتِيَابُ، فَابْتَسَمَتْ دُّوقَةُ رُوزبِيلِيير بِخَجَلٍ وَقَالَتْ:
°نَعَمْ، إِيفِيلِيَانَا. هَذَا هُوَ اسْمِي قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ°
°قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ؟ مَاذَا تَعْنِينَ بِذَلِكَ؟°
العَوْدَةُ بِالزَّمَنِ.
أَلَيْسَتْ هَذِهِ كَلِمَةً لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الرِّوَايَاتِ الخَيَالِيَّةِ؟
أَمَامَ سُؤَالِ وَلِيِّ العَهْدِ، ابْتَسَمَتْ إِيفِيلِيَانَا بِمَرَارَةٍ:
°فِي الحَقِيقَةِ، هَذَا العَالَمُ قَدْ عَادَ بِالزَّمَنِ مَرَّةً وَاحِدَةً. لَمْ تَكُنْ أَنْتَ مُجَرَّدَ أَمِيرٍ، بَلْ كُنْتَ إِمْبِرَاطُورًا. إِمْبِرَاطُورًا عَظِيمًا. كُنْتَ تَمْلِكُ أَقْوَى سُلْطَةٍ فِي تَارِيخِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ°
تَقُولُ إِنَّهُ هُوَ، الَّذِي لَا شَأْنَ لَهُ، كَانَ أَقْوَى إِمْبِرَاطُورٍ فِي العَالَمِ.
شَعَرَ لِيُو بِالسَّعَادَةِ، لَكِنَّهُ بَدَأَ يَشُكُّ فِي حَالَتِهَا العَقْلِيَّةِ.
بَدَتْ وَكَأَنَّهَا فَقَدَتْ صَوَابَهَا.
عَوْدَةٌ بِالزَّمَنِ؟
إِعَادَةُ الوَقْتِ لِلْوَرَاءِ.
هَلْ يُمْكِنُ حَقًّا أَنْ يَحْدُثَ أَمْرٌ كَهَذَا؟
°إِيفِيلِيَانَا…… قُلْتِ هَذَا هُوَ اسْمُكِ؟ إِذًا، وَأَنْتِ؟ مَاذَا كُنْتِ تَفْعَلِينَ فِي ذَلِكَ العَالَمِ؟°
عِنْدَ سُؤَالِ لِيُو، احْمَرَّ وَجْهُ الدُّوقَةِ فَجْأَةً.
تَمَامًا كَفَتَاةٍ صَغِيرَةٍ تَشْعُرُ بِالخَجَلِ.
وَبَعْدَ تَرَدُّدٍ طَوِيلٍ، فَتَحَتْ فَاهَا:
“كُنْتُ حَبِيبَتَكَ.. وَكُنْتُ زَوْجَتَكَ وَإِمْبِرَاطُورَتَكَ أَيْضًا”.
مَاذَا؟ حَبِيبَتُهُ وَإِمْبِرَاطُورَتُهُ؟ ضَحِكَ لِيُو بِسُخْرِيَةٍ مِنْ شِدَّةِ الذُّهُولِ.
دُّوقَةُ رُوزبِيلِيير كَانَتْ فِي عُمُرِ الإِمْبِرَاطُورِ تَقْرِيبًا.
فَضْلًا عَنِ العُمُرِ، كَانَتْ فِي النِّهَايَةِ امْرَأَةً مُتَزَوِّجَةً.
وَقَدْ حَيَّا زَوْجَهَا، دُّوقَ رُوزبِيلِيير، قَبْلَ قَلِيلٍ.
°هَاه….°
تَنَهَّدَ لِيُو.
لَا عَجَبَ أَنَّهَا كَانَتْ تُظْهِرُ مَوَاقِفَ وَدُودَةً بِشَكْلٍ غَرِيبٍ.
كَانَ يَجِبُ أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ مُنْذُ أَنْ بَدَأَتْ تَتَرَدَّدُ حَوْلَهُ.
لَا بُدَّ أَنَّهَا قَدْ فَقَدَتْ عَقْلَهَا تَمَامًا.
فَكَّرَ لِيُو مَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ اسْتِدْعَاءُ الحَرَسِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ الَّذِي يَقُولُ هَذَا الهُرَاءَ نَبِيلًا، لَمَا تَرَدَّدَ، لَكِنَّ الطَّرَفَ الآخَرَ كَانَ الدُّوقَةَ.
