“سميث، ستأتي لينا إلى حقل الأعشاب قريبًا. لا أظن أن مكروهًا سيصيبك، لكن كن حذرًا. لينا ليست خصمًا يُستهان به.”
“ما الذي تعنيه بذلك؟”
“لقد صرّحت بنفسها أن لقبها في صباها كان القاتلة.”
“ماذا؟”
“ألا يكفيك ما حدث لجين وتيموثي؟ إنها بارعة في التحكم بتعابير وجهها.
حتى حين ضغط عليها الكونت بنفسه لم يطرف لها جفن.
ما لم نكشف نحن الحقيقة أولًا، فستستمر في التظاهر بالجهل. إنها فتاة مخيفة.”
كان البشر يتوافدون باستمرار إلى بيت ريتشموند.
لكن طوال تلك السنين، لم يحدث قط أن وجّه ألفريد تحذيرًا مسبقًا بشأن أحدٍ من خدم القصر كما فعل هذه المرة.
“وما شأني أنا بذلك؟ لا أنوي الانتقام لتيموثي.”
“لا تكذب. أعرف أنا والكونت كم تعزّ تيموثي، بل إن جميع الخدم يعلمون ذلك، وربما تيموثي نفسه.
لهذا لا أفهم لماذا تظلّ تتذمّر منه دائمًا. أليست معاملتك له كمعاملة الأب لابنه؟ لو كنت أكثر صراحة لكان أفضل.”
“…….”
“على أي حال، ليس هذا المهم الآن. أرجوك لا تُقدم على فعلٍ متهور. إنني قلقٌ عليك.”
انتهى سميث من استرجاع ذكرياته، ثم ألقى نظرةً في أرجاء الكوخ.
وقعت عيناه على السرير الخالي الذي غاب عنه صاحبه.
‘الانتقام لتيموثي؟ لا أفكر في ذلك قط. ذاك الأحمق نال ما جناه، وما شأني أنا؟ حصد ما زرع، ذلك الصغير الغبي.’
طرقٌ على الباب.
“هل هذا هو المكان؟ سيد سميث؟ هل أنت بالداخل؟”
لكن ما إن سمع صوت لينا خلف الباب الخشبي، حتى ارتسم على وجهه عزمٌ لا يملكه إلا من اتخذ قرارًا حاسمًا.
* * *
الشمس متقدة والرمال تلمع.
“إنه حرٌّ شديد…….”
الساعة الآن الثالثة بعد الظهر، أشد أوقات النهار حرارة.
وبدلًا من تيموثي الذي أخذ إجازة مرضية، كنت أقف في حقل الأعشاب تحت أشعة الشمس الحارقة لأساعد سميث.
“هوو…….”
زفرتُ بحرارة وأنا أفرغ دلواً صغيرًا من الماء فوق النباتات.
قبل أيام قال لي سميث حين قصدته:
“أتيتِ بدلًا من تيموثي؟ عبث. لا عمل لكِ هنا. أتحسبين البستنة أمرًا يسيرًا يقوم به أيٌّ كان؟”
“لكنني قادرة على بذل جهدي في أي عمل!”
“حسنًا. إذن اسقي النباتات. كل ما عليكِ أن تضمني ألا تذبل. أيمكنكِ ذلك؟”
“نعم!”
بصراحة، حين طلب مني سقي النباتات ظننتُ أن الأمر في غاية السهولة.
مجرد إحضار الماء وسكبه، أليس كذلك؟
لكن لم أتوقع أن يكون شاقًّا إلى هذا الحد.
“أيعقل أن بيتًا عريقًا كهذا، يمتد تاريخه لمئات السنين، لا يملك مرشًّا أو حتى خرطوم ماء؟”
فلكي أسقي الحقل، كان عليّ أولًا أن أملأ دلواً خشبيًا كبيرًا من مصدر الماء، ثم أحمله إلى الحقل، وبعدها أستخدم هذا المغرف الصغير لريّ النباتات.
أي إنه عملٌ بدنيٌّ مرهق للغاية!
“قال إنه سيعاقبني… وها هو قد فعل فعلًا.”
شعرتُ بشيءٍ من الغبن تجاه الكونت.
يبتسم لي بودٍّ أمامي، ثم يفعل بي هذا؟
حسنًا، أعلم أنني أخطأت وكنت مستعدة لتحمّل العقوبة، لكن…
حين يقول المرء سأتحمّل عشر ضربات، أليس من المفترض أن تُخفَّف إلى ثلاث؟ أما هذا فمبالغة!
