الفصل 3 :
حقًّا، لم يكن هذا مجرّد جفاءٍ عابر، بل جفاءٌ لم أرَ له مثيلًا.
لم نكن قد اقتربنا بعدُ من مدخل برج السحر، حين اندفع حارسٌ بدا كأنه ساحرٌ من الرتبة الدنيا ليُعلن فجأةً منع الاقتراب.
كان ذلك طردًا صريحًا من على الأبواب.
“كيف يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الوقاحة بحقّ صاحبة السموّ الإمبراطوريّة!”
“يبدو أنّ برج السحر قد فقد صوابه أخيرًا.”
عند هذا الاستقبال غير المتوقّع، بدأ همسُ الخادمات والفرسان يعلو شيئًا فَشيئًا.
فمهما كانت العلاقة بين القصر الإمبراطوري وبرج السحر قائمة على التعاون، فهذا لا يعني بحالٍ من الأحوال أنّهما متكافئان في المكانة.
ومع حادثة رفض زيارة أحد أفراد العائلة الإمبراطوريّة، وهي سابقةٌ لم يُعرف لها مثيل، أخذ الجوّ يزداد توتّرًا.
“هل يجرؤ برج السحر على منع صاحبة السموّ الأميرة الإمبراطوريّة من الدخول؟ لقد أُبلِغتم بوضوح أنّ سموّها جاءت لتتفقّد بنفسها عمليّة تحضير الجرعات!”
“ذ، ذلك لأنّ…”
أمام احتجاج الفرسان العنيف، راح الحارس يتلعثم وهو يتحدّث بوجهٍ بالغ الحرج.
“في الوقت الحالي، أصدر سيّد البرج أمرًا صارمًا بمنع دخول من لا يملك طاقةً سحريّة….”
بمعنى آخر، برج السحر مكانٌ مخصّص للسحرة فقط، وعلى العامّة أن يبتعدوا؟
‘ومع ذلك، أنا أستطيع الدخول.’
رغم أنّ طاقتي السحريّة كانت شبه مختومةٍ بعد تناسخي، إلّا أنّ قوّة ريشا ما زالت كامنةً في جسدي.
لكن بما أنّ الأميرة الإمبراطوريّة معروفةٌ على أنّها شخصٌ عاديّ، لم يكن بوسعي إظهار السحر، وهو ما كان مدعاةً للأسف.
‘ثمّة أمرٌ مريب. طفلٌ طيّب القلب مثل كانياك لا يمكن أن يسنّ قاعدةً عبثيّةً كهذه بلا سبب.’
وحين حدّقتُ فيه بصمتٍ وملامح عدم اقتناعٍ باديةً على وجهي، فتح الحارس فمه مجدّدًا وقد بدا عليه التردّد.
“في الحقيقة، ظهرت في الآونة الأخيرة وحوشٌ سحريّة بشكلٍ متكرّر في غابة الضباب المحيطة بالبرج.
وبسبب ذلك، وقعت حوادث اختفاءٍ بين الحين والآخر، فكان هذا الإجراء بأمرٍ من سيّد البرج للحفاظ على الأمن.
نرجو منكم التفهّم والتعاون.”
عند سماع هذا الشرح، ارتخت قليلًا تقطيبات وجوه الفرسان والخادمات. فإن كان الأمر صحيحًا، فهو سببٌ وجيه لحظر الدخول من أجل السلامة.
لكن…
‘…تلك الوحوش، كان كانياك قد أبادهم عن آخرها قبل خمس سنوات.’
كانت حادثة إبادة وحوش غابة الضباب إنجازًا عظيمًا، لكنّها لم تُعلن للعامة.
فالغابة معروفةٌ أصلًا بتضاريسها الخطرة ومنحدراتها الشاهقة، مِمّا جعل دخول العامّة إليها شبه معدوم. ولم تكن سوى طريقٍ مختصر يسلكه السحرة أحيانًا للوصول إلى برج السحر بسرعة.
ولهذا، لم يكن يعلم بحادثة الإبادة سوى السحرة الذين اعتادوا المرور من هناك.
‘لماذا يمنعون الزيارة إلى هذا الحدّ، حتى لو اضطرّوا للكذب؟’
مهما كان السبب، كان عليّ دخول برج السحر لا محالة. فإن لم أُدخل حجر مانا إلى هذا الجسد الذي يحتضر الآن، فلن يصمد “الجسد” حتى الليل.
وكوني وصلت إلى هنا وأنا أتنفّس بشكلٍ طبيعيّ يُعدّ معجزةً بحدّ ذاته.
