سيّد البرج السحري الجديد في الشمال.
إقليم نقابة بيندون.
امتلأ المكان بعواء السَّحَرة المتألّم.
“جرح البجعة هنا عميق! نحتاج إلى دعم!”
“هل يوجد مَن تعلّم على الأقلّ سحر المانا للعلاج الأوّلي؟”
“ليأتِ أحدهم ويمسك بهذا!”
لم تكن الجروح العميقة وحدها المشكلة، بل إنّ عدم تعاون السَّحَرة أرهق آني حدّ الإنهاك.
لولا دعم قوم الأوبوم، لكانت قد سقطت طريحة الفراش منذ زمن، لو اضطرت لمعالجة هذا العدد وحدها.
“هَي، لَن يعضّني، أليس كذلك؟”
قالت آني، بعد أن أنهت لتوّها علاج القنفذ، وهي تلتفت إلى الدبّ الأسود الذي يلهث بخشونة.
“…….”
كان ضخمًا.
ضخمًا ومهيبًا.
رغم إصابته، كانت قوّة المانا المنبعثة منه طاغية إلى حدّ يفوق آني نفسها.
لم تستطع تصديق أنّ مثل هذا الوحش قد ساعد لوسي.
“لا بأس.”
قال المعالج من قوم الأوبوم الواقف بجانبها.
“بما أنّهم باتوا يعتبروننا حلفاء، فلَن يهاجموا ما لَمْ نبدأ نحن.”
قال ذلك وهو يعالج جروًا صغيرًا، ما أفقد كلماته أيّ مصداقيّة.
“وإن لامستُ دون قصد موضعًا يؤلمه أثناء العلاج؟”
“هاهاهاها، على الأرجح سيكون الأمر بخير.”
لا تضحك.
أنا الآن في أخطر وضع.
هل جميع قوم الأوبوم متفائلون هكذا؟
ومع ذلك، كان زعيمهم، عِملاق البحر، الذي تكلّف الحضور بنفسه، ذا ملامح متجهّمة.
ألقت آني نظرةً على تريتون وداميان، اللذين كانا يتحدّثان سرًّا في الجهة المقابلة من المبنى الرئيسي.
‘لا بدّ أنّهما يقلقان على لوسي.’
فقد كان التجهّم على وجهيهما مخيفًا.
—
“إنقاذ السَّحَرة كان حظًّا حسنًا، لكنّنا لَمْ ننقذ لوسي.”
قال تريتون، وقد غاصت ملامحه كأعماق البحر.
“لو لم تقع في يد السحرة، لكان بالإمكان إنقاذها بأيّ طريقة.”
“ما مضى قد مضى.”
نظر تريتون إلى القائد داميان، الذي ردّ ببرود.
“الإفراط في التفكير لا يجلب سوى الصداع، فلننظر إلى الأمام.”
تلقّى تريتون رسالةً تفيد بأنّ لوسي في خطر، فجاء بنفسه إلى هنا للقاء داميان.
كان داميان، خلافًا لما بدا عليه في الرسائل، فظّ الكلام وسريع الغضب.
ومع ذلك، تولّى بنفسه نشر الاستطلاع في أرجاء إقليم أوهان، ما يدلّ على حرصه على لوسي.
وبفضله أُنقذ السَّحَرة، لكنّ الأهمّ ضاع.
أوّل مَن عجز عن كبح غضبه عند معرفة ذلك كان داميان نفسه.
في الليلة الماضية، كان وجهه مخيفًا إلى درجة أنّ أحدًا لم يجرؤ على مخاطبته.
“إن كان من أمرٍ إيجابيّ، فهو أنّ تلك القوّة المهدِّدة التي كانت تُشعَر في أوهان قد اختفت.”
قال تريتون، محاولًا إخفاء كآبته.
“أعلم.”
أجاب داميان.
“لا بدّ أنّ لوسي هي مَن فعلت ذلك.”
“أتظنّ ذلك حقًّا؟”
“لا يوجد مَن قد يُقدِم على فعلٍ أحمق كهذا غيرها، غير آبهةٍ بحياتها.”
“أحمق؟”
مال تريتون برأسه، غير فاهمٍ الكلمة.
