فتح رئيس الأساقفة أبواب الغرف واحدةً تلو الأخرى دون أن يكلف نفسه عناء الاستئذان،
يتفحّصها بنظرة ناقدة قبل أن ينقر لسانه بضيق.
“إهمال فاضح! كيف تريدين منّي أنا العظيم ساندرو الاستحمام في مكانٍ كهذا؟!”
لم أستطع منع عينيّ من التقلّب، فأجبته بنبرةٍ باردة:
“الخادم أخذ الفارس إلى غرفةٍ نظيفة، وفيها حمّام خاص. يمكنك استخدامه.”
رفع حاجبًا ممتعضًا، وكأنني اقترفت في حقّه جرمًا، وأردف:
“وفي هذا القصر، بكل غُرَفِه،
تريدينني أن أستخدم غرفةً نام فيها شخص آخر؟!”
زفرتُ بحدة ومسحت وجهي بكفّي قبل أن أرميه بنظرةٍ نفد صبرها:
“آه، بحق خالق السماء! لحوحٌ وطلباتك لا تنتهي! ما رأيك أن تخرج من هنا وتبحث عن حمّام يعجبك في الخارج؟!”
عندها،
أطبق شفتيه أخيرًا، ثم توجه بخطوات ثقيلة إلى الغرفة التي كان فيها كيليان والذي يساعد الفارس على نزع درعه، وأغلق الباب خلفه بصفعة مدوّية.
تطلعت إلى الباب المغلق للحظة، ثم تمتمت بسخط:
“يا له من متغطرسٍ مدلل…”
التفتُّ إلى ريتا والجد أوجين، متجاهلة تمامًا الكاهن المزعج، ثم أردفتُ بنبرةٍ هادئة:
“ريتا، استخدمي حمّام غرفتي، أما أنت يا جدي…”
توقفت للحظة، بعد أن أحسستُ بأن الصياغة غريبة؛ فعدّلت كلامي بسرعةٍ وأردفت:
“أقصد، أيها الخادم العجوز، يمكنك الاستحمام بعد أن يخرج رئيس الأساقفة.”
رفع الجد يديه معتذرًا بلطف:
“آه، لا حاجة لي بشيء، يكفيني أنكِ سمحتِ لنا بالبقاء هنا.”
ابتسمتُ قليلًا وأردفتُ بلا اكتراث:
“الغرف كثيرة، لن يضيرني وجود المزيد من الأشخاص هنا.”
رغم ذلك، يبدو أن المخزون الغذائي سيتعرض لضربة قاسية بوجود ذلك الكاهن البدين.
تركتُ الجد أوجين في الرواق ودخلتُ الغرفة برفقة ريتا.
ما إن وقعت عيناها على الستائر الوردية المتدلية من السقف، والأرنب المحشو المستقرّ على الطاولة، حتى بدأت شفتاها ترتجفان؛ ثم تتحول نظرتها المتأملة لاحقًا إلى بحرٍ من الدموع.
” ظـ.ـننـ.ـتُ أنـ.ـني… لن أرى أشياء كـ.ـهذه مجددًا أبدًا… كان لديَّ أرنـ.ـبٌ محشوٌّ أيـ أيضًا، أختي الكبرى اشتـ.ـرته لـ لي…”
توقفت للحظة، ثم أضافت بصوت خافت، كأنما تخاطب نفسها:
“…لكنه احترق الآن.. على الأرجح.”
وكأن هذه الكلمات الأخيرة كانت القشة التي قصمت ظهر تماسُكِها، إذ أجهشت ببكاءٍ حاد:
“أمـــي… أختــــي!”
راقبتها بصمت، وعقلي يزدحم بأسئلة لم أملك الجرأة لطرحها.
هل لا تزال أسرتها على قيد الحياة؟ هل نجت إحداهن؟
لكن حتى التفكير في ذلك بدا كابوسًا؛ لذا آثرتُ أن أجرّ الحديث بعيدًا:
“إن استحممتِ وخرجتِ، سيكون الأرنب لكِ، وسنحظى بعشاءٍ لذيذ أيضًا.”
