ظهر على شاشة الهاتف اسم “أون-جي أوني”. كان وقت الدوام يبدأ عند العاشرة، لكن أون-جي كانت تحضر دائمًا إلى معهد البيانو قبل موعد العمل بساعةٍ تقريبًا.
وبما أنّ سوا كانت قد قالت إنّها ستنام في المعهد، ولأنّ أون-جي لم تجدها هناك، ظنّت أنّها اتّصلت لهذا السبب، فبادرت سوا بالشرح فور ردّها على المكالمة.
“أوني، آه، حصل أمرٌ طارئٌ أمس فخرجت قليلًا من معهد. سأصل حالًا.”
<أه؟ ستأتين اليوم؟>
تفاجأت سوا أكثر من ردّة فعل أون-جي وسألت بسرعة:
“نعم؟ أنا اليوم من الساعة العاشرة….”
<…ألم تتّفقي مع ذلك الشخص؟>
“ذلك الشخص…؟”
<أكان اسمه يون سي-هيون؟ مدّعٍ عامّ ما. اتّصل وقال إنّك لن تتمكّني من الحضور لفترةٍ مُنذ اليوم.>
عجزت سُوا عن الكلام.
<قال إنّ هناك أمرًا عائليًّا. وبما أنّني أعرف نوع الأشخاص الكبار في جهتهم، قلت لا بأس. لكن… هل كنتِ بخير أمس؟ سمعتُ أنّ ذاك المجنون جاء يبحث عنك؟>
“آه…. نعم. لحق بي، لكن لحسن الحظّ جاء ذلك الشخص….”
خفّ صوتها في آخر الجملة، وازدحمت الأفكار في رأسها. كانت قد قالت إنّها أمضت الليلة في معهد البيانو التي تديرها إحدى زميلاتها في الجامعة، لكنها لم تذكر أيّ معهدٍ تحديدًا. فهل يعقل أنّ سي-هيون بحث عنها بنفسه؟
تسارعت دقّات قلبها للحظة.
لكن ذلك الخفقان لم يدم طويلًا. فإذا فكّرت بالأمر، لم يكن من الصعب معرفة موقع المعهد.
في اليوم الذي التقت فيه بسي-هيون مجدّدًا، كان قد أوصلها حتى قرب المعهد، كما أنّ المنطقة لا تضمّ سوى معهد بيانو واحد، ذلك التذي تديره أون-جي.
وإن أردنا الدقّة، فلم يكن الأمر بحثًا بقدر ما كان ربطًا طبيعيًّا لما يتذكّره.
حين فكّرت بذلك، شعرت بأنّ خيالها المتسرّع كان محرجًا قليلًا. ابتسمت سوا ابتسامةً خجولة، ثم سألت أون-جي مجدّدًا:
“لكن… إن لم أأتِ، ألا يسبّب ذلك إرباكًا للمعهد؟ يمكنني أن أتحدّث مع المدّعي مرّةً أخرى….”
ضحكت أون-جي وكأنّ الأمر لا يستحقّ القلق وقالت:
<لا تقلقي. صادف أنّ لدينا في المنزل عاطلةً عن العمل واحدة، أتعلمين؟ ما إن سمعتُ الخبر حتى طلبتُ منها أن تتولّى حصصكِ مؤقّتًا. لديها وقتُ فراغٍ كثير.>
كانت أخت أون-جي الصغرى، التي تعيش معها، قد درست البيانو أيضًا.
وبما أنّها تخرّجت حديثًا من الجامعة ولم تلتحق بعد بعمل، كانت تقيم في منزل أون-جي، ولحسن الحظّ كان لديها متّسعٌ من الوقت، مِمّا أتاح لأون-جي هامشًا كافيًا دون الحاجة للبحث عن معلّمٍ آخر. ومع ذلك، سألت سوا بشعورٍ من الذنب:
“حقًّا لا بأس…؟”
<بالطبع. آه، وبالنسبة لذلك الشخص….>
انخفض صوت أون-جي بحذر.
<إنّه شخصٌ يمكن الوثوق به، صحيح؟>
تردّدت سُوا قليلًا، ثم أجابت بنبرةٍ مشرقة:
“نعم. هو شخصٌ ساعدني من قبل، ولا يزال يساعدني كثيرًا الآن.”
ومن خلف الهاتف، وصلها زفيرُ راحةٍ ممزوج بالاطمئنان من أون-جي. ثم نادت اسمها بصوتٍ أكثر خفوتًا:
<سوا.>
“نعم.”
