‘هاه…’
وضعتُ ظاهر يدي على خدّي الملتهب لأخفّف حرارته.
تماسكي ولا ترتكبي خطأً.
إنّ المشاعر تجاه سعادة الكونت ليست مشاعري أنا، بل هي بقايا عاطفة تركتها لينا.
وفوق ذلك، من الأفضل تجنّب أيّ فضيحة مع الرئيس في العمل قدر الإمكان.
مذكّرةً نفسي بأنّ هذا ليس دراما تنتهي بزواج رومانسي من المدير التنفيذي، تبعتُ الكونت من خلفه.
صريرٌ… صريرير.
مع نسيمٍ عليل تفوح منه رائحة العشب، تناهى إلى سمعي صوتُ حشرات الليل من مكانٍ ما.
على غير المتوقّع، لم يحدّثني الكونت بشيء.
كأنّ غايةَ الأمر كانت التنزّه بحدّ ذاته، إذ كان يمشي فحسب ويتركني خلفه.
في البداية توتّرت، وخشيتُ أن أكون قد ارتكبتُ خطأً ما.
ظننتُ أنّه ربما اقترح التنزّه ليسألني عمّا حدث بيني وبين جين.
لكنّ ما تلا ذلك، خلافًا لتخيّلاتي، لم يكن سوى نزهة هادئة بلا ضجيج.
ومع استمراري في السير خلفه بصمت، وجدتُ نفسي أستمتع بالنزهة ذاتها، وقد هدأ قلبي قليلًا.
“ما رأيكِ أن نجلس هنا قليلًا؟”
بعد أن قطعنا نصف الحديقة الخلفيّة، ظهر أمامنا نافورةٌ كبيرة.
جلس الكونت على حافّة النافورة وأومأ برأسه إيماءةً خفيفة، وكأنّه يدعوني للجلوس أيضًا.
فدنوتُ مسرعة وجلستُ إلى جانبه.
ولعلّ ردّي لم يكن خاطئًا، إذ ضحك ضحكةً خفيفة.
“المنزل يصبح أكثر هدوءًا قبل منتصف الليل بقليل. لذلك كلّما تنزّهتُ في هذا الوقت أشعر براحةٍ في قلبي.”
حقًّا، طوال التنزّه لم يخطر ببالي شيء.
لم أفكّر سوى بأنّ نسيم الليل الذي يداعب خدّي منعش، وأنّ عبير الزهور الخافت يبعث في النفس سرورًا.
أومأتُ موافقة.
“نعم، أظنّني أفهم هذا الشعور.”
“كيف كان الأمر؟ ما رأيكِ بالحديقة الخلفيّة بعد أن تجوّلتِ فيها؟”
“عفوًا؟”
“ظننتُ أنّكِ أردتِ التفرّج على الحديقة الخلفيّة، أليس كذلك؟”
الحديقة فجأةً؟
كان سؤالًا مباغتًا. وحين مِلتُ برأسي حائرة، أضاف شارحًا:
“رأيتُكِ سابقًا تتردّدين حولها.”
“حقًّا؟ هل لي أن أسأل متى كان ذلك؟”
“منذ نحو عشرة أيّام.”
إن كان الأمر كذلك، فقد كان قبل أن أُسقَط في هذا الجسد.
يبدو أنّه رأى لينا تمرّ قرب الحديقة حينها.
وبما أنّ غرفة نومه في الطابق الثالث هناك، فالمكان بأكمله مكشوفٌ من نافذته.
‘يا إلهي، أرجو ألّا تكون لينا قد فعلت شيئًا غريبًا في ذلك اليوم!’
قد تفعل شيء ظنًّا أنّ لا أحد يراها، أو أيّ تصرّفٍ مُخجل .
ضحكتُ ضحكةً مبالغًا فيها وقد غمرني الخجل.
“آه، هكذا إذن…”
“بدوتِ وكأنّكِ مهتمّة بالحديقة. وصادفتُكِ اليوم أيضًا، فأردتُ أن أُريكِ إيّاها.”
“شكرًا لاهتمامكَ.”
“إذن، ما رأيكِ؟”
يبدو أنّه يرغب بسماع المديح.
رفعتُ إبهامي عاليًا.
“رائعة!”
“…أهذا كلّ شيء؟”
ما هذا؟ أتظنّ أنّني سأكتفي بإبهامٍ واحد؟ في الحقيقة هما إبهامان!
رفعتُ الإبهام الآخر أيضًا وابتسمتُ ببراءة.
“لا طبعًا! في الحقيقة هذه أوّل مرّة أزور فيها حديقةً يُعتنى بها بهذا القدر من العناية. شعرتُ وكأنّي في بلدٍ أجنبي.”
حسنًا، بما أنّني في عالمٍ آخر فعلًا، فيمكن عدّه بلدًا أجنبيًّا.
لم أتوقّع أن تكون أوّل رحلةٍ لي إلى الخارج بعد التجسد!