رفعت رأسها وعيناها البنفسجيتان تلمعان بالدهشة بين الدموع:
“حقًّا؟”
ابتسمتُ قليلًا ومررتُ يدي في شعري:
“بالطبع؛
فلم أعد في سنِّ اللعب بالدمى.”
دفعتُها بلطف نحو الحمّام، ثم توجهتُ إلى غرفة الملابس أبحث عن شيءٍ ترتديه، لكن المشكلة سرعان ما ظهرت…
كل الملابس هنا مصممة على مقاسي فقط.
زفرتُ بخفة وخرجتُ، ثم طرقت على باب الحمّام:
“ريتا! وضعتُ لكِ الملابس على السرير!”
بعدها، التقطتُ زجاجة صغيرة من جرعة علاج مخصصة للإصابات الخطيرة، وذهبت إلى الغرفة المجاورة.
لكن ما إن فتحتُ الباب حتى كاد شيءٌ ينفجر في رأسي…
رئيس الأساقفة ذاك، يغنّي بصوتٍ جهوريٍّ نشّاز، كأنها صيحاتُ المُعَذّبين من ألسنة الجحيم بنفسها.
إييه،يبدو أنه يستمتع بحمّامه أكثر من اللازم.
وقبل تمكّني من استيعاب ذهولي المتقزز، جاءني صوت كيليان، الذي كان يجلس قرب الفارس وقد تخلص من درعه:
“تصرفٌ رائع منكِ، ماري،
أحسنتِ.”
وقف ببطء، وابتسامة خفيفة تعتري شفتيه… لكنها لم تصل إلى عينيه.
تبًّا.
“لا يمكنني ترك شخصٍ بحاجةٍ إلى المساعدة… آه، تبًّا.”
كنتُ على وشك التفوه بكلماتٍ مألوفة عن النُبل والأخلاق، لكنني أغلقتُ فمي على الفور، لا فائدة من الكذب على نفسي، خاصةً وأنا بالكاد أكتم ندمي على إنقاذ رئيس الأساقفة، لم يكن لدي أي مبرر مقنع هذه المرة.
“آنستي، هل يمكنك إخباري من أين يمكنني إحضار بعض الماء؟ لا بد من تنظيف جراح السيد الفارس.”
كان الجد أوجين واقفًا بجوار السرير، ينظر إلى الرجل المصاب بنظرةٍ قلقة، من الواضح أن كيليان لم يكلف نفسه حتى عناء إلقاء نظرةٍ ثانية على الجروح.
“انتظر لحظة، لدي جرعة قوية ستفي بالغرض.”
جلستُ حيث كان يجلس الجد قبل لحظات، وفتحتُ زجاجة الجرعة، لم أكن بحاجة إلى النظر لأعرف أن كيليان يحدّق فيّ بعدمِ رضًا، لكنني تجاهلته تمامًا وسكبتُ الجرعة مباشرةً على الجرح.
“آآه…!”
شهق الرجل المصاب متألمًا، وحاول النهوض لا إراديًا، لكن الجد أوجين تحرّك بسرعة إلى الجهة الأخرى من السرير وأمسك به، مانعًا إياه من التحرّك.
يد الفارس المصابة، المغطاة بالرماد قبَضَت على الملاءة بقوة، عندما رفعتُ يدي ومسحتُ العرق المتصبب من جبينه، أغمض عينيه قليلًا… ثم، بشكلٍ غير متوقع، مالَ بوجهه على يدي… يحتك بها وكأنه يبحث عن شيءٍ من الطمأنينة وسط ألمه.
“آااه… تبًّا… هذا يــ.ـؤلم!”
“اصبر قليلًا، ستشفى قريبًا.”
