الانستا: aahhkk_7
****
「المجلد الأول: تجسُّدٌ فاشل」
الفصل الثامن
للحظةٍ ظننتُه يمزح، غير أن ملامحه لم تكن توحي بذلك مطلقًا؛ لذا سألته من جديد حتى أجزم جهله: «حقًّا؟… ألا ترى شيئًا ممن كُتب هنا؟»
«بلى، لا أرى سوى صفحةٍ بيضاء.»
«غريبٌ حقًّا، أكان لا بدّ لهم المبالغة إلى هذا الحد…؟»
ترى، أكان في هذا القصر سرٌّ ما؟
ولِمَ جُعِلتْ هذه الأشياء مرئيةً لي وحدي فقط؟
حتى حين عرضتُ عليه الصفحة الأولى من اليوميات، حيث تعتذر يورينا لي صراحةً، لم يستطع سوى أن يرمش بعينيه في حيرة.
وسرعان ما فقد اهتمامه، وعاد بهدوء ليغسل الأرز، كأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد.
أما أنا، فغرستُ جسدي عميقًا في الكرسي، وعدتُ أتصفّح اليوميات بتركيز أكبر.
“مخزن المؤن محميّ بسحر حفظ، ما يسمح بتخزين المواد سريعة التلف لفترات طويلة.
المطبخ يحتوي على أربعٍ وعشرين مقلاة، وثلاثين قدرًا، ومئةٍ وتسعة شوكات……“
– حقًا، لم يَخفى شيءٌ ولم يُدوَّن–
لكن بما أن هذه التفاصيل لا تنقذ الأرواح فورًا، تجاوزتها، وبحثتُ عمّا يهمّني حقًا:
” السحر المفروض على القصر. أنواع السحر كما يلي:
١. سهام مُشكّلة من طاقة سحرية؛ الإصابة بها قد تؤدي إلى الموت الفوري.
٢. تسعة وثلاثون حفرة سحرية؛ السقوط فيها قد يؤدي إلى الموت الفوري.
٣. هراوة تظهر من العدم؛ تُستدعى عند المدخل في حال نجا المتسلّل من الفخّين السابقين؛ الإصابة بها قد تؤدي إلى الموت الفوري.“
«…أليس هذا نظامًا مصمّمًا خصيصًا ليُبشّر الزائر بـ: حان وقت فنائك، مِت وخلّصنا ؟»
ولكن، إن لم يستطع أحد دخول القصر؛ فمع من يُفترض بي أن أعيش؟
وفجأة، تذكّرتُ وابل السهام الذي انهمر على اللصوص بالأمس. كونها مصنوعة من طاقة سحرية… يفسّر كيف سقطوا كدمى قماشية بلا مقاومة.
زحفت قشعريرة إلى ذراعي؛ فرفعتُ بصري لا إراديًا نحو كيليان، الذي كان يشوي النقانق.
«ماذا؟»
«لا شيء.»
«تنظرين إليّ بغرابة؛ من واضح أن لديكِ ما تقولينه.»
تراقصت قطرات الزيت على سّطح الحامي للمقلاة، وامتلأ المطبخ برائحة شهية، بينما التفت إليّ كيليان بابتسامة هائمة.
سألته:
«كتفك المصاب… هل تحسّن؟»
«إلى حدٍّ ما، يؤلمني قليلًا عند الحركة.»
ثم—وكأن الألم دعوة للاستعراض—أخذ يدير كتفه المصاب دورانًا مبالغًا فيه.
لو كنتُ مكانه، لما خطر لي استعراض المرونة بعد نجاتي من الموت في اليوم نفسه.
«هل… أُصبتَ بسهمٍ وأنت آتٍ للقصر؟»
«نعم، وكدتُ أموت حين انهارت الأرض تحت قدمي أيضًا.»
«ولا بدّ أن الهراوة خرجت لتحيّيك عند المدخل؟»
«لم يكن من السهل تفاديها وطرق الباب في الوقت ذاته.»
هذا ليس شيئًا ينجو منه شخصٌ عادي.
اللصوص بالأمس انتهى أمرهم قبل أن يدركوا ما يحدث. عندها فقط، أدركتُ مجددًا أن كيليان ليس إنسانًا عاديًا.
وإن وُجد ناجٍ آخر بمثل قدرته، ووصل إلى هذا القصر… فلن أكون أنا من يلتقيه حيّة.
«لماذا وضع أبي كل هذه السحريات…؟»
«لا أدري.» قالها ببساطة، وهو يقلّب الأرز بالمغرفة.
«لكن لو كنتُ مكانه… لفعلتُ الشيء نفسه.»
«تخيّلي الأمر.» قالها بهدوءٍ مريب.
«العالم ينهار بين ليلةٍ وضحاها، بينما يبقى قصر آرثر وحده سالمًا، أي ناجٍ سيعدّه ملاذه السّعيد الأوّل بلا تردّد.»