مَهْمَا كَانَتْ مَجْنُونَةً، لَا يُمْكِنُهُ ارْتِكَابُ مِثْلِ هَذَا الِانْتِهَاكِ لِلْأَعْرَافِ.
عِنْدَمَا وَصَلَ تَفْكِيرُ لِيُو إِلَى هُنَا، نَظَرَ مَرَّةً أُخْرَى بِطَرِيقَةٍ مُّؤَدَّبَةٍ إِلَى دُّوقَةِ رُوزبِيلِيير الَّتِي تُسَمِّي نَفْسَهَا إِيفِيلِيَانَا.
°وَلَكِنْ يَا سَيِّدَتِي، أَلَسْتِ مُتَزَوِّجَةً مِنَ الدُّوقِ رُوزبِيلِيير؟ أَنَا آسِفٌ، لَكِنَّنِي لَسْتُ مُّهْتَمًّا بِمِثْلِ هَذِهِ العَلَاقَاتِ المُعَقَّدَةِ°
أَمَامَ تَعْبِيرِ لِيُو اللَّطِيفِ وَلَكِنِ الحَازِمِ، تَرَقْرَقَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهَا.
°أَنْتَ لَا تُصَدِّقُ كَلَامِي°
°إِذَا انْتَهَى الحَدِيثُ، فَهَلْ نَنْهِي هَذَا اللِّقَاءَ؟°
أَعْطَى لِيُو أَمْرًا بِالمُغَادَرَةِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ بِلُطْفٍ.
لَكِنَّ الدُّوقَةَ لَمْ تُغَادِرْ، بَلْ حَاوَلَتْ إِقْنَاعَهُ مَرَّةً أُخْرَى بِصَوْتٍ مَرْتَجِفٍ:
°هَذَا الجَسَدُ لَيْسَ جَسَدِي، يَا لِيُو°
لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ يَسْتَحِقُّ السَّمَاعَ.
نَهَضَ لِيُو مِنْ مَكَانِهِ.
يَجِبُ أَنْ أُخْبِرَ الدُّوقَ رُوزبِيلِيير بِحَالَةِ الدُّوقَةِ.
يَبْدُو أَنَّهَا تُعَانِي مِنْ هَذَيَانٍ شَدِيدٍ وَتَحْتَاجُ إِلَى عِلَاجٍ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَ يَنْوِي فِيهَا اسْتِدْعَاءَ الخَادِمِ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى ذَلِكَ، تَمْتَمَتِ الدُّوقَةُ الجَالِسَةُ فِي المَقْعَدِ المُقَابِلِ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ:
°لِيُو…. اللُّورْد بِيبربَاتس مُصَابٌ بِلَعْنَةٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟°
°كَيْفَ… كَيْفَ تَعْرِفِينَ ذَلِكَ؟°
بِيبربَاتس.
هُوَ أَخُو زَوْجِ الإِمْبِرَاطُورَةِ المُتَوَفَّى، وَعَمُّ لِيُو.
وَكَانَ الآنَ طَرِيحَ الفِرَاشِ.
لَقَدْ كَانَ شَخْصًا قَوِيًّا حَتَّى قَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ.
لَكِنَّهُ اخْتَفَى فَجْأَةً عَنِ الأَوْسَاطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي يَوْمٍ مَا.
كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ مُجَرَّدُ تَدَهْوُرِ مَرَضٍ مُزْمِنٍ، لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا بَلْ مَلْعُونًا.
لَعْنَةٌ فَظِيعَةٌ بَدَأَتْ مِنْ عَالَمِ الشَّيَاطِينِ.
كَانَ هَذَا أَمْرًا مُتَعَلِّقًا بِالعَائِلَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ إِصَابَتِهِ بِاللَّعْنَةِ سِوَى الإِمْبِرَاطُورِ وَلِيُو، فَقَدْ كَانَ أَمْرًا سِرِّيًّا لِلْغَايَةِ.
°رُبَّمَا هُوَ الآنَ يَصْرُخُ طَالِبًا المَوْتَ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ°
نَظَرَتْ إِلَيْهِ الدُّوقَةُ بِوَجْهٍ حَزِينٍ.
وَقَفَ لِيُو بِوَجْهٍ مُتَجَهِّمٍ دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَةٍ.
لَقَدْ كَانَ كَلَامُهَا دَقِيقًا.
لَقَدْ تَدَهْوَرَتْ حَالَةُ اللُّورْد بِيبربَاتس مُنْذُ بضْعَةِ أَيَّامٍ.
