الفصل 8 :
ظلّ كانياك يحدّق بي طويلًا، بنظرةٍ فاحصة دقيقة، كأنّ طبيبًا يقيّم حالةَ مريض.
“سمعتُ أنّكِ فقدتِ وعيّكِ وسقطتِ منذ وقتٍ قريب، هل تحسّن وضعكِ الآن؟”
هاه؟ لماذا يقلق عليّ فجأة؟ صحيح أنّ كانياك كان في الأصل طفلًا لطيفًا وحنونًا، لكن مع ذلك.
‘هل كان ضغط العمل في برج السحر قاسيًا لدرجة أنّه فقدَ صوابه مؤقّتًا……؟’
وبإعادة تشغيل دائرة الأمل الواهية في رأسي، قرّرتُ أن أؤمن بتلميذي مرّةً أخرى، فأومأتُ له بابتسامةٍ دافئة.
“نعم، أنا بخير الآن.”
“جيّد، ابدئي الدوام في برج السحر اعتبارًا من الغد.”
“نعم… نعم؟”
دوام؟ ما الذي يقصده بهذا الكلام؟
رمشتُ بعينيّ بدهشة، ففتح فمه بوجهٍ أكثر ارتياحًا وقال بلطف:
“عليكِ العمل.”
“العمل؟”
“لقد وقّعتِ العقد.”
ثمّ أشار إلى أسفل العقد الذي كنتُ قد وقّعته قبل قليل.
وحين دقّقتُ النظر في الموضع الذي أشارت إليه أطراف أصابعه الطويلة، وجدتُ عبارةً مكتوبة بخطٍّ صغير جدًّا، لا يتجاوز حجمه نقطتين تقريبًا، وباللون الرمادي الفاتح:
“الالتزام بالنجاح في إطلاق أوّل أداةٍ سحريّة خلال صيف هذا العام، والموافقة على صعوبة توفير الأحجار السحريّة في حال الفشل.”
يا للمجانين.
حين يقول الصيف، فهذا يعني أنّه لم يتبقَّ سوى شهرين فقط!
أنتَ لم تنجح في أربع سنوات، فكيف يُفترض بي أن أنجح في شهرين؟!
“ه-هذا احتيال! كيف تجرؤ على خداع أميرةٍ إمبراطوريّة؟!”
ماذا كنتُ أقول قبل قليل؟ لطيفٌ وحنون؟ ملغى. ملغى بالكامل! كنتُ أتساءل لماذا يبتسم بتلك الطريقة المريبة طوال الوقت!
“لهذا قلتُ لكِ أن تقرئي العقد جيّدًا قبل التوقيع. ألا تعلمين كم تنتشر حِيَل العقود في هذا العالم؟ تقرئين على عجل وتوقّعين فورًا، لا سيّما وأنّكِ أميرةٌ الإمبراطوريّة.”
وأنتَ، بصفتك محتال العقد ذاته، لستَ أهلًا لقول هذا أصلًا.
“لم أظنّ يومًا أنّني سأنطق بعبارةٍ سخيفة كهذه… على أيّ شيءٍ تستند لتتصرف بهذا الشكل؟”
“عليّ، بالطبع. فأنا الأقوى على هذه الأرض.”
كلامه يثير الغيظ، لكنّه صحيح، ولا أستطيع دحضه.
آه، ما أشدّ هذا الظلم. كنتُ أنا الأقوى في الأصل.
“على أيّ حال، بفضلي ستتعلّمين من الآن فصاعدًا تدقيق العقود بعناية. اشكريني لأنّي غرستُ فيكِ حسّ الحذر.”
وقاحةٌ من مستوىٍ يجعل الحديدَ يبكي خجلًا. حتى روبل اضطرّ للتراجع بخطواتٍ إلى الخلف وكأنّه يرسم خطًّا فاصِلًا.
‘ربّما لي نصيبٌ من المسؤولية عن انحرافه إلى هذا الحد… اصبري… اصبري… لا أستطيع! لو ضربتُ ذلك الظهر العريض مرّةً واحدة فقط لارتحت!’
أغمضتُ عينيّ وأخذتُ نفسًا عميقًا لأهدأ، فإذا بصوتٍ هادئٍ ومنخفض يصل إلى أذني.
