أشعرُ بالوَحدة إنْ لَمْ تكونَ هنا.
“…….”
نسيَ رافين حتّى كيف يتنفّس، وهو يُركّزُ نظرَهُ على خطِّها.
رغم أنّهُ يقرأُ كلماتٍ مكتوبة، إلّا أنّ صوتَ لوسي بدا كأنّهُ يهمسُ بجانبهِ مباشرةً.
【تفاجأتَ لأنّي اختفيتُ فجأة، أليس كذلك؟
في الحقيقة، أنا الآن لستُ في نقابةِ بيندون، بل أمكثُ مؤقّتًا في مكانٍ آخر.】
مكانٍ آخر؟
تصلّبتْ ملامحُ رافين في الحال.
باستثناءِ نقابةِ بيندون، لم يكنْ هناكَ مكانٌ آخر قد تذهبُ إليهِ لوسي.
‘هل ذهبتْ إلى تريتون؟’
تذكّرَ رافين وجهَ ذاك الوقح الذي تجرّأ على التقدّمِ للوسي طالبًا يدَها.
اشتعلَ الغضبُ في صدرِه حتّى كادَ يتقيّأ.
【في الحقيقة، بعد انتهاءِ الحفلةِ أردتُ أنْ أركضَ إليكَ فورًا،
لكنّ ظرفًا طارئًا كبيرًا وقعَ فجأة، فلم أستطعِ المجيءَ.
أنا آسفة لأنّي لم أُخبركَ مُبكّرًا.
لكن لا شيء يدعو للقلق، فالأمرُ بسيط.
ما إنْ ينتهي كلُّ شيء، سأعودُ إلى النقابة.
أعدُك.】
في تلكَ اللحظة، فعَّلَ رافين تعويذةَ التتبّع التي ظلَّ يتردّدُ في استخدامها.
‘……تبًّا.’
لكنّ موقعَ لوسي لم يظهر.
بدا وكأنّ أحدًا ما قطعَ التتبّعَ عمدًا.
كانتْ تعويذةً قويّة، وقطعُها لا يقدرُ عليهِ إلّا ساحرٌ عظيم أو شخصٌ بالغُ المهارة.
ومع ذلك، تقولُ إنّها بخير؟
لا يُمكنُ تصديقُ ذلك.
كانتْ دائمًا تقولُ إنّها بخير، ثمّ تتحمّلُ كلَّ شيءٍ وحدَها.
والمرّةُ هذهِ على الأرجحِ ليستْ استثناءً.
أعادَ رافين نظرَهُ إلى الرسالة.
لابدَّ أنْ يكونَ فيها خيطٌ يقودُ إليهِا.
【وكان هناكَ شيءٌ أردتُ قولَهُ لكَ وقتَها،
لكن بما أنّ الظروف لم تسمح، فسأقولهُ في هذهِ الرسالة.】
‘خيط…’
【أنا أحبُّك.】
الخيطُ……
【وأشعرُ أنّي سأكونُ وحيدةً إنْ لم تكنْ بجانبي، يا رافين.】
“…….”
【أتمنّى أنْ تبقى دائمًا إلى جانبي.】
“هل أنتَ فعلًا بخير؟”
وخزَ جيمي رافين وهو شارد.
قبلَ قليلٍ كان وجهُهُ كوجهِ شخصٍ داخلِ تابوت، أمّا الآن فقد بدأَ يغرقُ تدريجيًّا في نشوةٍ غريبة.
هل جنَّ هذا الرجل فعلًا؟
‘ما الذي يحدثُ بالضبط؟’
تنفّسَ جيمي بعمقٍ وزفرَ تنهيدةً طويلة.
غيابُ لوسي عن نقابةِ بيندون جعلَ الأيّامَ قاتمةً ومملّة.
عندما جاءَ قومُ الأوبوم حاملين رسائلَ لوسي، شعرَ بقليلٍ من الأمل، لكنّ الرسائل كانتْ لرافين وداميان فقط.