<إن تعبتِ حقًّا، أخبريني فورًا، مفهوم؟ قد لا أستطيع الركض إليكِ حالًا، لكنني لن أترككِ وحدكِ.>
“أوني… شكرًا لكِ.”
كانت كلماتٍ قليلة، لكنها صادقة وثقيلة المعنى. وبفضلها، لان شيءٌ من التوتّر الذي كان يعقد قلب سوا.
لم تمرّ دقيقةٌ واحدة على إنهاء المكالمة، حتى اهتزّ الهاتف مجدّدًا. الرقم الظاهر كان مجهولًا، لكن حدسها أخبرها بِمَن المتّصل.
سحبت سُوا زرّ الاتصال بحذر.
“…مرحبًا؟”
<أنهُ أنا.>
كما توقّعت، جاءها صوت سي-هيون المُنخفض والعميق.
“نعم، سيادة المدّعي.”
<تحدّثتُ مع مديرة المعهد، فلا تذهبي من اليوم فصاعدًا. قد يعود أشخاصٌ غريبون للبحث عنكِ هناك.>
“نعم، سمعتُ. أنا… شكرًا لاهتمامك….”
<لا داعي للشكر. لا أستطيع أن أركض إليكِ في كلّ لحظة لأنقذكِ، لذلك أفضّل أن أقطع عوامل الخطر من الأساس. هذا لراحتي.>
“آه… نعم.”
شعرت سُوا بوخزٍ خفيف في صدرها. هل كان بسبب نبرته الحاسمة؟ أم لأنّ كلماته كانت ترسم حدودًا واضحة في كلّ مرّة؟
<وإن احتجتِ إلى المال، استخدمي البطاقة التي أعطيتكِ إيّاها أمس.>
“ذلك….”
<وهذا أيضًا لأجل راحتي. إن تورّطتِ في أمرٍ غير ضروري، فسأُزعج أنا.>
كان شخصًا غريبًا فعلًا. يخطو خطوةً نحوها، ثم يرسم فجأةً خطًّا غير مرئيّ ويدفعها بعيدًا.
حين تظنّه إنسانًا طيّبًا، يتحدّث فجأةً وكأنّه أناني، ثم يبعدها. ومع ذلك، كانت سوا تعرف أنّ مساعدته ليست سوى بدافع الدَّين، لا أكثر ولا أقلّ.
وحتى ذلك الدَّين لم يكن سببًا كافيًا ليحمّل نفسه مسؤوليّتها.
لذلك، كان هذا الموقف… منطقيًّا، رغم كلّ شيء.
“نعم. فهمتُ، سيدي المدّعي.”
<حسنًا.>
انتهت المكالمة القصيرة والمقتضبة. كان صباحها الأوّل في منزلٍ غريب، لكن لم يكن هناك سؤالٌ عن “هل نمتِ جيّدًا؟” ولا “هل أنتِ بخير؟”. مجرّد مكالمة جافّة لنقل التعليمات وانتهى الأمر.
“هاه….”
نظرت سوا بلا وعيّ إلى البطاقة الموضوعة قرب السرير، وتمتمت في سرّها:
‘كيف لي أن أستخدمها براحةٍ أصلًا…؟’
كلّما فكّرت في استعمالها كما قال، ازداد قلبها ثِقَلًا. دفعت هذا الشعور جانبًا مؤقّتًا ونهضت من السرير.
بعد أن أنهت غسل وجهها سريعًا، خرجت إلى غرفة المعيشة وبدأت تتفقّد المنزل بحذر. صحيح أنّه قال لها ألّا تفعل شيئًا، لكن لا يمكنها الجلوس مكتوفة اليدين. بحثت عن أيّ مكان يحتاج إلى ترتيب، الأرضيّة، الأثاث، لكن….
“نظيف….”
لم يكن مرتّبًا فحسب، بل خاليًا تمامًا من الغبار. حتى الطاولة، حين مرّرت إصبعها فوقها، لم يعلَق شيء.
“هل هو نظيفٌ لأنّه لا يعود كثيرًا…؟”
لكن ذلك كان مبالغًا فيه. قطّبت سوا حاجبيها قليلًا.
