استمتعوا
‘…هل لأن لديهم بالغًا يعتمدون عليه؟‘
حين رأت أطفالًا أصغر منها يتصرّفون بثقة أمام الكبار، شعرت ديزي بشيءٍ من الغصّة.
عضّت شفتها كي لا تبكي.
ليت لي أنا أيضًا حاميًا أستند إليه.
…لو أنّ أبي لم يتخلَّ عني.
“لقد انقلب المكان فوضى.”
في تلك اللحظة، انسكب ظلٌّ أسود فوق رأسها.
“قلتُ أحضروا الكعك، لا أن تُبكوا طفلة!”
صوتٌ أجشّ، خشن كقشرة شجرة، لكنه غليظ ومباشر.
وعند سماع ذلك القرار المألوف، استدارت ديزي، فانفرج فمها قليلًا.
كان جسدٌ هائل، كالجبل، يقف خلفها ويحمي ظهرها بثبات.
وكان ذاك الشخص—
“يبدو أنّني سأطلب استرجاع كلّ الجواهر التي اشتريتها حتى الآن، لماذا أنتم—”
“…أبي؟“
عند السؤال الصغير، أخفض ديل نظره فجأة وتجمّد.
“لماذا أنتم… لماذا تصرخون في وجه ابنتنا….”
ومن دون وعي، نسي ديل دوره، وراح يتمتم وهو شارد.
****
قبل عشر دقائق.
كان ديل لا يزال ينتظر داخل المرحاض، حين عقد حاجبيه عند سماعه صراخًا نافذًا إلى أذنيه.
“ما هذا الصوت… انتظر، ماذا تفعلين هناك؟!”
“لا تقولي إنك سرقتِ الكعك؟!”
يبدو أنّ أحدهم كان يأكل الكعك خلسةً، وانكشف أمره على يد أحد الموظفين.
صحيح أنّ أكل الكعك سرقةً أمرٌ سيّئ، لكن… أليس من القسوة أن يصرخ موظف في موظفٍ آخر هكذا؟
‘في غرفة الاستقبال كانوا يبتسمون للأطفال ويتغزّلون ببراءتهم، وفي النهاية… إنهم تجّار لا غير.’
على أيّ حال، عليه أن يأخذ لولو والسيد تشيس أولًا.
خرج من المرحاض واتّجه نحو المخزن، فوقع نظره على ظهر فتاةٍ ذات شعرٍ بنيّ.
بالطبع، لم تكن هذه الفتاة من شأنه.
ما كان يهمّه حقًّا هو لولو، التي كانت ترتجف على الجهة المقابلة.
“يبدو أنّني سأطلب استرجاع كلّ الجواهر التي اشتريتها حتى الآن، لماذا أنتم—”
كان يوبّخهم توبيخًا خفيفًا، على وشك أن يستدعي الآخرين، حين—
“…أبي؟“
فجأة، انبعث صوتٌ اشتاق إليه من أسفل.
خفض بصره بذهول، فرأى ابنته، التي كبرت بشكلٍ لم يعد يعرفه، تنظر إليه.
‘…ديزي؟‘
نعم.
كانت الطفلة التي صُرخ في وجهها بسبب سرقة الكعك هي ابنته نفسها.
قبل خمس سنوات فقط، كانت بالكاد تصل إلى أسفل خصره.
“آه، أعتذر. لقد أفلتَ الكلام منّي.”
تمتمت ديزي بدهشة من نفسها، ثم خفضت رأسها.
كان ديل متنكّرًا في تلك اللحظة.
صحيح أنّ لون شعره تغيّر، لكن لون العينين، الذي لا يُغيَّر بسهولة، جعلها تظنّه شخصًا آخر.
لكن—
“لماذا أنتم… تصرخون في وجه صغيرتنا…”
“نعتذر يا سيدي. الخطأ خطئي أنا في تدريب الموظفين. سأخرج بالموظفة إلى الخارج حالًا.”
لسوء الحظ أو لحسنه، ابتلعت كلمات ديل اعتذارات الموظف المستعجلة.
انتفضت.
كانت ديزي تنكمش كتفيها كلّما تحرّك الموظف حركةً بسيطة.
