المقدّمة.
كانت حياتي، في معظمها، تنساب في مجرى لا أتوقّعه أبدًا.
على سبيل المثال،
“جئتُ لأصطحبكِ، لوسي.”
هكذا قال البطل، وهو يظهر أمامي ورأسه مغمورٌ بالدم.
لقد مضت ثلاثةُ أشهرٍ على احتجازي هنا.
هذا البيت، بيت عائلة المركيز، مشهورٌ بتحصيناته الحديديّة. وكنتُ قد سمعتُ أنّ سيّد البرج السحريّ الجديد اقتحمه، وقلب المكان إلى ساحةٍ من الفوضى، لكن……
“إنّه أنا، رافين.”
من كان يظنّ أنّ ذلك البطل هو رافين هاندسلاك؟
لقد استخدم السحر ليصعد بخفّةٍ إلى نافذة الطابق الثاني، وعلى الرغم من الدم الذي كان يتقاطر من جسده، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ مشرقة.
“اشتقتُ إليكِ.”
رافين، الذي وصل إلى هذا المكان، لم يبدُ عليه الإرهاق، بل كان على العكس، يفيض بطاقةٍ قويّة.
“لوسي. هل أنتِ مصابةٌ في أيّ مكان؟”
كان يتفحّص وجهي، غير آبهٍ بجسده الملطّخ بالدم.
“بل أنتَ…….”
“اطمئنّي. ليس في هذا الدم قطرةٌ واحدةٌ من دمي. لكن، لوسي.”
يبدو أنّ رافين لاحظ الخدش على وجهي والكدمات على جسدي، فعقد حاجبيه. وفي اللحظة التالية، انبعث من السيف الذي يمسكه ضوءٌ ساطع.
“مَن الذي فعل هذا؟”
آه، لا! ليس كما تظنّ! أيريد أن يحوّل هذا السهل، بل والقصْر أيضًا، إلى أنقاض؟
“انتظر قليلًا!”
حين أمسكتُ بسيفه وأنا في ذهول، ازدادت ملامح رافين تصلّبًا. أزال المانا المدمجة في السيف، ونظر إليّ بصمتٍ طويل.
“…….”
“رافين؟”
ناديتُ اسمه بعدما شعرتُ بشيءٍ غريب، لكن لم يأتِني أيّ ردّ.
“لماذا تمنعينني؟
هل تنوين التخلّي عنّي مرّةً أخرى؟”
هاه؟
رفعتُ رأسي، فرأيتُ وجهًا غارقًا في الظلّ. وعلى غير عادته، كانت عيناه، اللتان طالما بدتا ثابتتين، ترتجفان بقلق.
“أنا أحبّكِ.”
“را، رافين.”
“لذلك، من فضلكِ… لا تتركيني.”
كان خائفًا من أن أتركه وأمضي.
……يبدو أنّني، على مدى أربع سنوات، كنتُ متشابكةً مع البطل على نحوٍ عميق.
في عالمٍ قاسٍ لا يعرف طريق الزهور، مع أكثر بطلٍ تعاسةً على الإطلاق!
—
كلّ شيءٍ بدأ قبل أربع سنوات.
“أنتِ عارُ عائلة أوهان.”
قال أبي، الجالس قبالتي.
“بلغتِ سنّ الرشد، ومع ذلك لا تستطيعين استخدام سحرٍ واحدٍ كما ينبغي. هل فهمتِ، لوسي؟”
عائلة أوهان، عائلة مركيز السحرة العريقة.
من يحمل دم أوهان، يكون في الغالب موهوبًا في السحر، غير أنّ الاستثناءات موجودة.
“أحقًّا، أتعجزين حتّى عن هذا، يا أختي؟”
“أنتِ حقًّا لا تليقين بعائلتنا.”
نعم.
كنتُ الابنة الشرعيّة، ومع ذلك بلا أيّ موهبةٍ سحريّة، أسوأ طفرةٍ ممكنة.
ليس العائلة وحدها، بل هذا العالم كلّه. إن لم تمتلك موهبةً في القوّة المقدسة، أو المانا، أو الهالة، فستُعامل على أنّكِ شخصٌ بلا قيمة.
