الشيطان الذي دمّر أسرةً كاملة في ألسنة اللهب وابتسم ابتسامةً خبيثة، يتفوّه الآن بكلامٍ غريب.
“مثلي تمامًا.”
ذبح الأطفال بلا رحمة رغم صرخاتهم، وأحرق كلّ ما في القصر.
لم يكن في وجهه أثر ندم.
لم يبقَ في ذاكرة رافين سوى تعبيرٍ مرعب يتلذّذ بالهدم والتدمير.
وذلك يُشبهني؟
“أنتَ أيضًا وحش.”
ظلّ فمُه يهذي بلا توقّف.
“اصمت…….”
برزت عروق يد رافين القابضة على السيف.
كلّ هذا بدأ من زعيم تولدا.
ذاك الذي قتل أسرة هاندسلاك المسالمة، وحاول قتل الفارّ، بل وسعى لإيذاء لوسي البريئة.
ذلك وحده هو الشرّ، وهو الشيطان بعينه.
“اصمت؟ وما الفرق بين ما فعلتُه قبل أربع سنوات وما فعلتَه الآن؟”
قال الزعيم بعدما لمح تردّد رافين.
“…….”
بدأ الاحمرار في عيني رافين يخبو.
‘أنا فقط…… أفعل هذا لأنّ لوسي ستكون آمنة.’
“…….”
تفحّص رافين المكان المدمّر.
الأثاث محطّم، والأرض ملطّخة بالدّم.
لقد نجح الانتقام، وحان وقت سداد ثمن حقدٍ عائليٍّ طويل.
لكن لم يبقَ لرافين شيء.
لا عائلة، ولا قصر.
ابتعد عن خطر تولدا، لكن هل يعني ذلك أنّ لوسي ستعود إليه؟
“…….”
تسلّل الدخان اللاذع من المخازن المشتعلة إلى هنا.
“……أنا مختلف. لم أقتل أبرياء.”
تمتم رافين كأنّه يبرّر لنفسه.
قطع الأذرع وأوقع الأذى كان حصرًا في أبناء تولدا الموجودين في هذه الغرفة.
أمّا الخدم الأبرياء، فقد قيّدهم بسحر الربط فقط، ولم يقتل أحدًا.
إذا قطع رؤوسهم الآن، فستعود لوسي إليه.
‘حقًّا؟’
تردّد رافين.
إن نجح الانتقام، هل ستعود لوسي؟
هل تحبّه؟
‘حقًّا؟’
إن لوّثت يداي بالدّم، هل ستفرح؟
هل ستأتي إليّ؟
تقدّم رافين بخطواتٍ متثاقلة حتّى وقف أمام الزعيم.
أدرك الزعيم أنّ الإقناع لم يعد ذا جدوى، فأغمض عينيه.
ذراعٌ قُطِعت، فالمرّة القادمة ستكون ساقًا، أو الذراع الأخرى.
توقّع العضو الذي سيفقده واستسلم لكلّ شيء.
“……؟”
لكن بدل الألم، سُمِع صوت تمزيق قماش.
فتح الزعيم عينيه، فرأى راية تولدا ذات النقوش الدقيقة، المعلّقة على الجدار، تتمزّق وتسقط على الأرض.
“لوسي لن تأتي.”
غرس رافين سيفه في شعار تولدا.
ومن دون تفكير، أخذ يطعن الشعار ويُمزّقه مرارًا.
الشعار الذي كان فخر العائلة على الجدار، صار أقلّ قيمةً من القمامة.
“ألستَ ستقتلني؟”
فرغت عينا الزعيم ممّا فيهما.
“……رأسك لا قيمة له عندي.”
ابتسم زعيم تولدا ابتسامةً خاوية.
“……حكيم.”
قالها بصدق.
تذكّر نشوة الاستحواذ التي شعر بها حين أبيدت أسرة هاندسلاك قبل أربع سنوات.
ظنّ أنّه، بعدما قتل بلا ذنب، امتلك العالم كلّه، لكنّ الدنيا لم تكن سهلة.