كَانَتِ اللَّعْنَةُ تَنْخُرُ جَسَدَهُ مِمَّا جَعَلَهُ يُعَانِي مِنْ آلَامٍ شَدِيدَةٍ، وَوَصَلَ عَقْلُهُ إِلَى الحَدِّ الأَقْصَى فَأَصْبَحَ يُكَرِّرُ طَلَبَ المَوْتِ فَقَطْ.
°يُمْكِنُكَ أَنْ تَعْتَبِرَ كَلَامِي كَذِبًا. لَقَدْ كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَعْتَبِرَنِي مَجْنُونَةً. وَلَكِنَّنِي أُرِيدُ مَنْعَ مَوْتِ اللُّورْد بِيبربَاتس. لِأَنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّهُ الوَحِيدُ الَّذِي يَهْتَمُّ حَقًّا بِسَلَامَتِكَ°
نَهَضَتِ الدُّوقَةُ وَهِيَ تَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً غَامِضَةً.
°تَعَالَ اللَّيْلَةَ إِلَى قَصْرِ عَائِلَةِ رُوزبِيلِيير مَعَ اللُّورْد بِيبربَاتس. لَدَيَّ طَرِيقَةٌ لِإِنْقَاذِ حَيَاتِهِ°
ثُمَّ اخْتَفَتْ بِسُرْعَةٍ مِنْ أَمَامِ لِيُو.
هَلْ هِيَ حَقًّا أَوْهَامُ مَجْنُونَةٍ؟
أَمْ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ لَا تُصَدَّقُ؟
بَدَتْ مُسْتَمِيتَةً جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ صَعُبَ اعْتِبَارُهَا مُجَرَّدَ كَاذِبَةٍ.
وَجْهُ دُّوقَةِ رُوزبِيلِيير وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِحُزْنٍ لَا زَالَ يَتَرَاءَى أَمَامَ عَيْنَيْهِ.
وَأَيْضًا….
‘أَنْ يَمُوتَ عَمِّي’.
لَقَدْ كَانَ العَمُّ يَسْتَقْبِلُهُ بِفَرَحٍ رُغْمَ تَدَهْوُرِ جَسَدِهِ بِسَبَبِ اللَّعْنَةِ، وَعَلَّمَهُ كُلَّ مَا يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ لِيَعِيشَ كَنَبِيلٍ.
لَيْسَ لَدَيَّ مَا أَخْسَرَهُ.
عَزَمَ لِيُو أَمْرَهُ وَقَبَضَ عَلَى قَبْضَةِ يَدِهِ.
وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ذَهَبَ لِيُو سِرًّا إِلَى قَصْرِ عَائِلَةِ رُوزبِيلِيير مُصْطَحِبًا مَعَهُ اللُّورْد بِيبربَاتس الَّذِي كَانَ يَئِنُّ مِنَ الأَلَمِ.
قَادَتِ الدُّوقَةُ لِيُو وَعَمَّهُ إِلَى مُخْتَبَرٍ يَقَعُ تَحْتَ الأَرْضِ، وَكَأَنَّهَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَأْتُونَ.
وَهُنَاكَ، كَانَ فِي انْتِظَارِهِمْ عَمُودٌ أَبْيَضُ كَبِيرٌ وَأَمَامَهُ كُرْسِيَّانِ.
وَعَلَى أَحَدِ الكُرْسِيَّيْنِ، كَانَ هُنَاكَ فَتًى يَبْدُو فِي الخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ نَائِمًا بِهُدُوءٍ وَعَيْنَاهُ مُغْلَقَتَانِ.
°أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الأَبْحَاثِ يُجْرَى هُنَا؟ هَلْ حَصَلْتُمْ عَلَى إِذْنٍ مِنَ القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ؟ مَا الَّذِي تَفْعَلُونَهُ فِي العَاصِمَةِ بِحَقِّ… أَخْبِرِينِي يَا دُّوقَةُ. مَا هَذَا العَمُودُ، وَمَنْ هَذَا الفَتَى النَّائِمُ هُنَاكَ؟°
صَرَخَ لِيُو بِغَضَبٍ بَعْدَ أَنْ شَعَرَ بِأَنَّهُ خُدِعَ.