«لكن لدينا طعامًا كافيًا.» اعترضتُ وأكملت: « لذا لا بأس لو جاء بضعةُ أشخاص أُخَر… العيش وحيدة أمرٌ موحش.»
ابتسم ابتسامة قصيرة، لا دافئة ولا قاسية، وأردف:
«أنتِ طيّبة يا ماري، لكن ماذا لو جاء من يضمر لكِ الأذى؟ أو من يقتلكِ ليستولي على القصر؟»
عندها لاح فيَّ سؤالٌ وددتُ لو رميته في مرأى وجهه: وأنتَ أيّ فئةٍ منهم؟
لكن، في النهاية، لم يكن كلامه خاليًا من المنطق.
«في كلتا الحالتين… يبدو الأمر مرعبًا.»
«ولهذا وُضِعت الحواجز.»
تردّدتُ لحظة، ثم سألت:
«وماذا عن الذين لا يشكّلون خطرًا؟ طفل مثلًا… أو أمٌّ تحمل رضيعها؟»
«الطعام جاهز.» أنهى النقاش كأن السؤال لم يُطرح قط؛
وربما لأنه سؤال لا يحبّ أحد أن يجيب عنه.
انشغلتُ بمضغ الأرز المتقن، أتنهد إعجابًا بكل حبّة كأنها انتصار صغير، أما كيليان، فقد أسند ذقنه إلى يده، يأكل بالشوكة، ويراقبني بنظرة مستمتعة.
هل ينوي تحويل وجباتي إلى عرضٍ يومي؟
أدرتُ وجهي بلا تعبير، وأنهيتُ طعامي بسرعة.
«بما أننا انتهينا، ألا نلقي نظرة على الدفيئة؟»
«إذًا سأؤجّل غسل الصحون.»
«لن يوبّخك أحدٌ كمان تعلم.»
«لكن الاجتهاد يقرّبني من رضا ماري.»
«…….»
أعرف تمامًا أنه يتودّد لي ليضمن بقاءه هنا،
ومع ذلك… قلبي لا يحترم المنطق إطلاقًا.
هل طول العزلة يضعف المناعة العاطفية؟
مسحتُ وجهي كشخصٍ يعيد ترتيب أفكاره، ثم تقدّمت.
«بالمناسبة، أين نمتَ البارحة؟» سألتُه وأنا أبحث عن باب الدفيئة.
كان خلفي، ثم حمل القطة التي كانت تتبعنا بإصرار.
«سيدتي أمرتني بحراسة الممر.»
«هل تقصدني بسيدتي؟»
«إن لم يعجبكِ، سأتوقف عن قوله.»
«ليس سيئًا.»
أن يناديني زعيمُ عالم الجريمة بـ سيدتي…
تجربة كفيلة بإثارة قشعريرةٍ مريبة.
لم يخطر ببالي قطّ أن أكتشف هذا الجانب من نفسي— بعد تسعةٍ وعشرين عامًا كاملة.
اكتشافٌ متأخر، ومحرِج على نحوٍ غير متوقّع.
لكن الاسترسال في هذا الطريق ليس فكرةً حكيمة؛ فبادرتُ بالكلام سريعًا، قبل أن أتمادى في أفكار لا يليق بي الاعتراف بها.
«أظنها هنا.»
فتحتُ الباب الخلفي.
دفيئة زجاجية تقف متحدّية الخراب، كأن نهاية العالم شائعة لا تهمّها.
لكن…
هل أنا الوحيدة التي تستطيع دخولها؟
أشرتُ إلى كيليان أن يجربو..
«آه!» ، تراجع وهو يقبض على يده،
أعاد ترتيب شعر القطة، ثم نفض أصابعه.
«يبدو أنني غير مدعو.
الأمر تمامًا مثل مخزن المؤن، يبدو التيار لن يرحم سواكِ.»
«أوه أحدث ذلك عن فجر اليوم أيضًا؟ لو علمتُ أن ذلك سيحدث لكنتُ أخبرتك»
قلت ذلك وأنا أتفحّص القطة بحذر، لكن يبدو أن التيار لا يستهدف سوى البشر فقط… يبدو أنهم الأقل حظًّا.
«كنتُ أودُّ التأكد بنفسي، لكن يبدو أني لن أقوى على العيش بدون ماري» قالها بخفّة
إذًا أقلّها أنا مُأتمَنةٌ من… تنفّستُ الصعادء أخيرًا.
«تفاح؟ وهناك خوخ! وأسفلها ملفوفٌ وجذريات.»
