الفصل 10 :
“اليوم يجب أن أعود إلى القصر مُبكّرًا.”
“أيّتُها اللصّة، لم يمضِ على مجيئكِ سوى عشر ثوانٍ!”
في صباح اليوم التالي، وما إن دخلتُ المختبر حتّى أعلنتُ عن خروجي المُبكّر. وبمجرّد أن فعلتُ ذلك، رمقني كانياك بنظرةٍ مُرتابة.
“إذا نظرتم إلى هنا، سترون أن المقطع العرضيّ للجناح مُنحنٍ على هيئة جناحٍ هوائي، وهذا الميل غير المتناظر يدفع الهواء إلى الخلف…”
سواءً اهتمّوا أم لا، بدأتُ أشرح بسرعةٍ لهم المبادئ الفيزيائيّة لمروحة طاقةٍ سحريّة يجري تطويرها بسلاسة.
“ولِمَ عليكِ أن تذهبي مُبكّرًا؟”
“آه، لأنّ إيان عاد.”
أنهيتُ الإحاطة في لمح البصر، وشرعتُ أُعدّل تجهيزات بنية المروحة، وحينها اقترب كانياك فجأةً وسألني بلهجةٍ متكاسلة.
تظاهر بعدم الاهتمام، لكن يبدو أنّ الفضول تغلّب عليه في النهاية.
“ومن يكون هذا؟”
“إيان هاربر، خطيبي. خرج قبل نصف عام في حملةٍ لإبادة الوحوش، وعاد أمس. انتظرني طوال اليوم، لكنّني كنتُ في البرج السحري فلم أستطع مقابلته.”
الآن وقد عرف السبب، هذا يكفي، أليس كذلك؟ ربّتُّ على ظهره مرّتين بمعنى: تعاونْ معي على خروجي المُبكّر، ثمّ أسرعتُ لإنهاء ما بيدي.
لكن… لماذا؟
منذ اللحظة التي عرف فيها سبب خروجي المُبكّر، بدأ كانياك يضع العراقيل في كلّ شيء. وليس وهمًا ولا سوء مزاج، بل حقيقة!
“المحرّك المصنوع بهذه الصيغة خطير بسبب المعدن سريع التغيّر. أعدْه من جديد.”
“هذه الفرضيّة تفتقر إلى عيّناتٍ كافية. مرفوضة.”
“ألم تعلم أنّ هذا التقرير أُلغي بسبب كِبر هامش الخطأ في العيّنات؟ أعدْ حساب القيم التقديريّة أوّلًا.”
كنتُ أنوي تجاهل الأمر، لكنّ تدقيق كانياك المُفرِط بدأ يُؤخّر الوقت بشكلٍ مُرعب.
وفي النهاية، وقد نفد صبري، سحبته خِفيةً بعيدًا عن باقي السحرة إلى خارج المختبر.
لم أكن أُريد أن أفعل هذا، لكنّني دوّن وعيٍّ وجدتُ نفسي في وضعيّة “الضغط على الحائط”.
وبما أنّ قامتي أقصر من قامته، بدا المشهد مُضحكًا قليلًا، لكنّ هذا ليس المهم الآن.
“كانياك، ألم أقل لك إنّ عليّ المغادرة مُبكّرًا؟ لماذا تُمسك عليّ كلّ صغيرة وكبيرة؟!”
“لا أفهم عمّا تتحدّثين إطلاقًا. لقد قمتُ بعملي فحسب.”
حتّى مع تهديدي، تظاهر كانياك بالبراءة وهزّ كتفيه بعينين صافيتين.
أترغب حقًّا في الاستمرار بهذا الأسلوب؟ إذًا لديّ طريقتي أيضًا.
“روبل، أليس كانياك مُقيمًا في المختبر هذه الأيّام، مِمّا جعل أعمال البرج السحري تتراكم؟”
استدعيتُ روبل سرًّا، ووعدتُه بالتعاون الكامل كي يأخذ كانياك معه.
“هاه! كما توقّعت، الوحيدة التي تُقدّر جهدي هي سموّ الأميرة! تراكم العمل بشكلٍ رهيب! أوراق الموافقات كالجبل، لكنّ السيّد كانياك لا يخرج من المختبر أبدًا……”
زمجر روبل بوجهٍ مُرهَق، وكأنّه هو الرئيس الأعلى.
أرأيت؟ كنتُ أعلم ذلك. لديه ما يكفيه من العمل، فلماذا يلتصق بالمختبر هكذا!
وهكذا، وبعد أن تخلّصتُ من كانياك أخيرًا، أنهيتُ عملي على عجلٍ وعدتُ مباشرةً إلى القصر.
“هاه! سموّ الأميرة! لقد عدتِ أخيرًا!”
“سموّ الأميرة… لماذا تأخّرتِ إلى هذا الحد…؟”
“هل تعلمين كم انتظرنا؟!”
ما إن عدتُ حتّى استقبلتني خادماتٌ كادت دموعهنّ تنفجر، وهنّ واقفات أمام البوّابة المُعدّة في ركن غرفتي لأنّني لم أصل في الوقت الذي حدّدته.