‘أمعقولٌ أنّه لا يوجد في هذا المنزل شيءٌ واحد يمكنني فعله…؟’
وبينما كانت تحاول كبح شعورها بالإحباط، فتحت باب الثلّاجة بحذر. وفي تلك اللحظة، ولأوّل مرّة منذ دخولها هذا المنزل، ارتفعت زاوية فمها بابتسامةٍ صغيرة.
***
بعد أن أنهى مكالمته مع سوا، مرّر سي-هيون أصابعه على جبينه ثم إلى شعره، كأنّه يسندهما. من نبرة ردودها القصيرة وحدها، شعر وكأنّ ملامحها ونظرتها ترتسمان أمام عينيه بوضوح.
هي ليست مِمًّن يعتادون تلقّي المساعدة وهم جالسون بلا حراك. لا بدّ أنّها، حتّى بعد إنهاء المكالمة، بدأت تبحث عن شيءٍ تفعله.
لكن ذلك سيكون صعبًا. فبحسب طبيعته، لا بدّ أنّ المنزل منظّم منذ زمن، بلا ذرّة غبارٍ واحدة.
لا مساحة، ولا فراغ، لتضع يدها عليه.
ومع علمه بذلك، لم يمنحها سوى هذا القدر من المساحة. فالآن، الأهمّ هو ألّا يكون لها أيّ احتكاك إضافي بذلك المنزل.
“سيادة المدّعي.”
وقف جي-هون قرب المكتب، وهو يكبح بصعوبة ابتسامةً ارتفعت زاوية فمه.
“ما هذا الوجه المزعج؟”
نظر إليه سي-هيون بنظرةٍ جانبيّة وهو يتسلّم ملفّ القضيّة، لكن جي-هون لم يُخفِ ابتسامته.
“كنت أظنّك شخصًا لو طُعن لما خرجت منه قطرة دم.”
“وماذا بعد؟”
“لكن تبيّن أنّك… سيادة المدّعي، بطل أفلامٍ مليء بالعدالة. الشخص الذي كنتَ تتحدّث معه قبل قليل، أليست هي نفسها التي أنقذتها في لقاء العائلات ذاك؟”
“أيّها المحقّق.”
ناداه سي-هيون بنبرة تحذير وهو يقلّب الملفّ، لكن جي-هون لم يستطع كبح حماسه.
“آه~ أليست هذه دراما؟ صحيح أنّني لم أعمل طويلًا في النيابة، لكن رؤية شيءٍ كهذا في مكانٍ جافّ كهذا للمرّة الأولى! رومانسيّةٌ واقعيّة… أووه!”
لم يُكمل كلماته، إذ ظهرت دا-هاي، المحقّقة ورئيسته المباشرة، وأغلقت فمه بيدها.
“سيد يون، يبدو أنّ جي-هون كان لديه تجمعٌ عائليّ بالأمس وشرب كثيرًا. يبدو أنّ وعيّه لم يعد بعد. سأتحمّل المسؤوليّة وأوقظه جيّدًا.”
“نعم. ويفضّل ألّا تدّخري وسيلة.”
“نعم.”
“ممـم!”
أومأ سي-هيون برأسه بإيجاز، فيما سُحب جي-هون خارج المكتب بوجهٍ مذعور. وعاد الهدوء ليسود المكان.
تنفّس سي-هيون بعمق وفتح ملفّ القضيّة على المكتب. لكن الغريب أنّ الكلمات لم تدخل عينيه. كانت صورةٌ أخرى تفرض نفسها على ذهنه.
‘رومانسيّة.’
كرّر الكلمة التي قالها جي-هون، ثم أطلق ضحكةً قصيرة.
“كلمةٌ لا تليق بي.”
صحيح.
لو كان جي-هون يعلم كم كانت سوا يائسة وهي تمسك به في زقاق خلف المطعم، كم كان صوتها يرتجف، وكيف كانت حالها بعد أن هربت ليلًا من عمّتها وابن عمّتها…
ولو علم كم عمّق ذلك كلّه شعوره بالدَّين تجاهها.
‘سيدي المدّعي…’
عاد صوت سوا الضعيف يرنّ في أذنه. وظهرها المصاب، والجرح الذي حاولت إخفاءه، والدموع التي كانت تكبتها.
“جننتُ حقًّا.”
تمتم سي-هيون وأطبق شفتيه.
نعم، هذا دَين.
شعورٌ بالذنب تجاه تلك الفتاة، وربما مجرّد تأنيبٍ للذات لأنّه أدخل شخصًا آخر في قراراته الشخصيّة.
التعليقات لهذا الفصل " 11"