“الأشجار كثيفة والزهور كثيرة. عبيرها قويّ، لكنّه غير خانق. ظننتُ أنّني سأختنق إن كانت الزهور بهذا العدد.”
ضحك وهو يحدّق إليّ بعينين مقوّستين كالهلال.
“أهذا ما خطر ببالكِ؟ يا لها من فكرةٍ لطيفة.”
رنّ صوته كأجراسٍ مُنغمة.
هل جُننتُ؟ ينبغي منع هذا الرجل من الضحك.
ابتسامةٌ واحدة كهذه قد تقتل إنسانًا.
والدليل أنّ قلبي، الذي هدأ بالكاد خلال التنزّه، عاد يخفق بجنون.
‘ألن أموت بسكتةٍ قلبيّة بهذا المعدّل؟’
تجنّبتُ نظرته خلسةً.
لكنّ صوته العذب اقترب من أذني.
“البستاني يعتني بها دائمًا بعناية، فهو يعلم أنّني أرى الحديقة كلّها من غرفتي.”
“أفهم…”
لكن، ألا يمكنكَ الحديث من مسافةٍ أبعد قليلًا؟
قلبي يكاد يحطّم صدري وينطلق هاربًا!
حرّكتُ جسدي قليلًا مبتعدة، محاولةً الفرار من صوته القاتل.
لكن بلا جدوى.
“في الحقيقة، هذه الحديقة عاديّة مقارنةً بمكانٍ آخر أكثر جمالًا.”
“حقًّا؟ وأين ذلك؟”
“هل سمعتِ بحديقة المتاهة؟”
حديقة المتاهة؟
بحثتُ في ذاكرتي. نعم، قرأتُ عنها في لوائح العمل.
قيل إنّ في القصر حديقةً على هيئة متاهة.
لكن… أليست ممنوعة؟
“أليست محظورة الدخول؟”
“بلى.”
ابتسم ابتسامةً منعشة كأنّه عضّ ثمرةً ناضجة.
“طرقها معقّدة، ومن يدخلها يصعب عليه الخروج. كثر الذين ضاعوا فيها، فحُظرت.”
“هاها، ضاعوا…”
لا يوجد أطفال في هذا القصر. لا بدّ أنّها متاهةٌ معقّدة فعلًا.
“إنّها قريبة. هل نذهب؟”
اقترح فجأةً.
“لكنّكم قلتَ إنّ كثيرين يضلّون الطريق.”
“هذا يخصّ الخدم. أمّا أنا فلا.”
“آه…”
“إنّها موجودة منذ ولادتي. هل يُعقل أن يضلّ صاحبها الطريق؟”
منطقيّ.
“ترين تلك الأشجار البارزة هناك؟”
“نعم.”
“هناك حديقة المتاهة. زرعناها كلّها من أشجار السرو. إن وقفتِ ساكنةً فستشمّين عبيرًا منعشًا يمحو أيّ رائحةٍ كريهة.”
بدت نبرةُ فخرٍ واضحة في صوته.
“وزُرعت بينها زهورٌ بيضاء، فإذا نظرتِ إليها ليلًا بدت كسماءٍ مرصّعة بالنجوم.”
“لابدّ أنّها جميلة جدًّا.”
“أجل، جميلة كالجواهر. يمكننا الذهاب الآن… هل تأتين معي؟”
خفض صوته وسألني برفق.
دقّ قلبي بقوّة.
النسيم عليل، والزهور مسكرة، وضوء القمر أخّاذ.
والرجل الجالس بقربي مغرٍ إلى حدّ الخطر.
“هم؟ لينا.”
همس باسمي.
حبستُ أنفاسي.
تماسكي يا لينا. هذا ليس عرضَ موعدٍ غرامي.
إنّه يريد فقط التباهي بحديقته.
لو ذهبتُ معه إلى مكانٍ مغلق الآن، فستقع كارثة.
أقلّها عناق، وأقصاها قبلة!
‘لا مجال للخطأ.’
إنّه عملٌ براتبٍ سنويّ قدره خمسون مليون وون!
الطعام شهيّ، والسكن مريح، والمزايا ممتازة!
لا أريد خسارة ذلك بسبب لحظة ضعف.
“…لا، شكرًا.”
بعد ابتلاع ريقي مرارًا، تمكّنتُ من الرفض.
مرّت مسحةُ خيبةٍ على وجهه الوسيم.
“حقًّا؟ كنتُ أودّ أن أريكِ المتاهة.”
“…لقد تأخّر الوقت. ربّما في فرصةٍ أخرى. عندما تكون الشمس ساطعة ولا تخطر ببالي أفكارٌ آثمة!”
“إن كان هذا ما تريدينه، فلا بأس.”
ابتسم بخفوتٍ.
شعرتُ بشيءٍ من الذنب لرؤية ملامحه المتحسّرة، لكنّي تماسكت.
لقد نجحت. حفظتُ عفّة الكونت.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
الخادمة تحافظُ على الانضباطِ
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 13"