“هاه؟ أليس المطلوب فقط أن أرتدي الفستان بسرعة…؟
آه، يبدو أنّ الأمر ليس كذلك.”
حين رأيتُ حدقات أعينهنّ المتّسعة والمُتجمّدة ببياضٍ لامع، أخذ صوتي يخفت تدريجيًّا. كاد الأمر يتحوّل إلى تمرّد….
“إنّه لقاءٌ بعد نصف عامٍ كامل مع السيّد الدوق! لا يمكننا أن نُرسلكِ وأنتِ بهيئة باحثةٍ مُنهَكة من المجتمع!”
“صحيح! صحيح!”
باحثةٍ مُنهَكة من المجتمع؟ منذ متى وأنا في المختبر حتّى يُقال عنّي هذا…!
وبينما كنتُ أغرق في اليأس، خضعتُ لجلسة غَسلٍ مُتكرّرة، ثمّ إلباسٍ تلو الآخر، إلى أن تمكّنتُ أخيرًا من مقابلة إيان وأنا أرتدي فستانًا أزرق اختاروه بعنايةٍ شديدة.
‘لهذا أردتُ فقط تغيير الفستان!’
مهما أسرعوا في التحضير، كنتُ قد تأخّرتُ خمس عشرة دقيقة عن موعدنا.
توجّهتُ مسرعةً إلى غرفة الاستقبال، وما إن فُتح الباب حتّى فتحتُ فمي تلقائيًّا.
“إيان، آسفة لأنّني جعلتكَ تنتظر مرّةً أخرى!”
“…!”
حدّق إيان بي بوجهٍ مُندهش عند صرختي الصغيرة. بدا مرتبكًا من الموقف غير المتوقّع.
أليس من الطبيعيّ أن يعتذر المرء إذا تأخّر؟
…حين استعدتُ ذاكرتي، أدركتُ أنّ سييرا لم تكن تعتذر حتّى لو تأخّرت.
حسنًا، من الطبيعيّ أن يُفاجأ.
“مرحبًا بكِ، آنسة سييرا. مرّ وقتٌ طويل. حتّى وقت الانتظار كان مُمتعًا، فلا داعي للاعتذار.”
تحت شعره الذهبيّ المُرتّب، انحنت عينان زرقاوان أخّاذتان بنعومة. كان لون البحر في حدقتيه جميلًا لدرجةٍ تُبهج القلب بمجرّد النظر.
“سمعتُ أنّ صحّتكِ تحسّنت مؤخرًا، فحضّرتُ هذا بفرح.”
ثمّ اقترب ببطء وقدّم لي باقةً كبيرةً وفاخرة من الزهور. في وسطها، سيطرت ورودٌ خضراء عديدة، بلونٍ نادر أضفى عليها هالةً غامضة.
“رائع، إنّها جميلة جدًّا. شكرًا لك.”
“يسرّني أنّها أعجبتكِ.”
بعد رؤية كانياك وهو متجهّمُ طوال الصباح، بدا إيان اللطيف والوديع كأنّه ملاك لا مثيل له.
‘كنتُ ضفدعةً في بئر…. لم أَرَ ملاكًا حقيقيًّا من قبل، فتوهمتُ أنّ كانياك ملاك….’
طلبتُ من إحدى الخادمات وضع الزهور في مزهريّة، ثمّ التفتُّ إلى إيان وابتسمتُ بلطف.
“لديّ أنا أيضًا هديّةٌ لك.”
حضّرتها على عجلٍ ليلة أمس، لكنّني اخترتها بعد تفكيرٍ لتكون ممّا قد يُعجب إيان. حين قدّمتُها له بحذر، اتّسعت عيناه بلون الماء دهشةً.
“آنسة سييرا، هذا….”
كنتُ قد فتّشتُ واحدًا واحدًا في صناديق الكنوز التي منحني إيّاها الإمبراطور سابقًا. وبما أنّ إيان سيّد السيف، فلا بدّ أنّه يهتمّ بصيانة سيفه.
ما اخترتُه كان مُلمّعًا عجيبًا، يكفي دهنه مرّةً واحدة على النصل ليحافظ على لمعانه، ويُعيد حدّة النصل البليد.
‘الخادمات قلن إنّه هديّة خَشِنة واقترحن غيرها، لكن…’
وفقًا لذكريات سييرا السابقة، كان إيان يُحبّ سيفه حبًّا شديدًا، لدرجة أنّه لا يأتمن أحدًا عليه، ويقوم بشحذ نصله بنفسه.
إلى حدّ أنّه جاء مرّةً لملاقاتها وهو يحمل سيفه عند خاصرته. بالطبع، كان ذلك في الطفولة، ولم يحدث سوى مرّةٍ واحدة لأنّه يُخالف الآداب.
‘هذا دليل على عمق مشاعره تجاه السيف.’
لذلك جلبته دون تردّد، لكن… هل سيكون مناسبًا؟
“إنّه مُلمّع. سمعتُ أنّه مُستورد نادر من المملكة الغربيّة.
