أطبقت يديّ على وجهي وحدّقت من نافذة القصر بعينين مرتجفتين أبحث عمّا أثار قلقي، فإذا بي أصرخ فجأة:
“وجدتُها!”
لمحتُ أحد أجساد اللصوص يهتزُّ قليلًا في خصره، بل كان أقرب إلى أن ظهره يتلوّى بشكلٍ مريب…
لكن الواقع هو أن ما كان يُرَصُّ تحته كان فرخ قطةٍ رماديّة اللون، تتلوّى بيأسٍ من ضيق الألم، ويبدو أن جسمها الصغير عالقٌ تحت ذلك الجسد الثقيل.
“سأُجنّ حقًّا …أعليّ حقًّا الولوج إلى هناك!؟“
بدأتُ ألوج أرجاء الغرفة جيئةً وإيابًا من فرط التوتّر والخوف،
أنا لم أملك الشجاعة قطّ للخروج عبر الباب… صحيح أن اليوميات أوضحت بأن سحر القصر لن يمسّني بأذًى، ولكن ما الذي سيجعلني أضمن بأنه لن يُغدَقَ عليّ ذلك الرّمق من السهام النّارية التي تنوي جعلي دجاجًا مشوِّيًّا على السيخ!؟
لكن…كيف يُطاوِعني قلبي أن ألوذ بجلدي وأترك تلك القطّة المسكينة الصّغيرة لوحدها في مثل ساحة الجمر تلك؟
لم أفكّر في الأمر مطوّلًا، صعدتُ لغرفتي، نزعتُ غطاء الوسادة، ولففتُه حول فمي تجنُّبًا لاستنشاق أي هواءٍ رماديٍّ عَفِن،
ومِن ثمّ توجّهتُ وقلبتُ الخزانة رأسًا على عقب حتّى وجدتُ زوجًا من الأحذية البنيّة، ارتديتهما، وخرجتُ مُسرعة.
لم أُجِبه، بل توجّهتُ نحو الباب مباشرة، قبضْتُ مِقبَض الباب بأيدٍ مُرتجِفــة…
لا تتراجعي… لا تتراجعي… عليكِ إنقاذ القطّة…!
لكن ما إن فتحتُ الباب حتى لفَحتنِي سخونة الهواء الحار…آاه يكاد يحرق أنفي
لربّما…لربّما لم يتبقّى في هذا العالم سوانا أنا وذلك الرّجل…وتلك القطّة التي سأنقذها الآن… لربمّا لم يعد في هذا العالم سوى هذا القصر ليأوي…أما لويس والبطلة!؟ على الأرجح قد لقيا حتفهما بالفعل.
تآوهتُ من آلام الحرارة…وخطوتُ خطوة حذرة للخارج…
“ميااااوو…
أخذ صوت نحيب القطّة يتزايد ويتوضّح…ومع كلّ نحيبةٍ منها أُهروِل أسرع وألتفتُ خلفي فزعًا…إلا أن السّهام لم تُرشَق عليّ بالفعل.
يبدو أن دفتر اليوميّات كان على حق، طالما أظلّ داخل حدود القصر؛ فلن يمسّني أذًى.
وما إن انفتحت فجوة صغيرة حتى قفزت القطة منها بسرعة وانطلقت تجري بكلّ ما أوتِيَت، نافِشةً فراءها، ومفزوعة بشدّة.
يا للصغيرة المسكينة، بالكاد رأت نور العالم لبضعة أيامٍ وعاشت كلّ ذلك الجحيم وهي بهذا الصغر.
“تعالي معي يا صغيرتي”
“مااوو…
رغم حذرها إلا إنها لم ترفضني حين ضممتُها، احتضنتُها باحكام وهرولتُ نحو القصر متناسيةً أني لمستُ الجثة… فكلُّ ما كان يَشغلُ بالي هو أن أنظفها، وأُطعِمها، وأُعالج جراحها.