“ليت تيموثي يتعافى سريعًا.”
ليعد ويسترد عمله هذا في أقرب وقت. دعوتُ له بالشفاء من قلبي.
ومع ذلك، لم يكن العمل في الحقل سيئًا تمامًا.
فهو عمل خارجي يمنحني حرية الحركة.
لم تتح لي فرصة التجوال خارج القصر منذ جئت، أما الآن فقد زالت تلك القيود.
لكن بعد أيامٍ من التجوال، كان انطباعي واضحًا:
“الهدوء هنا مريب.”
قصر ريتشموند هادئٌ إلى حدٍّ غريب.
رغم كثرة الخدم المقيمين فيه، لا يُسمع ضجيج يُذكر.
وسرعان ما أدركت السبب.
“لأنني أنا وحدي المزعجة.”
حتى وقع الأقدام مختلف. كما لاحظتُ مع ألفريد، يمشي الجميع بصمتٍ تام، أما أنا فلا.
‘ألأنني خادمةٌ مبتدئة؟’
منذ أن انتبهتُ لذلك، أحاول أن أتحرك بخفة، لكن مهما حاولت، لا أستطيع محو وجودي كما يفعلون.
“همم…….”
كيف سأصبح خادمة من الطراز الرفيع شخصٌ يليقُ براتبٍ كراتبي؟ الطريق طويل جدًا.
ومنذ تلقيتُ ذلك التأنيب، صرتُ أنكمش حتى لأتفه الأمور.
وثمة أمرٌ آخر أدركته.
“يبدو أن ريتشموند تخلّت عن مكافحة الآفات.”
بعد أن كُشف أمري في مسألة الفأر، ظننتُ أن الكونت سيصدر أمرًا ما: نصب فخاخ أو استخدام سمٍّ مثلًا.
لكن لا أحد عاد يذكر الفئران التي تجوب الحقل.
كأنهم قرروا ترك الأمر كما هو.
“كان ينبغي أن ألحظ من نبرته يومها أنه غير راضٍ.”
وصف الفأر بأنه مشكلة ريتشموند.
‘كانت نبرة استسلام تقريبًا.’
ربما حاولوا القضاء على الآفات من قبل وفشلوا.
كان عليّ أن أستنتج ذلك منذ حادثة جين والصُّرصور العملاق.
“أوووه.”
ارتجفتُ.
حتى لو كنت معتادةً على تلك الكائنات، فإن رؤيتها مرارًا أمرٌ مقرف.
فهي مقززة! وقذرة!
وماذا لو نقلت أمراضًا؟
“ليت القصر يبقى نظيفًا على الأقل.”
يجب أن أفكر جديًا في حلٍّ لذلك.
رششتُ آخر ما في الدلو من ماء، ثم حملته فارغًا.
انتهى عمل الحقل اليوم، وحان وقت العودة إلى المطبخ.
“هيهي، على الأقل اقترب وقت العشاء.”
رغم التعب، يكفيني أن أفكر بالطعام الشهي لأستعيد نشاطي.
ولما قاربتُ المبنى الرئيسي…
“همم؟”
كان المكان صاخبًا على غير عادته.
حيويةٌ لم أعهدها في قصر ريتشموند الوقور.
مددتُ عنقي أتفحص، فرأيت عربةً ضخمة متوقفة أمام مدخل المطبخ.
‘قال الكونت إن موعد زيارة نايك قد اقترب… أيمكن أن يكون هو؟’
انطلقتُ مسرعةً نحو القصر.
“واو!”
كان حدسي صائبًا.
الخدم ينقلون من العربة مؤنًا متنوعة: دقيق، فواكه، خضروات، لحوم، حتى صناديق بسكويت!
الأنواع كثيرة والكمية هائلة.
تسللتُ بنظري داخل العربة، فإذا بها مليئةٌ بأشياء أخرى:
صابون، أقمشة، حطب للتدفئة… كأنها متجرٌ شامل.
“لكن أين نايك؟”
“تبحثين عني؟”
“آه!”
كنتُ أتمتم وحدي، فإذا بصوتٍ يأتي من خلفي فجأة.
استدرتُ مذعورة…
“إذن أنتِ الخادمة الجديدة؟ سررتُ بلقائك!”
ووجدتُ نفسي وجهًا لوجه أمام رجلٍ طويلٍ بشعرٍ أزرق زاهٍ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الخادمة تحافظُ على الانضباطِ
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 20"