‘وأنا أيضًا أصنعُ لها قوسًا جديدًا من خامٍ ثمين.’
بينما كان جيمي يشعرُ بالإحباط، هدّأ رافين ارتجافَ قلبِه، وأكملَ قراءةَ الرسالة.
【وهناكَ أمرٌ أودُّ أنْ أطلبَهُ منك، يا رافين.】
قرأَ الكلماتِ واحدةً واحدة، وكأنّهُ ينقشُها في روحِه.
【لديكَ موهبةٌ في السحر.
وأتمنّى أنْ تُصبحَ ساحرًا عظيمًا، يُجِلُّهُ الجميع.
لذا، اذهبْ إلى برجِ السحرة، يا رافين.
هناكَ ستجني الكثيرَ من المال،
وحينها ستشتري لي الكثيرَ من اللحم، أليس كذلك؟】
سبَّ رافين نفسَهُ لأنّهُ تجرّأ يومًا على لومِ لوسي.
【لكن تذكَّرْ هذا جيّدًا، يا رافين.
مهما فعلتَ، وأينما كنتَ، سأكونُ دائمًا إلى جانبك.】
كان هو من هربَ دونَ أنْ يُحادثَها بصدق، بدافعِ الخوف.
وكان هو من أدارَ ظهرَهُ لها أوّلًا.
【لوسي التي تُحبُّك.】
انفرجَ صدرُ رافين، وعادَ نَفَسُهُ أخيرًا.
‘أنتِ…… جبانة.’
وكعادتِه، بسببِكِ أُصبحتُ ضعيفًا.
【ملاحظة!
لا تقلق!
ولا تفكّرْ أنّي لا أُحبُّك!
تذكّرْ هذا جيّدًا، يا رافين!】
وكانَ سعيدًا.
تلألأتْ عيناهُ بصفاء،
وانقشعَ الظلامُ عن وجهِه،
وامتلأ جسدُهُ بطاقةٍ تجعلهُ قادرًا على الركضِ عشرَ دوراتٍ دونَ تعب.
راقبَ جيمي هذا التحوّلَ لحظةً بلحظة، ونقرَ لسانَه.
مجنون.
هو أيضًا كان يُحبُّ لوسي، لكنّ هذا الرجلَ… حالةٌ خاصّة.
“إلى أين تذهب؟”
سألَ جيمي وهو يرى رافين يُخبّئ الرسالةَ في صدرِه ويتحرّك.
“إلى النقابة.”
“هل تعرفُ أينَ لوسي؟”
سألَ جيمي بذهول.
“قلتَ إنّ هناكَ شخصًا يعرف، أليس كذلك؟
قليلٌ من التهديد، وسينفتحُ ذلكَ الفمُ الثقيل.”
“قلتُ أنا؟
ومن تقصدُ بالضبط……”
توقّفَ جيمي، ثمّ شحبَ وجهُه حينَ أدركَ المقصود.
—
“سيّدي القائد!
هناكَ شخصٌ قادم!”
صرختْ آني وهي تنظرُ من النافذة.
حصانٌ واحدٌ شقَّ الريحَ بعنفٍ واخترقَ بوّابةَ نقابةِ بيندون.
-هيييييينغ!
سحبَ رافين اللجامَ بقوّةٍ عندَ اقترابِه من المبنى الرئيسيّ.
وما إنْ خفَّتِ السرعة، قفزَ عن الحصان ودخلَ المبنى.
وقعُ خطواتِه الثقيلة جعلَ الأعضاءَ يتجمّدونَ في أماكنِهم، عاجزينَ عن مخاطبتِه.
-بااانغ!
فتحَ بابَ مكتبِ القائد بعنف.
تفحّصَ الداخلَ ببطء.
لا ضيوف،
ولا مساعد،
ولا لوسي.
كانتْ آني وحدَها قربَ رفوفِ الكتب،
ووجودُها هنا بدلَ غرفةِ العلاج لم يكنْ يعني سوى شيءٍ واحد.