دخلتُ عتبة القصر وأغلقتُ الباب خلفي، ثم انزلقتُ إلى الأرض ألهث، وقلبي يكاد ينفجر من عنقه.
اليومَ استفقتُ في جسدٍ جديد، في عالمٍ قد تهدّم، وشهدتُ الموتَ أمام عيني… هل.. هل يا تُرى سأُبرَّأ من هولِ ما وقع؟
إن كان هذا هو واقعَ التّجسُّدِ في عالمِ رواياتٍ رومانسيّة؛ فأنا لا أريد البقاء، أريد العودة.. أريد أن أعود…
لو حاولتُ أن أمسّك بسوء؛ فسأكون أنا وحدي من يتعرض للهلاك.”
قال ذلك، ثم أمال رأسه برفقٍ نحو حِجرِه، كأنّ صلابته السّابقة قد تبددت على نحوٍ مريب، وأحنى كتفيه العريضين كمن قد يعانق نفسه – يبدو كقنفذٍ نوعًا ما– ، ولانت ملامحه في هيئة حزنٍ مُتقن، ولا سيّما عيناه الحمراوين،
يتصنّع هيئة جروٍ شريدٍ تحت المطر.
“لذلك… لديّ طلبٌ صغير.”
صرختُ على الفور:
“مستحيل!”
تبسّم بخفة:
“أترفضين قبل أن تسمعي؟”
أجبتُ بِحدّة:
“لأنّي أعرف ما الذي ستقوله!”
قبل أن أرى تلك العينين القرمزيتين، لم أكن أدرك هويّته الحقيقية؛ لذلك سمحتُ له بدخول القصر، بل وضمدتُ جراحه بيدي.
كنتُ عازمةً على التعايش حتى مع اللصوص، أمّا هذا الرجل، وهو زعيمٌ من عُمق الظلال؛ لذا فالأمر مختلف.
ثم إنّ حديثه عن الطُلسُم وحمايتي ما زال لم يرسخ في قلبي.
فكيف لي أن أُبقي مثل هذا الخطرِ داخل جدران القصر؟
قال فجأة:
“ألا تحتاجين إلى خادمٍ هنا؟”
عقدتُ حاجبيّ بحدة:
“لا حاجة لي بخادم.”
تظاهر بأنّه يتذمّر ومدّ شفتيه كما لو كان طفلًا يُراد منعه من الحلوى.
“وماذا عن طاهٍ؟”
أجبتُ بتردّد:
“ممم…”
“أنا ماهرٌ في الطبخ، أكثر مما تظنّين.”
أحقًا يحاول استمالتي بهذا؟! أكان طعم العصيدة التي صنعتها سيئًا إلى هذا الحد؟
ورمقتُ الوعاء المقلوب على الأرض بحسرة.
تابع كلماته:
“فكّري بالأمر، ألا تشعرين بالوحشة وأنتِ تعيشين وحدكِ في قصرٍ كهذا؟ لو قبلتِ بتوظيفي، فسأكون هنا كلّ ليلة…”
توقّف عن الكلام،
ووجهي احمرّ:
كلّ ليلةٍ ماذا؟! ما الذي ينوي أن يقوله؟!
لا أستطيع قراءة أفكاره، لكن في المقابل أخذ شيءٌ من قلبي يلين.
إن طردته؛ فهل سأجد من أثق به ثانية؟
بل، هل سيخرج بهدوءٍ إن أمرته؟
إنّه الآن يقدّم نفسه كعبدٍ تحت قدميّ، ولا أعلم أحقًّا سينحني أم سيَغدِر؟
ومع ذلك، ومضةُ احتمالٍ راودتني…
كلا! ما الذي أتوهّمه الآن؟
لا يجوز أن أخضعَ لهذا الرجل! كيف لي أن أعيش تحت سقفٍ واحدٍ مع خطرٍ كهذا؟!
التعليقات لهذا الفصل " 5"