“هذا آخر مالٍ يمكنني إعطاؤكِ.”
قال أبي، وهو يضع كيس النقود أمامي.
“لا أريد أن يخرج اسم أوهان من فمكِ بعد اليوم. اعتبارًا من هذه اللحظة، لم تعودي ابنةَ عائلة أوهان.”
قال ذلك بصوتٍ قاطع.
“اخرجي من القصر فورًا، لوسي.”
—
في يومٍ واحد، طُردتُ من القصر.
وأنا أحتضن كيس النقود الذي أعطاني إيّاه أبي.
“آه، سيّدتي…….”
كانت الخادمات خلفي في ارتباكٍ واضح.
مددن أيديهنّ للمساعدة في جمع الأمتعة، لكنّي رفضتُ.
‘ماذا ستفعل الآنسة؟
هل ستتمكّن من العيش وحدها؟’
سمعتُ همساتهنّ.
لو سمعهنّ أحد، لظنّ أنّ فتاةً قاصرًا قد طُردت.
‘أخيرًا…… أخيرًا هربتُ!’
كنتُ سعيدةً لأنّني طُردتُ من هذه العائلة اللعينة!
‘لن يخطر ببالهم أبدًا.’
أنّ هذا العالم الذي أعيش فيه هو في الحقيقة رواية فانتازيا رومانسيّة مظلمة بعنوان <زهرة الانتقام>.
“ها قد طُردتِ في النهاية، أختي. لكنّكِ صمدتِ مدّةً لا بأس بها.”
قال أخي الأصغر، لويجي، وقد ظهر دون أن أشعر.
كان شعره البنيّ الطويل مشدودًا بإهمال، وينظر إليّ بتعبيرٍ مائل، وأنا أجهّز أمتعتي.
وبجانبه وقف أخي الثاني، لوكا، صامتًا.
هذان…… لا، إخوتي هذان كانا طفلين موهوبين، يمتلكان مؤهّلات تولّي مناصب سادة الأبراج الأربعة.
وكان مقدار المانا لديهما يفوقني بكثير، لدرجة أنّهما لم يعاملاني يومًا كأختٍ كبرى.
“أبونا قاسٍ فعلًا. أن يطرد أختًا بلا موهبةٍ سحريّة، أليس هذا كأنّه يقول لكِ: مُوتي؟”
“أتهتمّ لأمري إذًا، يا أخي؟”
“إنّني أسخر منكِ.”
قطّب لويجي ما بين حاجبيه.
تجاهلتُه، وحملتُ أمتعتي وخرجتُ. تراجع لويجي مذعورًا عند الباب.
“شكرًا.”
“إنّما ابتعدتُ لأنّكِ مقززة.”
“نعم.”
ازدادت ملامحه تشوّهًا عند سماعه ردّي.
تمتم بشتيمةٍ خافتة.
يا له من لطيف.
لا أرغب في الشجار مع إخوتي حتّى آخر يوم.
نظرتُ إلى السهل الواسع الممتدّ خلف القصر.
بحيرةٌ كبيرة، وأشجار فاكهةٍ وافرة، متناثرة هنا وهناك.
حتّى غابة المتاهة التي تحمي القصر كانت كلّها ملكًا لأوهان، لكنّ القصر الأحمر الذي أقف فيه الآن كان الأوضح دلالةً على ثراء العائلة.
وعلى النقيض، كانت العربة المُعدّة لي باليةً وقذرة.
‘هل ستتحمّل كلّ هذا الحمل؟’
بدت العربة الصغيرة غير قادرةٍ على حمل أمتعتي الثقيلة.
“تخلّي عن أيّ أملٍ زائف، يا أختي.”
قال لويجي، الذي خرج ليودّعني.
“لم يعد أبي والدكِ، فلا تنتظري وداعًا كريمًا.”
“لم أكن أتوقّعه أصلًا…… لكن حسنًا.”
“آمل ألّا تعودي يومًا لتستجدي عائلة أوهان.”
“نعم. لن يحدث ذلك.”
أجبتُ بحزم.
“ولا تتلفّظي باسم أوهان باستخفاف. أنتِ الآن مجرّد بهيمةٍ مفلسة، لا صلة لكِ بالعائلة.”