“برأيكِ، لماذا لم يُطلق برج السحر مشروع أدوات معلمتي السحريّة حتّى الآن؟”
مرّ خمسُ سنواتٍ على موتي، ومع ذلك لم يتمّ إطلاق المشروع، وهذا أمرٌ غريبٌ فعلًا. هل كانت هناك مشكلةٌ في التصنيع؟
‘لكنّني صمّمتُ كلّ ما يلزم، وكان ينبغي أن يتمّ الإنتاج دون عوائق،’
وحين عجزتُ عن الوصول إلى جواب، تكلّم هو وكأنّ الأمر بديهيّ.
“السبب الأوّل هو الفئة المستهدفة.”
“الفئة المستهدفة؟”
بإشارةٍ من كانياك، تحرّك روبل مجدّدًا. تقدّم إلى الأمام، وأخرج نظّارةً سوداء لا أدري متى أعدّها، ووضعها على عينيه، ثمّ بدأ يشرح مشيرًا إلى رسومٍ لطيفة مرسومة على ورقٍ أبيض.
“الأدوات السحريّة التي ينتجها برج السحر باهظة الثمن بطبيعتها. لذلك، مهما بلغت قابليّتها للتسويق، فمن الصعب انتشارها في أرجاء الإمبراطوريّة. وإن خُفِّضَت التكلفة على حساب الجودة، فسيرفضها النبلاء بحجّة فقدان القيمة، أمّا العامّة فسيخشون سلامتها ويتجنّبون استخدامها.”
آه، فهمت. هذا أحد الأمور التي أغفلتُها بالفعل. حين خطّطتُ للمشروع، ركّزتُ فقط على الكمال، دون التفكير كثيرًا في التكلفة.
‘لكن يمكن حلّ هذا. فكلّ المنتجات في السوق تجد توازنًا مناسبًا بين الفئة المستهدفة والسعر.’
يبدو أنّ المشكلة الحقيقيّة في مكانٍ آخر، فتابعتُ الاستماع.
“إذًا، هل كانت هناك مشكلة في التصنيع؟”
“لو نظرتِ هنا، فالتصميم مثالي. إذا سارت الأمور وفق خطّة السيدة ريشا، فلن تواجهنا أيّ مشكلة. لكن—.”
توقّف روبل، فأشار كانياك إليّ هذه المرّة.
“المشكلة جذريّة. لأنّ هذا النوع من المنتجات غير مسبوقٍ هنا، فهو غريبٌ للغاية. وبعبارةٍ أخرى، لم يكن هناك من يفهم الفكرة من أساسها ويمضي بها حتّى مرحلة التصنيع. لم يكن هناك ‘قائد’.”
“……ماذا؟”
بعبارةٍ معاصرة، كان الأمر أشبه بمختبرٍ بلا أستاذٍ مشرف ولا رئيس فريق. لم يخطر هذا ببالي أبدًا.
وبالطبع، لم يكن بوسع كانياك، بصفته سيّد برج السحر، أن يتولّى هذا الدور بنفسه. سيكون ذلك ملفتًا أكثر من اللازم، فضلًا عن كثرة أعبائه.
“لكنّك فهمتَ الأمر، أليس كذلك يا كانياك؟”
“طبعًا. أنا التلميذ الوحيد لمعلمتي. والمهمّ هنا أنّني كنتُ الوحيد الذي فهم.”
“غريب… لماذا لم يفهم الآخرون؟ الأمر ليس صعبًا أصلًا. أليس من البديهي لمن درسَ السحر أن يستوعبه؟”
“هذا ما يحيّرني أيضًا. حفنةٌ من عديمي النفع.”
وفي النهاية، وصلنا إلى خلاصةٍ واحدة: لا بدّ أن أتولّى أنا دور القائد.
لقد أخبرتهم أنّني سمعتُ تفاصيل المشروع مباشرةً من ريشا، لذا فلا بدّ أنّهم رأوا فيّ أملًا جديدًا.
‘ولهذا طلب منّي العمل فورًا؟’
حتى أنا، لو رأيتُ طالبًا يفهم مجالًا نادرًا أتخبّط فيه، لتمسّكتُ به دون تردّد. آه… لم أتوقّع أن أفهم كانياك بهذه الطريقة.
وأثناء متابعتهما للحوار، طوى روبل نظّارته بهدوء ووضعها في جيبه، ثمّ تنفّس بعمق.