“لا يوجد سوى طريقٍ واحد لإنقاذ لوسي.”
تنفّس داميان بعمق.
بما أنّه قد سلّ سيفه، فالاكتفاء بالمراقبة وفق رسالة لوسي قد انتهى.
كان بحاجة إلى قدرة ذلك الشخص الذي اختفى بلا أثر لثلاثة أشهر.
“علينا استدعاء ذلك الوغد، لا، رافين.”
“بالمناسبة، كنتُ أتساءل منذ فترة.”
قال تريتون.
“أين رافين الآن؟ لَمْ يكن ليقف متفرّجًا في مثل هذا الوضع.”
“آه، ألَمْ أخبرك؟ ذاك الوغد كان يسعى ليكون فتىً صالحًا يطيع النونا الخاصة به، فذهب إلى برج السحر في الشمال—”
“سيدي القائد!”
ركض جيمي وهوغا من بعيد، يلوّحان بجريدة.
“انظر إلى هذا! يبدو أنّ رافين ارتكب مصيبة!”
“رافين؟”
تساءل تريتون مرّةً أخرى عن الكلمة الغريبة المضافة للاسم.
خطف داميان الجريدة من يد جيمي.
【سيّد البرج السحري الجديد في الشمال!
رافين، ساحر شابّ في الثانية والعشرين من عمره، من أصولٍ عامّيّة غير نبيلة، يصبح السيّد الجديد لأحد الأبراج السحريّة الأربعة، برج الشمال.
خلال ثلاثة أشهر فقط من انضمامه إلى البرج، أظهر قدراتٍ استثنائيّة…… (اختصار)……
وهو إنجاز لا يحدث إلّا في برج الشمال الذي لا يعترف إلّا بالقوّة، ومع ذلك فهو أمرٌ غير مسبوق حتّى في تاريخ البرج الممتدّ لألف عام.】
“لقد أحدث ضجّةً حقيقيّة.”
تمتم داميان.
هل هذا الفتى مجنون حقًّا؟
قلتُ له أن يصبح سيّد برج، لكنّي لَمْ أتوقّع أن ينجح فعلًا.
ومع ذلك، كان في الأمر جانبٌ إيجابيّ.
إن كان الخبر صحيحًا بلا مبالغة، فرافين، بوصفه سيّد البرج، يملك القدرة والسبب الكافي للذهاب إلى أوهان.
وبذريعة دعمه، يمكن لنقابة بيندون وقوم الأوبوم مهاجمة قصر أوهان دون اعتراض.
غير أنّ هناك مشكلةً واحدة……
“إذًا، أين هذا الوغد الآن؟”
—
-دوم!
ما هذا الصوت؟
-دوم!
“…….”
فتحتُ عينيّ من نومٍ خفيف على أرضٍ باردة.
-دوم!
ها هو مجدّدًا.
سمعتُ صراخ كلاب الحراسة وعويلًا صاخبًا.
لم يكن وهمًا، بل صوتًا غريبًا متعجّلًا.
‘……إذًا.’
هل يمكن أن تكون السَّحَرة الذين هربوا قد عادوا لإنقاذي؟
ذلك سيكون فعلًا أحمق، أحمق جدًّا.
قفزتُ واقفة، وتمسّكتُ بالقضبان الصغيرة لأتطلّع إلى الخارج.
كان جدار الجناح الشرقيّ الصلب يحجب الرؤية تمامًا.
يا لها من غرفةٍ ذات منظرٍ عبقريّ.
-بووم! كررر! دوم!
وضعتُ أذني على الأرض.
هذا صوت انفجار.
هل اقتحم قوم الأوبوم المكان بعد إنقاذ السَّحَرة بالأمس؟
“حتّى لو لم يكن الأمر متعلّقًا بالمعدن، إن احتجتَ إلى قوّة الأوبوم فأخبرني.
كما أنقذتَ قومنا، يمكننا نحن أيضًا أن نكون قوّتك.”
كان ذلك محتملًا.
……الجميع مجانين.
لا بدّ من التصرّف.
“مرحبًا!”
فتحتُ نافذة التوزيع الصغيرة وصرخت.
