رسالة لوسي.
الضوءُ الوحيدُ في عالمٍ مُنهَك
لوسي.
لقد مرَّ وقتٌ طويل.
أنا…
أريدُ أنْ أموت.
عشرةُ أيّام، أو شهرٌ تقريبًا.
المكانُ الذي لا تكونين فيهِ، فارغٌ وساكن.
“…….”
لقد حقَّقتُ كلَّ شيء، لكنّ الألمَ خانق.
رافين قضى وقتًا بلا معنى في كوخٍ مظلم، لا يدخلُهُ شعاعُ نورٍ واحد.
“…….”
بعد أنْ أحرقَ عائلةَ تولدا، عادَ مُجدَّدًا إلى القريةِ الغربيّة.
لا يعلمُ على وجهِ الدقّة كم مرَّ من الأيّام بعد ذلك، لكنّ ما كان متيقّنًا منه أنّ العقوبةَ قد انتهت، وأنّ لوسي لم تأتِ.
حتّى رسائلُها التي كانت تصلُ بانتظامٍ، انقطعتْ تمامًا بعد اعترافِه.
‘لوسي.’
شدَّ على أضراسه.
كان وجهُهُ خاليًا من أيِّ لون، لا يحملُ إلّا البؤسَ والفراغ.
‘لم يكنْ عليكِ أنْ تنفرِي هكذا.’
هو يعترفُ أنّهُ كان مُتسرّعًا.
الاعترافُ جاءَ فجأة.
‘هل كنتُ مكروهًا إلى هذا الحدّ؟’
ومع ذلك، بدا لهُ مضحكًا حدَّ السخريّة أنّهُ عجزَ عن قطعِ عنقِ تولدا، فقط لأنّهُ خشيَ أنْ تتركهُ لوسي إلى الأبد.
وبدلًا من ذلك، اختفى عقلُهُ الذي كان يُنظّمُ مشاعرَه، ولم يبقَ إلّا قلبٌ أجوف يملأُ صدرَهُ ورأسَه.
كان هذا مرضًا لا شفاءَ منه.
مرضًا خبيثًا ينهشُ قلبَهُ طوالَ حياته ويُعذّبه.
مرضًا كان ينبغي أنْ يُصابَ بهِ قبلَ أربعِ سنوات، لكنّ وجودَ لوسي أخَّرهُ مؤقّتًا.
وسيعيشُ هكذا إلى الأبد.
إلى الأبد……
“عفوًا.”
فُتحَ بابُ الكوخ.
دخلتْ امرأةٌ شابّة من أهلِ القرية، تحملُ معها كالعادةِ حساءً ساخنًا.
“إنّهُ حساء.”
نظرتْ إلى الوعاءِ الذي قدّمتهُ بالأمس.
كان باردًا كالجليد، ولم ينقصْ منهُ شيء.
شعرتْ بخيبةٍ داخليّة، لكنّها لم تُظهرْها.
“……هل يُمكنني الجلوسُ بجانبك؟”
حتّى وإنْ لم يأكلِ الحساء، ظلَّ رافين مقيمًا في هذا المكان.
وكانتْ هذه الحقيقةُ وحدَها تمنحُ المرأةَ عزاءً وأملًا كبيرين.
“رافين، هل هناكَ شخصٌ تُحبّه؟”
سألتْ بخجل.
“إنْ كانَ السؤالُ صعبًا، فلا بأسَ ألّا تُجيب.”
“لكن… لماذا تظلُّ مقيمًا في قريتنا؟”
كانتْ تظنُّ أنّ الحديثَ معهُ تدريجيًّا سيفتحُ قلبَه.
“……لوسي.”
“نعم؟”
ما إنْ خرجَ الاسمُ من فمِه، حتّى تكسّرَ صوتُه، فارتجفتِ المرأةُ فزعًا.
“…….”
تذكَّرَ رافين لوسي وداميان.
هل كانتْ لوسي تُحبُّ القائد؟
رغم أنّها كانتْ تقولُ إنّها لا تحبّه، إلّا أنّ انسجامَها معهُ كان واضحًا.