“إن قمتم بإرسال إشعارٍ آخر للزيارة في وقتٍ لاحق، فسأحرص حينها على مرافقتكم إلى الداخل حتمًا.”
وقد بدا أنّ الحارس التقط خيط الأمان أخيرًا، فابتسم ابتسامةً حذرة وأضاف كلامه.
أيُّ لاحقًا؟ قد لا أكون موجودةً حينها أصلًا.
“حسنًا. لا يسعني تجاهل إرادة برج السحر في الحرص على سلامة الناس. سنعود اليوم.”
“ش، شكرًا لتفهّمكم، صاحبة السموّ!”
ارتسم الارتياح أخيرًا على وجه الحارس الذي ظلّ قلقًا طوال الوقت.
عندها، التفتت الخادمات والفرسان إليّ بعيونٍ يملؤها القلق.
“صاحبة السموّ، هل أنتِ متأكّدةٌ أنّ العودة الآن لا بأس بها؟”
“صحيح، لقد قطعتِ كلّ هذه المسافة….”
“همم. تأثير الدواء مؤكد، فلا حاجة للتحقّق منه بنفسي.
أنا متعبة، سأعود لأرتاح.”
“نعم، صاحبة السموّ!”
ما إن وضعت يدي على جبيني متصنّعةً الإرهاق، حتى سارع الفرسان للاستعداد للعودة.
وبينما كنت أراقبهم بصمت، رفعت نظري نحو برج السحر.
كان البناء الشاهق، كبرجٍ يخترق السماء، يستعرض هيبته العظيمة.
“بالمناسبة….”
وأثناء تجهيز العربة، خاطبتُ الحارس الذي ما زال في مكانه بنبرةٍ عابرة.
“أين يتواجد سيّد البرج حاليًّا؟”
“آه، السيّد كانياك غير موجودٍ حاليًّا. سمعتُ أنّه غادر صباحًا بسبب مسألةٍ مهمّة.”
“فهمت.”
كان من المؤسف ألّا أراه ولو من بعيد، لكن بالنظر إلى ما أنوي فعله، فغيابه أفضل.
‘بل في الحقيقة… هذا مثاليّ.’
فسيّد البرج الحاصل على “بركة البرج” يشعر بسرعةٍ بأيّ تغييرٍ يطرأ على المكان.
“نتمنّى لكم عودةً سالمة، صاحبة السموّ.”
“حسنًا.”
عودةً سالمة؟ هل يظنّونني سأعود بهذه البساطة؟
اتبعتُ إرشاد الخادمة التي أعلنت اكتمال الاستعداد، واستدرتُ ببطء.
‘لو استخدمتُ السحر هنا، فلن يصمد هذا الجسد حتى المساء.’
كان الجسد عالقًا في حالة احتضار، وعمره بالكاد متعلّق بخيط. لكن لم يكن هناك خيارٌ آخر.
‘فالمدخل، بطبيعته، لا يكون واحدًا فقط.’
عشر سنواتٍ من العيش في برج السحر تعلّمك الكثير. كممرّاتٍ سرّيّة، ومخارجٍ صغيرة، ومخارج صغيرة أخرى….
***
“هوف… سأنتهي. لن أكرر هذا مرّةً ثانية.”
وبآخر ما تبقّى لي من قوّة، نجحتُ في وضع نسخةٍ مستنسخة مكاني داخل العربة.
وبسبب كون طاقتي السحريّة شبه مختومة، لم يكن بوسعي الحفاظ على الاستنساخ طويلًا.
على الأرجح، حين تصل العربة إلى القصر وتُفتح الأبواب، ستكون النسخة قد اختفت. وحينها، سيعمّ الاضطراب في القصر بعد فوات الأوان.
“من هنا إلى القصر الإمبراطوري حوالي ثلاثين دقيقة….”
ذلك يكفي.
بعد أن تأكّدتُ بعنايةٍ من اختفاء صوت العجلات خلف الغابة، تحرّكتُ أخيرًا نحو برج السحر.
“يجب أن يكون ما زال موجودًا.”
المكان الذي أتّجه إليه الآن لا يعرفه حتى كانياك. لأنّه المكان الذي كنت أستخدمه سرًّا كلّما نزلتُ إلى القرية من دونه.
وباتباع إحساسي القديم، وصلتُ إلى خلف البرج، حيث استقبلتني شجيراتٌ كثيفة للغاية.
“يا لها من مفاجأة. يبدو أنّ أحدًا لم يكتشف هذا المكان منذ أكثر من خمس سنوات. كنت أظنّه سينكشف بعد رحيلي.”