وعند رؤية ذلك، شعر ديل بألمٍ في قلبه كأنّه يُقطّع بسكين.
دفع ابنته برفق خلف ظهره، وسأل بصوتٍ منخفض.
“…هذه الطفلة موظفة؟ حقًّا موظفة؟ تصرخون بهذا الشكل لأنّها أكلت قطعة كعك؟“
“الأمر أنّها… ليست موظفة، بل مرتزقة. في هذا المكان يوجد موظفون ومرتزقة معًا، وكانت تفتقر إلى التعليم، فكنت أعلّمها أنّه لا يجوز سرقة ممتلكات الآخرين.”
تفتقر إلى التعليم؟
طفلة تريد أن تصبح عالِمة أعشاب؟
“تتكلّم بلا لياقة يا هذا.”
“أأه، لمَ… لمَ تقترب هكذا…!”
حين تقدّم ديل وقد اشتعل غضبه، تراجع الموظف مذعورًا.
لكن ذلك كان كلّ شيء.
“…اللعنة.”
توقّفت خطوات ديل فجأة.
فلو افتعل شجارًا هنا، فقد يُطرَد من المكان، ناهيك عن ديزي.
وهكذا، بقي واقفًا عاجزًا، يغلي من الغيظ.
“يا عمّ الموظف. هذه الأخت مرتزقة؟“
شقّ صوتٌ طفوليّ صافٍ المسافة بين ديل والموظف.
كانت لولو قد مسحت دموعها، وقد عقدت شفتيها بعزمٍ واضح.
ابتسم الموظف بلطفٍ وهو يلتفت إليها.
“نعم، هي مرتزقة.”
“إذن يا لولو، سأقوم بإِليّة مع هذه الأخت.”
“إِليّة؟“
“إِليّة!”
وحين لم يفهم الموظف، تنفّس تشيس الصعداء.
“تقصد أنّها ستُسنِد إليها مهمّة. تعاقدًا، أي تعاقد.”
*****
في هذه الأثناء، في غرفة الاستقبال.
“هذا الياقوت، على سبيل المثال، يُستخدم للتعهّد بالحبّ للحبيب….”
“لماذا يُغدق أهل هذه المدينة المال هكذا على من يحبّون؟ هل يظنّون أنّ الطرف الآخر سيفرح؟ بل أظنّه سيقلق خوفًا من الإفلاس.”
كانت هذه سادس جوهرة بالفعل.
تنفّست أنجيلا بضيق وقد قاربت حدّها.
وفي تلك اللحظة—
“أمّي! أريد أن أُلي هذه الأخت، أُليّة!”
فُتح الباب فجأة، ودوّى صوتٌ كصوت فرخٍ صغير في الغرفة.
عادت لولو وتشيس وديل بعد أكثر بقليل من خمس دقائق.
ومعهم—
‘…من هذه الطفلة؟‘
هل وجدوا عائلتها؟
أرسلت أنجيلا نظرةً متسائلة إلى ديل، فربت على ظهرها بخفّة وأراها الأداة الأثرية.
كان السهم الأحمر على الجهاز يشير مباشرةً إلى الفتاة.
****
لم تكن لولو تعرف حتى معنى كلمة ‘مرتزقة‘.
لكنّ قدرة هذا التنينة الصغيرة على نسج حيلةٍ صغيرة كانت بفضل شرح تشيس.
“المرتزقة هم أشخاص، إذا دفعتِ لهم مالًا، نفّذوا أيّ طلب. غالبًا ما يُطلب منهم القضاء على الوحوش أو الحماية.”
كانت المشكلة أنّ تشيس ما زال يمسك بطرف كمّ لولو بإحكام.
“هل أنتِ بخير؟“
“هم؟ ولماذا لا أكون؟“
“لقد خفتِ كثيرًا قبل قليل.”
كان جوابه جافًّا، لكن نظرته ظلّت تراقب لولو عن كثب.
‘لولو بخير الآن لأنّ الفارس ديل جاء، أليس كذلك؟‘
مال رأسها تلقائيًّا.
لكنّ ما أثار فضول لولو أكثر كان ما قاله تشيس عن ‘المرتزقة‘.