حِينَهَا، هَدَّأَتْهُ الدُّوقَةُ بِنَبْرَةٍ لَطِيفَةٍ:
°العَمُودُ الَّذي تَرَاهُ أَمَامَكَ هُوَ الأَثَرُ المُقَدَّسُ لِطَائِفَةِ تِيرِينَا رُمْحُ سِيلَافِيِيل. إِنَّهُ يَقُومُ بِتَبَادُلِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ بَيْنَ البَشَرِ°
عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، صَرَخَ اللُّورْد بِيبربَاتس الَّذِي كَانَ يَرْتَجِفُ مِنَ الأَلَمِ:
°هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ. هَلْ هَذَا مُمْكِنٌ حَقًّا؟ كُلُّوك، كُلُّوك…! حَسَنًا، لِنَقُلْ إِنَّهُ مُمْكِنٌ. وَلَكِنْ، هَلْ تُرِيدِينَ مِنِّي أَنْ أَنْقُلَ رُوحِي إِلَى جَسَدِ هَذَا الفَتَى الصَّغِيرِ البَرِيءِ، وَأَجْعَلَهُ يَدْخُلُ هَذَا الجَسَدَ المَلْعُونَ فَقَطْ لِأَعِيشَ أَنَا؟ هَاه، هُووووك…. ضَمِيرِي لَا يَسْمَحُ لِي بِذَلِكَ. لَا دَاعِيَ لِسَمَاعِ المَزِيدِ. لِنَعُدْ يَا لِيُو! كُلُّوك، هُووووك…!°
رُبَّمَا بِسَبَبِ كَلَامِهِ الكَثِيرِ وَهُوَ غَاضِبٌ، تَقَيَّأَ اللُّورْد بِيبربَاتس كَمِيَّةً مِنَ الدَّمِ.
عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ، ابْتَسَمَتِ الدُّوقَةُ بِلُطْفٍ:
°لَا تَقْلَقْ يَا لُّورْد. ذَلِكَ الطِّفْلُ لَا يَمْلِكُ رُوحًا°
°لَا يَمْلِكُ رُوحًا! مَاذَا تَعْنِينَ بِذَلِكَ؟°
سَأَلَ لِيُو الَّذِي كَانَ يَقِفُ بِوَجْهٍ شَاحِبٍ وَكَأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ شَيْئًا.
°ذَلِكَ الطِّفْلُ قَدِ الْتَهَمَ حَاصِدُ الأَرْوَاحِ رُوحَهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ فِي المِنْطَقَةِ الغَرْبِيَّةِ قَبْلَ بضْعَةِ أَشْهُرٍ°
°جَسَدُهُ حَيٌّ لَكِنَّهُ فَارِغٌ مِنَ الدَّاخِلِ. لَمْ تَسْتَطِعْ عَائِلَتُهُ تَحَمُّلَ تَكَالِيفِ العِلَاجِ البَاهِظَةِ فَتَرَكُوهُ فِي المَعْبَدِ، فَقَامَ العَشَرَاتُ مِنْ سَحَرَةِ رُوزبِيلِيير بِالعَمَلِ لِيُبْقُوا أَنْفَاسَهُ فَقَطْ°
أَجَابَتِ الدُّوقَةُ بِهُدُوءٍ ثُمَّ اقْتَرَبَتْ مِنَ اللُّورْد بِيبربَاتس:
°لُّورْد بِيبربَاتس، أَلَسْتَ مُتَأَلِّمًا؟ إِذَا دَخَلْتَ ذَلِكَ الجَسَدَ، فَلَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَزِيدٌ مِنَ الأَلَمِ. وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ أَصْلًا. أَنْتَ لَا تَقْتُلُ كَائِنًا حَيًّا لِتَسْرِقَ جَسَدَهُ°
أَمَامَ هَمَسَاتِ الدُّوقَةِ العَذْبَةِ، اهْتَزَّتْ عَيْنَا اللُّورْد بِيبربَاتس.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً أَمْ لَا.
وَلَكِنْ…فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَرَادَ بِيبربَاتس حَقًّا أَنْ يُصَدِّقَ أَنَّ الطِّفْلَ قَدْ مَاتَ، وَأَنَّهُ فَقَطْ يَسْتَعِيرُ ذَلِكَ الغِلَافَ.
وَهَكَذَا، أَشَعَّ العَمُودُ الأَبْيَضُ ضَوْءًا.