لولا ذلك، لما تُرك مهملًا إلى هذا الحدّ. وبالنسبة لمتسلّلةٍ مثلي، كان هذا خبرًا سارًّا.
وبعد شقّ طريقٍ وسط الأدغال، ظهر ثقبٌ صغير لا يناسب مرور شخصٍ بالغ.
لم أكن طويلة القامة ولا قويّة البنية حتى في أيّامي كـ ريشا. بل كنت نحيلةً. فما بالك بجسد سييرا الأصغر والأضعف بكثير؟
‘كما توقّعت.’
انزلق جسدي بسهولةٍ عبر الثقب. كان الأمر سهلًا لدرجةٍ أدهشتني. في الماضي، كنت أعلق أحيانًا من الخلف حين آكل كثيرًا….
“واو. اشتقتُ للمكان… لا، لا، هذا ليس وقت الحنين، ركّزي.”
بعد استخدام سحر الاستنساخ بجسدٍ في هذه الحالة المزرية، أصبحتُ حقًّا على حافّة الموت. لم يتبقَّ لي سوى ساعاتٍ قليلة، لا أكثر.
أقصى ما أملكه هو ثلاث ساعات. وعليّ إنجاز كلّ شيءٍ خلالها.
‘أوّلًا، يجب النزول دون أن يلاحظني السحرة.’
فأحد الأماكن التي أُخفيت فيها أحجار المانا بكثرة هو القبو، وهو مكانٌ لا يدخله أيُّ شخص.
يوجد في برج السحر مكانان محظوران: القبو، والقمة.
ولا يُسمح بدخولهما إلا لسيّد البرج ومن نال إذنه.
‘القمة بعيدةٌ وخطيرة. ولا مكان للاختباء هناك.’
لذلك، توجّهت خطواتي طبيعيًّا نحو الأسفل.
كان القبو أشبه بخزانة كنوز. يضمّ مقتنيات سادة البرج السابقين، وثرواتٍ لا تُحصى، وأسرارًا وطنيّة بالغة الأهميّة.
‘إنّه منجمُ ذهبٍ خاصّ بسيّد البرج وحده.’
وهذا سبب حظر الدخول إليه.
“كحّ! آه، دم.”
ما إن سقطت قطرات الدم من فمي، حتى سرت قشعريرةٌ في عنقي.
…لا يهم. فلننجُ أوّلًا.
“أنا هنا، (سيّد البرج) السابق….”
تناثرت خلفي ومضاتٌ واهنة كنجومٍ بعيدة. على الأقل، هكذا بدا الأمر بالنسبة لذلك الباب الحجري العملاق.
وبعد اهتزازٍ خفيف، انفتح الباب السميك ببطء.
نجحت؟
يبدو أنّ الروح كانت كافية، حتى وإن كان الجسد جسد أميرة.
“لا وقت. فلأسرع.”
كان غياب كانياك محض نعمة. فلو كان موجودًا، لأدرك فورًا أنّ باب القبو قد فُتح.
اندفعتُ مباشرةً نحو المكان الذي خُبّئت فيه أحجار المانا، وبدأتُ أحشوها في أكمامي بلا تمييز.
“لا تطمعي. خذي قدر الحاجة فقط.”
وبعد أن امتلأ صدري حتى لم أعد أرى أمامي، توقّفتُ ألتقط أنفاسي.
‘هناك المزيد في قمة البرج….’
لكن لا مجال لذلك اليوم.
وحين استدرتُ للمغادرة، اهتزّ حجر مانا في الأعلى، ثم سقط.
طنينٌ صافٍ، تدحرج الصوت في أرجاء القبو.
‘تبًّا، أكثر مِمّا ينبغي؟’
وبينما أنا في حيرة، التقط شخصٌ الحجر وأعاده إلى مكانه.
“شكرًا لك.”
“لا داعي للشكر.”
شخصٌ لطيف، ظننتُ ذلك، وهممتُ بالمغادرة….
“؟”
لكن، من هذا؟
“هـ—!”
من شدّة الصدمة، تساقطت الأحجار من بين ذراعي. وبين ألوانها المتناثرة، ظهر صاحب النظرة.
“يا للأسف. كلّ ما سرقته قد تناثر.”
شعرٌ أسود كالهاوية، وعيونٌ حمراء لامعة تبعث الرعب.
…وجهٌ أعرفه جيّدًا.
“كانياك…؟”
يا إلهي نجِّني من هذا الموقف.
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"