اندفعَ نحوي وهو يكيلُ لي شتائمَ لا يمكنُ تخيلُ صدورِها من طفلٍ في الثانيةِ عشرة، وانتهى بهِ الأمرُ بأنْ كشفَهُ المشرفُ وضربهُ ضرباً مبرحاً ثم حبسهُ في غرفةِ العقاب.
يا لهُ من فتىً شرير، إنهُ جزاءُ أفعاله.
عندما تذكرتُ هيئةَ ذلكَ الفتى الممتلئِ وهو يشتمُ ويركل، ارتعشَ جسدي لاإرادياً.
‘لقد كانت رفقتُكَ سيئة، ودعنا لا نلتقي ثانيةً أبداً.’
ودعتُ ذلكَ الفتى في قلبي وداعاً أبدياً، ثم أخرجتُ جذورَ أعشابٍ صغيرةٍ كنتُ قد خبأتُها تحتَ وسادتي.
كانت مجردَ أعشابٍ ضارةٍ يمكنُ رؤيتُها بسهولةٍ في كلِّ أنحاء القارة، لكنها كانت أدويتي الوحيدةَ في حالاتِ الطوارئ.
قد يَعرفُ البعضُ وقد لا يَعرفُ الآخرون، لكنَّ هذهِ الأعشابَ تُعطي مفعولاً قوياً كمسكنٍ للألمِ عندَ تناولِها معاً.
منذُ إقامتي هنا، لم تكن المرات التي تعرضتُ فيها للضربِ المبرحِ واحدةً أو اثنتين، وبما أنهُ لم يهتمَّ أحدٌ بآلامي، كان عليَّ أن أتغلبَ على الألمِ بنفسي.
في دارِ أيتامٍ لا توفرُ الطعامَ أو الماءَ بشكلٍ لائق، من المستحيلِ أن يوجدَ دواء.
وخلالَ ذلك، وجدتُ هذهِ الأعشابَ التي لها مفعولُ المسكن.
أن أضطرَّ لصناعةِ مسكنِ ألمٍ بنفسي لعدمِ وجودِ دواء.
أليستْ حياةً بائسة؟
ابتسمتُ بمرارةٍ في سري وابتلعتُ جذورَ الأعشابِ بسرعة.
كانت رائحةُ العشبِ المرةُ وملمسُهُ الخشنُ يملآنِ فمي مما أشعرني بالنفور، لكنَّ الوقتَ لم يكن مناسباً للتدقيقِ في هذهِ الأمور.
ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأَ الألمُ الحادُّ الذي كان يسببُ الأنينَ يتلاشى تدريجياً.
كان هناكَ وجعٌ مستمر، لكنهُ لم يكن لدرجةِ منعي من الحركة.
كان عليَّ النهوضُ بسرعةٍ لأنَّ الوقتَ قد تأخرَ أكثرَ مما توقعت.
نهضتُ بهدوءٍ واقتربتُ من البابِ مع كتمِ أنفاسي قدرَ الإمكان.
نظرتُ بحذرٍ من خلالِ ثقبِ المفتاح، فرأيتُ رجلاً ضخماً ملقىً على أرضيةِ الممرِّ المظلم.
“كـركركر،…! فـيووو… .”
يبدو أنهُ أكلَ كثيراً اليوم، فكانت بطنُهُ التي تشبهُ جبلَ “نامسان” تتحركُ صعوداً وهبوطاً.
الآن هو الوقتُ المناسب.
أخرجتُ قضيباً حديدياً صغيراً مقوساً كنتُ قد خبأتهُ في ملابسي.
الفرصةُ هي اليومُ فقط.
أخذتُ نفساً عميقاً ثم أدخلتُ القضيبَ الحديديَّ في ثقبِ المفتاحِ وأدرتهُ يميناً ويساراً.
يدايَ اللتانِ امتلأتا بالكدماتِ بسببِ الضربِ بالعصا الغليظةِ لم تتحركا كما أريد، فدارَ القضيبُ في الفراغِ عدةَ مرات.
شخصٌ عاديٌّ اعاني من العملِ يومياً ولا افكرُ إلا في العودةِ للمنزلِ بمجردِ وصولي للدوام.
هوايتي كانت تصفحَ رواياتِ الويبِ على الهاتفِ أثناءَ الاستلقاءِ على السريرِ بعدَ العمل.
في وقتٍ ما، مارستُ الرياضةَ والرسم، وذهبتُ لاستكشافِ المطاعمِ الشهيرةِ مع الأصدقاء، وكانت لديَّ هواياتٌ عديدة، لكنْ مع تداخلِ جائحةِ كورونا والعملِ الإضافيِّ المستمرِّ الذي لا ينتهي، لم يتبقَ لي سوى القراءةِ كهوايةٍ ومتعةٍ وحيدةٍ في الحياة.
فكرِي في الأمر.