“هل هناك حفلة في الخارج؟”
“…….”
“أنتَ تسمعني، أليس كذلك؟ ما الذي يحدث؟”
لم يأتِ جواب.
كنتُ أنا الساذجة التي توقّعت ردًّا.
“……سيّد البرج السحري قد وصل.”
وصلني صوتٌ خافت وأنا على وشك إغلاق النافذة.
“ماذا؟ مَن؟”
“هذا ليس من فعل الآنسة أيضًا، صحيح؟”
سيّد البرج؟
فعلي أنا؟
كلامٌ فارغ.
-كواااانغ!
دوّى انفجارٌ قويّ لدرجةٍ اهتزّ معها المكان الذي أنا فيه.
التفتُّ نحو النافذة مرّةً أخرى، ولاحظتُ أمرًا غريبًا.
‘سيّد البرج لَن يكون من قوم الأوبوم.’
هل وُجد في الأوبوم أصلًا مَن يملك هذه القوّة؟
‘لا، لا يوجد.’
قوّتهم الأساسيّة هي المانا الزرقاء القائمة على الماء.
حتّى هجماتهم تكون أمواجًا أو دوّامات، لا انفجارات.
وحتّى لو كان من نقابة بيندون، فهم يعتمدون على الأورا أو السيف، لا المانا.
لكن ما أسمعه الآن قوّة مانا صريحة، سحر خالص.
-دوم!
والأسوأ أنّ الصوت يقترب.
“أوقفوه! كم عددهم؟ ما سبب قدومهم إلى أوهان؟ لماذا يهاجمون؟ هل كُشِف أمر الأنبوب الزجاجي؟”
وصلني صوت ساحر يصرخ من الطابق السفلي.
“لا نعلم! العدد الذي تمّ رصده حتّى الآن…… شخص واحد!”
هل أخطأتُ السمع؟
شخص واحد؟
أمرٌ لا أفهمه يجري هنا.
-دوم!
الانفجارات والصراخ يقتربان أكثر.
“آه!”
“وصل!”
‘لماذا يأتي سيّد البرج؟’
بل،
يمكنه أن يأتي.
إن كانت الأبراج قد علمت بأمر الأنبوب الزجاجي.
فذلك الدواء يُعدّ محظورًا وخطيرًا.
ومع ذلك، لا سبب يدعو للوصول إلى البرج الخلفيّ حيث أُحتجز.
وفي تلك اللحظة، اختفى وجود الساحر الذي كان يحرس الباب، كأنّه ذهب طلبًا للدعم.
“انتظر!”
أتهربون وتتركونني؟
أخرجوني معكم، أيّها الأوغاد!
“هيه!”
“…….”
وبينما كنتُ ألعنهم، هبّت من خلفي نسمةٌ عليلة.
“…….”
تجمّد جسدي كلّه.
كان هناك عطرُ عشبٍ باردٍ مألوف.
كيف لي أن أنسى هذا العطر؟
خفقان قلبي كان واضحًا إلى حدّ مؤلم.
تدفّق الزمن ببطء، متحدّيًا قوانين الفيزياء.
“…….”
هل هذا حلم؟
أم واقع؟
في الحقيقة، حياتي كانت دومًا سلسلةً من المفاجآت.
على سبيل المثال،
استدرتُ ببطء.
“لوسي.”
منذ أوّل لقاءٍ بذلك الرجل.
“جئتُ لآخذكِ، يا لوسي.”
ثلاثة أشهر من السَّجن.
إقليم أوهان مشهور بحصانته المطلقة.
مكانٌ لَمْ يكن من السهل الهرب منه، حتّى لثلاثين سَحَرًا من النخبة.
قيل إنّ شخصًا واحدًا قلب ذلك السهل الواسع رأسًا على عقب،
لكنّي لَمْ أتوقّع أن يكون ذلك المجنون هو رافين.
“إنّه أنا، رافين.”
“حقًّا.”
احمرّت عيناه حين تلاقى نظرنا، وبصعوبة فتح شفتيه.
“…….”
“حقًّا، كنتُ أشتاق إليكِ كثيرًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 70"