تعمّد لويجي القسوة في كلامه.
لم أردّ هذه المرّة، واكتفيتُ بدفع الأمتعة داخل العربة.
أصدرت العربة صوتًا يوحي بأنّها على وشك الانهيار، فتجاهلتُه.
“هاه…….”
التفتُّ لأنظر إلى أخويّ اللذين سأفترق عنهما إلى الأبد.
“اعتنِ بنفسك، لويجي.”
“سأقبل تحيّة الوداع.”
“حسنًا، تقبّلها إذًا.”
تقدّمتُ خطوةً نحوه.
“ستُعلّق عليكَ آمالٌ كبيرة بوصفك الابن الأكبر لعائلة أوهان.”
“طبعًا. بعد اختفاء الأخت الكبرى عديمة الكفاءة.”
قالها وهو يهزّ كتفيه.
“عليكَ ألّا تخيّب تلك الآمال.”
“لن أكون مثلكِ.”
“وبما أنّ توقّعات أبي عالية، فسيكون عليكَ أن تجتهد أكثر.
سهرٌ متواصل، أنوفٌ نازفة، رسمُ دوائر سحريّة، تركيبٌ، ثمّ دراسة…… دون راحةٍ حقيقيّة.”
“…….”
“أمّا أنا، فسأكون أحفر أنفي، وأستمتع بالمال الذي رماه لي أبي.”
بكلمةٍ واحدة…… حياتي ستكون نعيمًا!
“بعد رحيل كبش الفداء، هاه؟ اجتهدوا إذًا.”
ربّتُّ على كتف لويجي المذهول.
كم صُدم حتّى لم يتحرّك؟
“الموهبة وحدها لا تكفي، مفهوم؟
الجهد!
الجهد الهائل!
إن لم تجتهد، فستسقط في لحظة. هذا كلامٌ صادق.”
لوّحتُ بذراعيّ نحو لويجي الذي ما زال شاردًا.
وداعًا!
سمعتُ صوت السائق يعلن الانطلاق.
ومع دوران العجلات، نظرتُ إلى قصر أوهان الذي عشتُ فيه.
دعنا لا نلتقي مجدّدًا.
—
سافرتُ بالعربة خمسة أيّامٍ متواصلة دون توقّف.
“أمامنا سلسلة جبالٍ كبرى، ولا يمكن للعربة العبور منها، سيّدتي. هناك قريةٌ قريبة، هل نذهب إليها؟”
قال السائق، وهو يراقب تعابير وجهي.
وأمامنا، كما قال، كانت معالم الجبال تلوح في الضباب.
“كنتُ أودّ الابتعاد قدر الإمكان، لكن لا حيلة.”
عاد السائق إلى مقعده.
تحرّكت العربة المتهالكة بعنفٍ، كأنّها ستتفكّك.
أسندتُ ظهري إلى المقعد، وأرخيتُ كتفيّ.
لا بدّ أنّني ابتعدتُ بما فيه الكفاية عن قصر أوهان.
ماذا سأفعل بالمال؟
شراء منزلٍ أوّلًا، ثمّ البحث عن عمل……
‘همم؟’
وصلني ضجيجٌ من خلف النافذة.
حين أطللتُ، رأيتُ بيوتًا صغيرةً متقاربة.
بل وأكثر من ذلك، كانت رائحة الخبز الطازج، ومزيج التراب، تملأ الجوّ.
وصلتُ إلى قريةٍ تفوح منها رائحة الحياة.
متى كانت آخر مرّةٍ رأيتُ فيها مكانًا كهذا؟
كنتُ أتمنّى دائمًا مكانًا كهذا.
لا عائلة أوهان، التي سيأتي عليها الخراب يومًا.
‘لويجي. آسفة، لكن هناك أشياء لا تنجح مهما بذلتَ من جهد.’
تذكّرتُ النصيحة التي قلتُها له قبل رحيلي.
في الرواية الأصليّة، تنهار عائلة أوهان تمامًا على يد البطل.
وبمعنى آخر،
‘أبي، أنتَ أكثر مَن انتهى أمره.’
التعليقات لهذا الفصل " 1"