وإنْ لم يكنْ هو، فربّما كان هناكَ شخصٌ آخر في النقابة.
نقابةُ بيندون كانتْ تضمُّ رجالًا أكثرَ بكثيرٍ من النساء.
خصوصًا أولئكَ الفرسان المقزّزين الذين كانوا يحدّقونَ بالنساء بنهم، ويسيلُ لعابُهم إذا مرَّتْ لوسي.
تخيّلَ أحدَهم يُغري لوسي، يحتكرُ حبَّها، ويُقبّلُها في مكانٍ خفيّ……
أرادَ رافين أنْ يموتَ في مكانِه.
أو أنْ يفقأَ عيني الرجلِ الذي امتلكَ لوسي، ويُهديهما للغربان.
قطَّبَ حاجبَيهِ وأمسكَ برأسِه.
‘كلُّ هذا بسببكِ.’
أنا الذي ضعُفتُ.
لكنْ لو تصرَّفَ بدافعِ الغضب، فقد تكرههُ لوسي أكثرَ ممّا تفعلُ الآن.
ابتسامتُها التي عرفَها ستختفي، وستنظرُ إليهِ بازدراء، وتطردهُ بكلماتٍ قاسية.
“في قريتنا نساءٌ غيرُ متزوّجاتٍ كثيرات، وهناكَ من ترغبُ بالزواجِ منك.”
قالت المرأةُ بتردّد، بعدما لاحظتْ تغيّرَ ردّةِ فعلِه.
الزواج.
تخيّلَ رافين رجلًا يتزوّجُ لوسي، وينجبُ منها أطفالًا.
ورغم الألم، ظلَّ هذا المشهدُ اللعينُ يتكرّرُ في ذهنِه.
“ما رأيكَ أنتَ؟”
لكنّ رافين، بدلَ الإجابة، ظلَّ يُردّدُ اسمَ لوسي كالببغاء.
كان يريدُ أنْ يذهبَ فورًا إلى نقابةِ بيندون ليراها، لكنّهُ كان خائفًا.
فإنْ استمرَّتْ في دفعِه بعيدًا حتّى بعدَ زوالِ تولدا، فلن يستطيعَ تحمّلَ ذلك.
‘……لماذا أنقذتِني في ذلكَ اليوم؟’
وسهامُ اللومِ عادتْ لتُصيبَ لوسي.
‘لو لم تبتسمي لي هكذا، لما وصلتُ إلى هنا.’
إنْ كنتِ ستُحسنينَ إليَّ بهذا القدر، فكان عليكِ أنْ تبقي بجانبي إلى الأبد.
ألّا تدفعيني بعيدًا وتغادري.
‘أنا أكرهكِ.’
أكرهكِ حقًّا.
لا بأسَ إنْ لم تُحبّيني.
لا بأسَ إنْ لم تعشقيني.
لا بأسَ إنْ لم تُقبّليني، ولم تقولي إنّكِ تُحبّينني.
يكفيني فقط… أنْ تبقي بجانبي.
-هيييي!
في تلكَ اللحظة، سُمعَ صهيلُ حصان.
رفعَ رافين رأسَهُ عند الإحساسِ بهالةٍ مألوفة، وثبّتَ نظرَهُ على الباب.
لوسي؟
كان يتشبّثُ بأيِّ خيطِ أمل، لكنّهُ أدركَ سريعًا أنّ القادمَ ليسَ لوسي، فخيّبتْهُ الحقيقة.
“رافين!”
كان القادمُ جيمي.
“رافين!”
“رافين، هناكَ من جاءَ لزيارتك.”
قالت المرأةُ وهي تمسكُ بذراعِه برفق.
ولمّا لم يصدَّها كما في السابق، تشجّعتْ أكثرَ والتفَّتْ حولَ ذراعِه القويّة.
“إنْ لم ترغبْ بلقائه، هل أطردهُ؟”
سألتْ وهي تقتربُ منهُ أكثر.
عندها فقط، استفاقَ رافين ونظرَ إليها.