“أينَ القائد الآن؟”
أشارتْ آني المرتجفةُ إلى الداخل.
“فـ، في المكتبة…….”
لم يتردّدْ رافين.
فتحَ البابَ دونَ طرق.
رأى رجلًا أشقرَ منهارًا فوقَ المكتب،
وقد أنهكَهُ العملُ المتواصل.
ومع ذلك، كانتِ الأوراقُ والتقاريرُ مكدّسةً بلا نهاية.
“من هذا الأحمق الذي يقتحمُ المكانَ دونَ طرق……”
خرجَ صوتٌ واهن.
“القائد.”
رفعَ داميان رأسَه عندَ سماعِ ذلكَ الصوتِ المكروه.
“……تبًّا،
ها قد عدتَ أخيرًا.”
“أينَ لوسي؟”
ضحكَ داميان بسخرية.
اختفى شهرًا كاملًا،
ثمّ يأتي الآن مهدّدًا بدلَ أنْ يعتذر.
“بل أنا من يجبُ أنْ يسأل.
ماذا كنتَ تفعلُ طوالَ هذا الوقت؟”
“……سمعتُ أنّ لوسي مفقودة.”
ضيّقَ داميان ما بينَ حاجبَيه.
“الآن فقط عرفتَ؟”
“…….”
“غريب.
كنتُ أظنُّ أنّ سببَ اختفائكَ هو البحثُ عنها.”
“أينَ هي.”
لم يعدْ رافين يحتملُ الشرح.
“أنتَ مطرود.”
قالها داميان وهو يعتدلُ في جلستِه.
“لا أعلمُ أينَ كنتَ، لكنّك تلقّيتَ رسالةً منها.
اذهبْ إلى برجِ السحرة.”
“لماذا.”
“ألا ترى؟
رغم أنّها هدّأتْك بالرسالة، ما زلتَ تفقدُ أعصابكَ فورًا.
ماذا تتوقّعُ أنْ تفعلَ بهذهِ الحالة؟”
نظرَ داميان إلى قبضةِ رافين المرتجفة.
كادَ يُحطّمُ المكتبَ بها.
لكنّ داميان نفسهُ كان غاضبًا.
الإرهاقُ ينهشُهُ،
والقلقُ على لوسي يمنعُهُ من النوم.
رغم تعاونهِ مع قومِ الأوبوم لإيصالِ رسائلِها،
لم يحدثْ أيُّ تقدّم.
【سيّدي القائد.
أوهان يعرفُ أنّي مساعدةُ نقابةِ بيندون.】
تذكّرَ داميان رسالةَ لوسي.
【إنْ تحرّكنا بتهوّر، سيتأثّرُ الأمرُ بالنقابةِ وأعضائِها.
لا تقلقْ عليَّ،
وأرجوكَ أبقِ هذا الأمرَ سرًّا عن رافين.】
حتّى في هذهِ اللحظة، كانتْ تقلقُ بشأنِ ذلكَ الأحمق.
【وقد يكتشفُ أوهان أمرَ رافين،
لذا رجاءً، هدّئهُ وأرسلهُ إلى برجِ السحرة قبلَ ذلك.】
وفي النهاية، أخبرتهُ أنّها قد لا تعرفُ متى ستنجحُ في الهرب،
وأنّ هذا قد يجرُّ الخطرَ على بيندون،
ولذلك ستتركُ منصبَها كمساعدة.
【شكرًا لكَ على كلِّ شيء، سيّدي القائد.】
‘من سمحَ لكِ؟’
فكّرَ داميان.
من سمحَ لكِ أنْ تأتي وتغادري كما تشائين.
“أوهان؟”
قطعَ سؤالُ رافين الحادّ أفكارَه.
ورغمَ رغبتهِ في الكذب،
فإنّ نظرةَ رافين أكّدتْ أنّهُ توصّلَ إلى الحقيقة.
تنفّسَ داميان بعمقٍ.
“نعم.”
“…….”
التعليقات لهذا الفصل " 63"