سيكون مفيدًا لسيفك، مع أنّك أدرى منّي بذلك.”
“بمنحي هذا الشيء النفيس، يبدو أنّ هديّتي متواضعةٌ جدًّا. سأستخدمه بامتنان.”
ولحسن الحظ، بدا أنّ الهديّة راقَت له، إذ لم يُسلّمها للخادم، بل احتفظ بها معه. جيّد أنّني قلّبتُ صناديق الكنوز أمس رغم الإرهاق.
وقد أصبح الجوّ دافئًا، حان الوقت للدخول في صُلب الموضوع. هو من جاء أوّلًا، لكنّ من دعا اليوم هو أنا.
“أوّلًا، أنا سعيدة بعودتك سالمًا. حقًّا، لا توجد أيُّ إصابات؟”
“نعم، بفضل قلقكِ عليّ، أنهيتُ الرحلة بسلامةٍ تامّة.”
أجابني إيان بابتسامةٍ مشرقة وهو يُومئ برأسه، وكأنّه كان ينتظر السؤال. أدبه الكامل يكاد يُعمي البصر.
وفقًا للرواية الأصليّة، فإنّ لطف إيان وودّه تجاه سييرا كانا نابعين من الواجب لا غير. بعبارةٍ أخرى، ما يفعله الآن هو قمّة الاحتراف الاجتماعي.
لكن… لم يعد مضطرًّا لذلك.
“في الحقيقة، دعوتُك اليوم لأنّ لديّ أمرًا أودّ قوله.”
“تفضّلي، تحدّثي براحتك.”
أخرجتُ بهدوء وثائق فسخ الخطوبة التي كنتُ أحتفظ بها في صدري، ووضعتها أمامه.
“……آنسة سييرا؟”
حين أدرك ماهيّة الوثائق، انقبض حاجباه الجميلان للحظة.
وسرعان ما انفرجت ملامحه، لكنّها كانت المرّة النادرة التي يُظهر فيها مشاعر سلبيّة أمامي.
“ربّما لا يُسمّى هذا هديّة… لكن قد يكون هديّةً لك. إذا وقّعتَ الآن، فسيُنجَز الأمر خلال هذا الأسبوع. سأتحدّث مع والدي بنفسي، فلا تقلق.”
“…….”
“آه، وإن رفض المعبد فسخ الخطوبة، فسأعيد تقديم الطلب مرارًا، فلا تهتمّ. سأتكفّل بكلّ شيء.”
لمّا لم يُجب إيان بشيء، ظننتُ أنّه قلقٌ من العواقب، فأخذتُ أُعدّد الحلول التي أعددتُها.
‘هاه، قلتُها كما حفظتُ! سيُعجبه الأمر، أليس كذلك؟’
لكنّ ما حدث كان غير متوقّع.
“أعتذر، لكنّني سأتصرّف وكأنّني لم أسمع ما قيل للتوّ.”
“…هاه؟”
“سأستأذن الآن. أتمنّى لكِ يومًا هادئًا.”
ثمّ نهض فجأةً وغادر غرفة الاستقبال قبل أن أتمكّن من إيقافه. تجمّدتُ في مكاني من شدّة المفاجأة، ثمّ أسرعتُ ألحق به.
“ا-انتظر قليلًا! إيان!”
لماذا هو سريع هكذا؟ نحن نمشي بالوتيرة نفسها، لكنّ المسافة لا تقصر أبدًا!
بعد أن ركضتُ بصعوبة لألحق به، أمسكتُ بطرف كُمّه وأنا ألهث.
ربّما لم يلتقِ بعد بالبطلة، لذلك يصعب عليه تقبّل الأمر. بالتأكيد كان الأمر مفاجئًا قليلًا…!
“إذ- إذا رغبتَ يومًا بفسخ الخطوبة لاحقًا، أخبرني.
سأوقّع فورًا.”
يا له من كلامٍ يُقال لمن تحاول إيقافه. كأنّني بطلة دراما عبثيّة.
“آنسة سييرا…….”
…مهلًا، لحظة.
“هل… فعلتُ شيئًا أزعجكِ دون قصد؟”
أظنّ أنّني أصبحتُ فعلًا بطلة تلك الدراما.
نظر إليّ إيان، وبدأت دموعٌ غليظة تتساقط من عينيه. الأسى المتجمّع في عينيه الزرقاوين انهمر دون توقّف.
“سموّ الأميرة… جعلت وريث الدوق هاربر يبكي……؟”
“يا إلهي، ذلك الشخص الذي يشبه الملاك… كيف انتهى به الأمر باكيًا……”
ولأنّني أوقفته في الممرّ المركزيّ للقصر، بدأ الخدم المارّون يرمقوننا ويتهامسون.
‘سأجنّ. هذا ليس ما خطّطتُ له……؟’
الرفض كان كافيًا، أمّا البكاء… فهذا لم يكن في الحسبان أبدًا. ماذا أفعل الآن…؟
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1》
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"