متى جاءتْ هذهِ أيضًا؟
‘مُزعجة.’
“سأحاولُ أنْ أختلقَ عذرًا.”
ابتسمتْ بخجل، وعيناها تلمعان.
لم يكنْ لدى رافين سببٌ واضحٌ للرفض.
لم يكنْ يريدُ مقابلةَ أيِّ شخصٍ من نقابةِ بيندون، ولا سماعَ رفضٍ قاسٍ من لوسي—
“لقد وصلتْ رسالةٌ من لوسي!”
—
تفحَّصَ جيمي القريةَ الهادئة على غيرِ المتوقَّع.
إذًا رافين ليسَ هنا؟
“إنْ لم يكنْ هنا، فسأرمي الرسالةَ وأغادر!”
كان ينوي العودةَ إلى بيندون إنْ لم يتلقَّ ردًّا هذهِ المرّة أيضًا.
-كـووم!
فُتحَ بابُ الكوخ بعنفٍ كأنّهُ سيتحطّم.
لمحَ جيمي رافين، فرفعَ أحدَ حاجبيه.
“ما بك؟ كنتَ مدفونًا هنا؟”
كان وجهُهُ أكثرَ قتامةً من ذي قبل، بائسًا حدَّ الاشمئزاز.
“اختفيتَ شهرًا كاملًا، وتجلسُ هنا مستريحًا؟ حتّى عندما جاءَ القائدُ برونو، كنتَ نائمًا هنا.”
“…….”
“مع ذلك، هذا أفضل. ظننتُك قد اختطفتَ لوسي لتسلقَها وتأكلَها.”
قالَ جيمي وهو يربطُ لجامَ الحصانِ بإهمال.
“اختطاف؟”
تفاجأَ جيمي من صوتِ رافين الواهن.
“نعم، اختطاف.”
ثمّ تردّدَ لحظة، قبل أنْ يفتحَ فمَهُ مجدَّدًا.
“ماذا؟ ألَمْ تعلمْ أنّ لوسي مفقودةٌ منذُ شهر؟”
تصلّبَ جسدُ رافين.
الخيطُ الرفيعُ من العقلِ الذي كان متماسكًا بالكاد، انقطعَ عندَ كلمةِ اختطاف.
“بعدَ ذهابِها مع القائدِ إلى الحفلة، لم تعُدْ إلى النقابة. ولا أعرفُ السبب.”
صارَ صوتُ جيمي جادًّا.
“الأعضاءُ لم يتحمّلوا غيابَها وسألوا، لكنّ القائدَ لزمَ الصمت.”
“مع ذلك، وصلَتْ رسالةٌ من لوسي، ويبدو أنّ الأمرَ ليسَ خطيرًا.”
“وهذهِ لك.”
أخرجَ من جيبِه ظرفًا سميكًا وقدّمهُ إليه.
“……أأنتَ بخير؟”
لم يتحرّكْ رافين، فحدّقَ فيهِ جيمي.
كان وجهُهُ مرعبًا، وعيناهُ الحمراوان تلمعان في الظلّ.
أطبقَ جيمي فمَهُ دونَ كلمة.
“……جيمي.”
أمسكَ رافين كتفيهِ.
أنَّ جيمي من شدّةِ القوّة.
“قُلْها مجدَّدًا… بوضوح.”
خفضَ رافين نظرَهُ، فرأى الظرفَ الأبيض في يدِ جيمي.
كان مكتوبًا عليهِ بخطِّ لوسي الصغير:
«يُرجى تسليمُها لرافين حتمًا!»
بدلَ انتظارِ الإجابة، انتزعَ الرسالةَ ومزّقَها بسرعة.
كانتْ هناكَ رسالتان طويلتان.
فتحَ الأولى بيدٍ مرتجفة، وقرأَ السطرَ الأوّل.
【مرحبًا، رافين!】
تحيّةُ لوسي المشرقة، التي أزالتْ في لحظةٍ واحدةٍ كلَّ توتّرِه.
التعليقات لهذا الفصل " 62"