“تذكّرتُ فجأةً أيّام الأكاديميّة السحريّة، حين استدعاني الأساتذة إلى غرفة الاجتماعات وجرّدوني من روحي…….”
قال ذلك وهو يضغط على صدغه، فزاد كانياك بنبرةٍ متحسّرة:
“على الأقلّ، روبل يفهم هذه المخطّطات إلى حدٍّ ما، فيمكن استخدامه كمساعد. إن لم يكن لشيء، فذاكرته جيّدة.”
“همم… هذا خبرٌ جيّد نسبيًّا.”
تناثر زفيرُ روبل الطويل في الهواء، وقد حُسم مصيره كعبد المختبر الأوّل.
“سأسجّل هويّتكِ ضمن حاجز برج السحر، فتدخّلين وتخرجين كما تشائين.”
“بالمناسبة، لماذا يُمنع العامّة من دخول برج السحر؟”
حين سألتُه متذكّرةً كيف طُردتُ سابقًا من البوّابة، أجاب ببرود:
“في الآونة الأخيرة، ظهر من يُثير الشغب بذريعة موت مُعلمتي.”
“ماذا……؟”
شغبٌ بسبب موتي؟ تقطّبت حاجباي تلقائيًّا.
هممتُ بالاستفسار أكثر، لكنّه وضع فنجان الشاي الفارغ على الطاولة ونهض.
“تعالي غدًا دون تأخير.”
ثمّ أمسك برقبة روبل من الخلف واختفى سريعًا. يبدو أنّه لا ينوي الإجابة عن سؤالي.
‘ما الذي يحدث؟ لا أستطيع سؤال الخادمات عن هذا…!’
وفقًا لذكريات سييرا، قبل خمس سنوات طلب برج السحر تعاون القصر الإمبراطوري بشأن موت ريشا، ثمّ أُغلِق الملفّ.
ولذا شاع بين الناس أنّ الوفاة كانت طبيعيّة بسبب المرض.
وبسبب ذلك، لم يكن بوسعي استغلال مكانتي كأميرة لمعرفة الحقيقة.
‘كنتُ أتساءل أصلًا لماذا طُوي موتي بهذه الطريقة… سأبحث في الأمر تدريجيًّا.’
عليّ أن أفتح طريقًا آخر للحصول على المعلومات.
***
“سيّد كانياك، من الجيّد أن تسرّع الأميرة العمل في برج السحر، لكنّني قلقٌ بشأن العقد غير العادل.”
لو قرّرت الأميرة اللجوء إلى القانون، فلن ينجو برج السحر من العواقب.
فقد تجرّأ على التلاعب بعقدٍ مع فردٍ من العائلة الإمبراطوريّة.
والأهمّ من ذلك، أنّ الإمبراطور ووليّ العهد لن يقفا مكتوفي الأيدي. فهما معروفان بعشقهما للأميرة سييرا.
وحين تعمّق قلق روبل، فتح كانياك، الذي كان مستلقيًا على الأريكة مغمض العينين، فمه بوجهٍ خالٍ من التعابير.
“لا أستطيع أن أتركها تنفجر بعيدًا عن ناظري.”
“…ماذا؟”
“إن لم أرَها يوميًّا، فلن أعرف حالةَ ذلك الوضع اللعين.”
نبرته بدت متبرّمة، لكنّ المعنى لم يكن كذلك. هل فعل كلّ هذا… قلقًا على الأميرة؟
شعر روبل بقشعريرةٍ في عنقه، وأمعن النظر فيه بصمت. كان يعلم أنّ كانياك يدرك جيّدًا أنّ الأمر لا يستدعي كلّ هذا.
ومع ذلك، أصرّ.
‘هل هو مجرّد وهم؟’
منذ صغره، اشتهر كانياك بقسوته، ولم يكن مِمّن يقلق على سلامة الآخرين حقًّا. ومع ذلك، راوده شعورٌ غريب.
‘ذلك الطبع السيّئ… الجميع يعرفه، ما عدا السيدة ريشا…….’
شيطانٌ يرتدي قناعَ ملاك. ذلك هو كانياك لانت.
‘لكنّه كان يتقلّب أحيانًا، على أيّ حال.’
وكالعادة، لن يدوم الأمر طويلًا. طمأن روبل نفسه بهدوء.
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1》
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"