ارتفعت أصوات كما لو أنني عثرتُ على كنزٍ أسطوري مدفون منذ قرون؛ فما قيمة اللحم، مهما بلغ طيبه، من دون خضراواتٍ طازجة وفاكهةٍ مقرمشة؟
فتحتُ باب الدفيئة ودخلتُ بلا أي تردّد، ثم التفتُّ إلى كيليان،
الذي تبعني بخطواتٍ حذرة، وسألته بحماسٍ صريح:
«هل تجيد خبز الكعك؟ كعكة بالكريمة، تعلوها شرائح خوخ.»
رمقني بنظرةٍ جانبية وقال:
«يبدو أنكِ… بسبب انعزالكِ في البيت مطوّلًا، صرتِ بريئة أكثر مما ينبغي.»
«هل تشتمُني الآن؟»
«أبدًا، حاشاكِ.»
اقترب على حين غرّة، وأزاح خصلةً شاردة علقت بخدّي، بحركة بدت أبسط مما ينبغي… وأربك مما توقّعت.
وأمام شجرة خوخٍ تتدلّى ثمارها بثقلٍ كسول، أفلتت مني ابتسامة—لا محسوبة، ولا حذرة—ابتسامة خرجت صافية، كأنها حُلّيَت بوريد القلب قبل أن تظهر.
«حسنًا؛ ففي النهاية، لا بدّ أن نعيش، وما العيب في أن نكون مبتهجين؟»
«صحيح… حين تبتسمين، تصبحين أجمل.»
كان يلفّ خصلةً من شعري المجعّد حول إصبعه، ويبتسم بعينيه—ذلك التودّد الذي اعتدتُه، وكنت أظنني محصّنة ضده،
وربما لأنني أدركتُ أخيرًا أنه، مهما بدا خطيرًا، لا يستطيع إيذائي بسهولة… أحسستُ براحةٍ غريبة، ناعمة وباردة، كأنها بُذِرت في صدري دون استئذان.
فابتسمتُ أكثر، وأجبتُه بصوتٍ مفعمٍ بمرحٍ مقصود:
«بالطبع أنا كذلك! تأخّرتَ كثيرًا في ملاحظة ذلك.»
«……»
كان عليه أن يردّ فورًا؛ أن يمازح، أو يراوغ، أو يقلب العبارة ضدي—كعادته.
لكن ابتسامته تلاشت ببطء، وحدّق فيَّ مطوّلًا بنظرةٍ غير مفهومة، ثم أدار وجهه مُتراجعًا كمن أُمسك متلبّسًا بشيءٍ لا يجيد الاعتراف به.
«ما بالك فجأة؟»
«لا شيء.»
مرّ بجانبي متجهًا نحو شجرة الخوخ.
ولمحتُ—لمحةً بالكاد—طرف أذنه وقد احمرّ احمرارًا خفيفًا ملحوظًا على إثر بشرته الشاحبة.
يا للمفارقة.
هذا الذي لا يكفّ عن بعثرة مشاعري بكلمةٍ هنا ولمسةٍ هناك… يرتبك هكذا لمجرّد ابتسامة صادقة؟
حينها تذكّرت—متأخرة قليلًا—أنه أصغر مني بخمس سنوات.
كادت رغبة مشاكسة تداعبني، أن تدفعني لأُضايقه أكثر، وأضيفَ ارتباكًا فوق ارتباكه، لكن—
***
«ألستَ الفارس المكلّف بحمايتي؟ إذن، فلتترأس طريقي حالًا!»
***
صوتٌ أجشّ لرجلٍ في منتصف العمر، مشحون بالغضب دوّى صميمَ أُذني، من مكانٍ ما.
«آه! ذلك أخافني!»
وضعتُ يدي على صدري.
أما كيليان، فكان يقطف خوخةً بهدوءٍ مريب، كأن العالم لم يُقاطعنا للتو.
«ما الأمر؟» سأل، حين التفتُّ إليه.
«أظن… أن هناك من اقترب من القصر.»
وهنا، عاد ذلك الشعور الثقيل.
هل سأضطر لرؤية موتٍ آخر عن قرب؟
اندفعتُ خارج الدفيئة قبل أن أفكّر أكثر، تاركةً كيليان خلفي.
اجتزتُ القصر بخطواتٍ متعثّلة، ودفعتُ باب المدخل على مصراعيه.
استقبلني هواءٌ خانق، حارّ، كأنني في خضمِ صحراءٍ لا ظلّ فيها.
***
«لكن يا صاحب النيافة، أليس اثنان من فرسان الهيكل قد لقيا حتفهما بالفعل بسبب لعنة القصر؟»
«لقد ضحّيا بأنفسهما لحمايتي؛ أترغب في الجدال الآن وسط هذا القيظ؟»
***
تتابعت أصوات رجلين بوضوح،
والتي تخلّلها بكاء طفلٍ مكتوم، يُختنق من فرط الشّهيق.
كوّرتُ يديّ حول عينيّ، لأحدّق في الأفق أكثر.
أين هم؟ أين مكانهم؟
***
الانستا: aahhkk_7
التعليقات لهذا الفصل " 8"