إذ خطرت لها طريقةٌ لإنقاذ الأخت.
أخت صغيرة = مرتزقة
المرتزقة يحبّون = المال
إذا أعطت لولو المال للأخت = ستكون قد أسندت مهمّة!
‘إذن… لولو تطلب منها المساعدة؟!’
وهكذا، في الوقت الحاضر.
وقع كونراد في مأزقٍ شديد.
كلّ ما أراده هو إخراج الأطفال مؤقّتًا بسبب فتات الكعك.
فإذا به يجلب طفلًا من الفرقة الثالثة للفرسان، التي ينبغي إخفاؤها بكلّ وسيلة!
“من، من قال إنّ هذه الفتاة مرتزقة؟“
ابتسمت الطفلة ببراءة وأشارت إلى الموظف.
“هذا العمّ!”
“آها…”
‘سنتحدّث لاحقًا بعد انتهاء هذا.’
ارتجفت زاوية فم كونراد.
كان الموظف شاحب الوجه، لا ينبس ببنت شفة، مكتفيًا بخفض رأسه.
رغم تعقّد الموقف، لم يكن في باله سوى المال.
فهم بحاجة إلى مرتزقة، أليس كذلك؟ وهذا يعني إمكانية ابتزاز المزيد.
باستثناء ديزي.
“ايتها الآنسة الصغيرة. ما المهمّة التي تريدين إسنادها إلى مرتزقة ضعيفة كهذه؟“
انحنى كونراد مبتسمًا بلطف، ونظر في عيني لولو.
“صداقة!”
“صداقة؟“
“نعم! لولو تريد أن تصبح صديقةً لهذه الأخت الكبيرة الصغيرة!”
ثم ركضت لولو نحو ديزي وأمسكت يدها بقوّة.
“أختي الكبيرة الصغيرة، هل تريدين أن تصبحي صديقة لولو أيضًا؟“
بقيت ديزي صامتةً لحظة، ثم أومأت برأسها بخفّة نحو لولو وحدها.
“كنتُ أفكّر أنّه سيكون من الجيّد وجود من يخدمنا أثناء إقامتنا هنا. هذه الطفلة مناسبة.”
قالت أنجيلا ذلك بلباقة، وقد التقطت كلام لولو بسرعة.
“لكن للخدمة يوجد مرتزقة مهرة وسريعو اليد—”
“طفلتنا قالت إنّها تريد هذه الطفلة. يكفي أن تبقى معنا حتى نغادر إلى المدينة الصغيرة. يا صغيرة، نحتاج إلى خدمةٍ أكثر، هل تعرفين مرتزقة آخرين؟“
قاطعت كلامه وسألت ديزي مباشرة.
كأنّ الفرصة قد حانت.
لكن الإمساك بهذه الفرصة أو تركها كان بيد ديزي وحدها.
لو رفضت، متلفّتةً إلى نظرات كونراد—
‘سيصبح جلب هذه الطفلة وعائلتها أكثر صعوبة.’
كانت أنجيلا والآخرون ينظرون إليها بترقّبٍ ملحّ.
وجدت ديزي نفسها فجأةً محطّ الأنظار، فغرقت في الحيرة.
‘…ماذا أفعل؟‘
كانت تعلم أنّ هذه فرصةٌ جيّدة.
إن خرجت من هنا بسلام، قد تنهي هذه المهمّة، بل وتغادر المدينة الصغيرة كلّها.
لكن… ماذا لو كان هؤلاء أيضًا بالغين سيّئين؟
“أُخفيكِ، وأُطعمكِ، وأدللكِ، ثم تتحوّلين إلى قطّة سارقة؟!”
عادت صرخة الموظف إلى ذهنها، فانكمش كتفاها الصغيران.
طوال ثلاث سنوات، اعتادت هذه الطفلة على سخرية الكبار وصراخهم القاسي.
في تلك اللحظة—
“أختي الكبيرة الصغيرة.”
كانت اليد الصغيرة التي لم تترك يدها بعد تشدّها برفق.
“تعالي مع لولو.”
———————
كيوت كيف لولو تناديها اختي الكبيرة ‘اوني‘ الصغيره
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 35"