°أُوه، لِيُو….!°
الفَتَى الَّذِي كَانَ مُسْتَلْقِيًا كَالمَيِّتِ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَجْأَةً، ثُمَّ نَهَضَ وَصَرَخَ:
°الآنَ، لَمْ يَعُدْ يُؤْلِمُنِي! لِيُو، يَا ابْنَ أَخِي الغَالِي. يُمْكِنُنِي رُؤْيَتُكَ بِوُضُوحٍ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا! التَّنَفُّسُ أَصْبَحَ سَهْلًا جِدًّا…… يَا لَلْعَجَبِ! شُكْرًا لَكِ، شُكْرًا لَكِ!°
بَدَأَ اللُّورْد بِيبربَاتس، الَّذِي اسْتَقَرَّتْ رُوحُهُ فِي جَسَدِ الفَتَى، يَذْرِفُ دُمُوعَ الفَرَحِ.
°عَمِّي، هَلْ تَرَانِي حَقًّا؟ لَا يُصَدَّقُ!°
نَظَرَ لِيُو بِذُهُولٍ بَيْنَ العَمُودِ الأَبْيَضِ وَالفَتَى الَّذِي أَصْبَحَ الآنَ عَمَّهُ.
°هَلْ تُصَدِّقُ كَلَامِي الآنَ؟°
تَمْتَمَتْ دُّوقَةُ رُوزبِيلِيير وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِابْتِسَامَةٍ رَاضِيَةٍ.
لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَ بَعْدَ رُؤْيَةِ هَذَا المَشْهَدِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ لِيُو يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ مُتَحَمِّسٍ، ذَرَفَتِ الدُّوقَةُ دَمْعَةً وَاحِدَةً.
°سَأَقُولُ لَكَ مَرَّةً أُخْرَى. اسْمِي إِيفِيلِيَانَا. الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ حَبِيبَكَ فِي المَاضِي. لِيُو، يَا حُبِّي… هَذَا الجَسَدُ الآنَ لَيْسَ جَسَدِي. المُعَالِجَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي عَائِلَةِ هِيلدِيريُوز. هَلْ تَتَذَكَّرُهَا؟°
أَمَامَ كَلِمَاتِهَا المُؤَثِّرَةِ، تَبَادَرَتْ إِلَى ذِهْنِ لِيُو تِلْكَ المَرْأَةُ ذَاتُ الشَّعْرِ الأَبْيَضِ وَالعَيْنَيْنِ الحَمْرَاوَيْنِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ.
لَقَدْ كَانَتْ جَمِيلَةً بِشَكْلٍ بَاهِرٍ لِدَرَجَةِ أَنَّ العَيْنَ كَانَتْ تَتَّجِهُ إِلَيْهَا دُونَ قَصْدٍ.
°هَذَا هُوَ جَسَدِي الأَصْلِيُّ. تِلْكَ الشِّرِّيرَةُ سَرَقَتْ جَسَدِي، وَحَطَّمَتْ رُوحَ دُّوقَةِ رُوزبِيلِيير وَسَجَنَتْنِي فِي هَذَا الجَسَدِ. لِيُو، سَاعِدْنِي أَرْجُوكِ. أُرِيدُ اسْتِعَادَةَ جَسَدِي، لَكِنَّهَا تَحْتَ حِمَايَةِ عَائِلَةِ هِيلدِيريُوز وَلَا بِيَدِي حِيلَةٌ°
هَلْ جَسَدُ تِلْكَ المُعَالِجَةِ هُوَ جَسَدُهَا الأَصْلِيُّ؟
حِينَهَا فَقَطْ، بَدَأَ لِيُو يَفْهَمُ كُلَّ مَا قَالَتْهُ إِيفِيلِيَانَا فِي الصَّبَاحِ.
لِمَاذَا قَالَتْ إِنَّهَا كَانَتْ إِمْبِرَاطُورَتَهُ قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ.
‘هَلْ سَتُسَاعِدُنِي فِي اسْتِعَادَةِ جَسَدِي؟’
هَمَسَتْ وَهِيَ تَذْرِفُ الدُّمُوعَ.
وَتِلْكَ الكَلِمَاتُ الَّتِي سَمِعَهَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بَقِيَتْ تَتَرَدَّدُ فِي أُذُنِ لِيُو لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ.
°أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ بِجَانِبِكَ مَرَّةً أُخْرَى. لَيْسَ بِهَذَا الجَسَدِ العجوز، بَلْ بِمَظْهَرِي الأَصْلِيِّ°
التعليقات لهذا الفصل " 105"