إذا كنتِ تعودينَ للمنزلِ في العاشرةِ ليلاً وتذهبينَ للعملِ في التاسعةِ صباحاً، أيُّ نوعٍ من الهواياتِ يمكنكِ ممارستُه؟
كان عالمُ الرواياتِ الذي أراهُ عبرَ الهاتفِ وأنا مستلقيةٌ بهدوءٍ تحتَ اللحافِ الدافئِ هو عزائي الوحيد.
وفي ذلكَ اليومِ المنحوسِ أيضاً، عدتُ بعدَ العملِ بجسدٍ منهكٍ واستلقيتُ على السريرِ أقرأُ روايةَ ويب.
أيُّ معجبٍ بهذا النوعِ من الرواياتِ سيتوقعُ القصةَ بمجردِ رؤيةِ العنوان.
بطلةٌ من طبقةِ النبلاءِ تموتُ بعدَ أن لُفقتْ لها تهمةٌ من قِبلِ الشريرة، فتعودُ بالزمنِ وتبرمُ زواجاً تعاقدياً مع البطل، ثم تنتقمُ وتجدُ الحب.
لقد كانت روايةً من نوعِ “العودةِ بالزمن” الشائع.
قصةُ انتقامٍ مريحة لبطلةٍ تزدادُ قوةً مع توالي الفصولِ حتى تصبحَ خارقة.
بالإضافةِ إلى البطلِ الذي كان يبدو مضطرباً ومجنوناً بعضَ الشيءِ لكنهُ لطيفٌ فقط مع امرأته، والتفاعلِ الممتعِ بينَ أفرادِ عائلةِ البطلةِ الذين يغمرونَها بالحب.
لقد كانت روايةً قرأتُها مراتٍ ومرات، بل واشتريتُ النسخَ المطبوعةَ أيضاً.
وليسَ هذا فحسب، بل اشتريتُ كلَّ السلعِ التي أصدرتْها دارُ النشرِ لكي تصبحَ الكاتبة غنيةً، مما جعلَ حسابي البنكيَّ فارغاً.
روايةٌ كهذهِ يصدرُ لها فصلٌ جديد؟ بالطبعِ كمعجبةٍ وفيةٍ لم يكن لديَّ خيارٌ سوى الشراء.
وفي اللحظةِ التي ضغطتُ فيها على الأيقونةِ بقلبٍ يخفق، تمَّ تجسيدي كما أنا في شخصيةٍ داخلَ روايتي المفضلة.
في مَن تجسدتُ؟
العودةُ بالزمن، الانتقام، الزواجُ التعاقدي، عائلةٌ محبة، التجسدُ في كتاب… مع ظهورِ كلِّ هذهِ الكلماتِ المفتاحية، ما الذي تبقى؟
لقد كان “التجسدُ في دورِ الشريرة” الشائعُ جداً.
نعم. لقد تجسدتُ الآن في دورِ الشريرةِ داخلَ روايتي المفضلة.
هنا، لو كنتُ قد تجسدتُ في شخصيةِ شريرةٍ تحملُ مروحةً وتضحكُ “هو هو هو” وتضايقُ البطلةَ مع أتباعِها، أو شريرةٍ تغارُ من حبِّ البطلِ فتعترضُ طريقه، لكنتُ قد قبلتُ بالأمر.
فبمجردِ أن يحينَ وقتُ رحيلي، كنتُ سأعتذرُ بصدقٍ وأختفي عن أنظارِ الأبطالِ للأبد.
لكنَّ الشخصيةَ التي تجسدتُ فيها… لم تكن شريرةً بهذا المستوى اللطيف.
لقد كانت مُختلة تشعرُ بالنشوةِ عندَ تعذيبِ الناسِ وقتلهم، واستدعت الشياطينَ لتغرقَ القارةَ في بحرٍ من الدماء، لقد كانت باختصار: المحركُ الخفيُّ النهائي! ومحورُ الشر! والشرُّ بحدِّ ذاته!
في النهاية، دُمِّرَ عالمُ الروايةِ تماماً على يدِ هذهِ الشريرةِ السادية.
وكانت تلكَ هي المشكلةُ الكبرى التي واجهتني.
لأنَّ العالمَ المدمرَ عادَ بالزمنِ نحو عشرِ سنواتٍ إلى الوراء بفضلِ قوةِ البطلة.
وأنا تجسدتُ تماماً في مرحلةِ طفولةِ تلكَ الشريرةِ في هذا العالمِ الذي عادَ بالزمن.
‘لماذا تجسدتُ في هذهِ الفترةِ بالذات!’
لو كان التجسدُ قبلَ العودةِ بالزمن، لكنتُ أصبحتُ شريرةً أصلحتْ من نفسِها وعاشتْ بسعادةٍ مع البطلة.
وما هي النهايةُ المتبقيةُ لي؟
للأسف، لم يكن هناكَ سوى موتٍ مروعٍ بالحرقِ حيةً على يدِ الأبطالِ الذين أصبحوا خارقين بعدَ عودتهم بالزمن.
التعليقات لهذا الفصل " 1"