حروبٌ مفاجئة، ونظراتٌ خارجيّة سيّئة بسبب الإبادة، وأسرٌ كثيرة تتربّص بتولدا بعد توسّع نفوذها، وتكاليف متزايدة وقِلّة مال، بل ولم يتمكّن من اقتلاع هاندسلاك من جذوره، إذ أفلت ابنٌ واحد مزعج.
ومع مرور الوقت، أثّر اضطرابه النفسيّ لا عليه وحده، بل على ابنه الذي ربّاه بعناية وزوجته المحبوبة.
اختفت صورة الأسرة الدافئة، وصاروا بالكاد يصمدون كزجاجٍ متشقّق.
“…….”
فتح تولدا عينيه، فرأى ابنه ممدّدًا قرب الجدار.
يبدو أنّه لم يُصَب إصابةً خطيرة، إذ نهض غوبير وحدّق في ظهر رافين بنظرةٍ مرعبة، ثمّ التقط سيفًا من الأرض.
“أيّها الوغد الوحش!”
اندفع غوبير ولوّح بسيفه نحو رافين.
لكن قبل أن يُكمِل الضربة، انفجرت مانا رافين بعنف.
كان مجرّد تدفّق قوّة، ومع ذلك لم يستطع غوبير، المقيّد ذراعًا وساقًا، أن يفعل شيئًا.
“آه! وحش! وحشٌ ملعون!”
تقدّم رافين نحو غوبير وضرب عنقه بقوّة بظهر السيف.
“أغ.”
سقط جسد غوبير المغمى عليه أرضًا.
“خُذ أهل القصر وأبناءك، واخرجوا فورًا.”
خرج صوت رافين بلا أيّ عاطفة.
“……تتركنا أحياء؟”
“أنا فقط استعدتُ ما سُرِق.”
“…….”
“ستغدو مُعدمًا، وتعيش قمامةً إلى الأبد. هذا هو انتقامي.”
“اقتُلني إذًا.”
“……قلتُ لك.”
مدّ رافين إصبعًا واحدًا بصمت.
“أنا مختلفٌ عنك.”
أحاط ضوءٌ أبيض ناصع بجسد الزعيم، ثمّ اختفى في لحظة.
ثمّ نقل الأبناء الباقين واحدًا تلو الآخر، وأمر الفرسان والخدم المقيّدين أن يجمعوا أغراضهم ويغادروا القصر.
الناجون الذين أُجبروا على ترك موطنهم بدوا مذهولين.
حملوا ما تبقّى من طعامٍ وملابس في العربات، وصعدوا بلا وجهة.
ولم تدم تلك الفوضى طويلًا.
انطلقت العربات، ولم يبقَ في القصر سوى رافين وحده.
“…….”
وبعينين ساكنتين، ظلّ رافين يحدّق في الأرض، ثمّ خرج إلى خارج القصر.
بان قصر تولدا المهيب، المصنوع من أشياء سُرِقت من هاندسلاك.
‘انتهى كلّ شيء.’
ابتلعت ألسنةُ النار القصر دفعةً واحدة.
وبدأ المبنى المحترق يختفي ببطء، كمخزنٍ صار رمادًا أسود.
“…….”
تطايرت في السماء غبارٌ رماديّ بدا كحطام المباني.
‘لماذا تركتهم أحياء؟’
تساءل رافين في نفسه.
‘لماذا لم أقتلهم واكتفيتُ بطردهم؟’
نال القوّة التي طالما سعى إليها، وأتمّ انتقامه، لكنّه لم يستطع في النهاية قطع الرقاب.
ومع ذلك، لن يجرؤ تولدا على التعرّض له مجدّدًا.
وبثقةٍ غامضة لا يعرف مصدرها، لم يندم رافين على ما فعل.
على أيّ حال، انتهى كلّ شيء فعلًا.
انتقامه من تولدا كان باهتًا إلى حدٍّ مثير للسخرية.
وبقي هو وحيدًا.
لا عائلة إلى جواره، ولا لوسي.
لم يبقَ سوى فراغٍ موحش يجعل القوّة التي كسبها بلا قيمة.
‘لوسي.’
كان ذلك موجعًا في وحدته.
‘لوسي.’
أخذ يردّد اسمها بلا انقطاع ليملأ الفراغ، ولو قليلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 61"