“أمـ.ـسك… بيــ.ـدي… أرجـ ـوك…”
كان صوته متقطعًا، أقرب إلى أنين طفلٍ ضائع، لم أفهم لماذا يطلب ذلك رغم أن الجد أوجين كان بالفعل ممسكًا بإحدى يديه، لكنني – وبدون تفكير- مددتُ يدي الأخرى وأمسكتُ بيده المتشنجة.
كانت خشنة، متشققة، مغطاة بندوبٍ قديمة، وأصابعه بارزة تحت الجلد المتصلب.
هذا رجلٌ يحتضن المعارك عن ظهر قلب، لا عجب أن رئيس الأساقفة اعتمد عليه لحمايته.
نظرتُ إلى الجد أوجين وسألته:
“هل هو… فارسٌ مقدّس؟”
“نعم، البارون بارين، رجلٌ نذر نفسه بإخلاصٍ لإلهة لابالي، وأقسم على الطهر، لقد أنقذني أنا والآنسة الصغيرة ليتا عندما تهنا في الطرقات.”
إذن، هو شخصٌ نبيل حقًا، رغم أنه الآن متألمٌ وعابس، إلا أن ملامحه تملك تلك الهالة الدافئة التي لا يمكن تجاهلها.
شعرتُ بالارتياح لأنني أحضرته معي، لكن عندما رفعتُ رأسي، التقت عيناي بعينين أكثر برودة…عينَي كيليان، اللتان كانتا تراقبان بارين بنظرةٍ غير مقروءة.
أشرتُ بوجهي نحو كيليان وقلت بابتسامةٍ هادئة:
“ذلك الرجل هناك تعافى بسرعةٍ بفضل هذه الجرعة، وأنت أيضًا ستتحسن قريبًا، بارين، حتى ذلك الحين، الجد أوجين سيعتني بك.”
“لا تقلقي، آنستي، ما إن يخرج رئيس الأساقفة من الحمام، سأحرص على أن يحصل السيد الفارس على عنايةٍ كاملة.”
“لكن ألا يُفترض أن يمتلك رئيس الأساقفة قوًى مقدسة؟”
خفض العجوز أوجين صوته إلى نبرةٍ هامسة، كأنه على وشكِ البوحِ بسرٍّ خطير:
“الأمر هو… أن البطريرك ساندرو ليس سوى ابنٍ غير شرعيٍّ للبابا.”
أوه، إذن، لم يكن رئيس الأساقفة ذاك سوى رجل عديم الفائدة.
جميل.
وقفتُ وربتُّ على كتف الفارس كما فعلتُ مع كيليان من قبل، ثم هممتُ بالمغادرة، لكن قبل أن أخطو بعيدًا، قُطع مساري حينما اقترب كيليان مني بخطوات سريعة وأمسك بمعصمي.
“إلى أين تظنين أنكِ ذاهبة، ماري؟
ألم تطلبي مني أن أصنع لكِ كعكة الخوخ؟”
كان في نبرته شيءٌ حاد، توترٌ خافت يطفو على السطح، ربما بسبب الضيوف غير المتوقعين الذين اقتحموا يومنا هذا.
“هناك ما هو أكثر أهمية الآن، في الإسطبل بالأسفل، هناك خيول بالكاد تستطيع الوقوف من الجوع، اذهب وأعطها بعض الماء أولًا.”
رفع حاجبًا ساخرًا: “آه، والآن أصبح دوري أن أكون خادم الإسطبل أيضًا؟”
“ألديك اعتراض؟”
ضحك ضحكة قصيرة خالية من الدفء: “بالطبع لا، ألم أقل إنني سأفعل أي شيء؟”
ثم استدار واتجه إلى الطابق السفلي دون أن يضيف كلمة أخرى. رغم ذلك، لم أستطع التخلص من شعور أنه ربما بدأ يضيق ذرعًا بطلباتي.
هل كنتُ أرهقه دون أن أدرك؟ لكن… هو من عرض نفسه بنفسه!
حاولتُ أن أُسكت ذلك الصوت في رأسي وتوجهتُ إلى غرفتي.
“آآآه… هذه الملابس كبيرة جدًا!”
استدرتُ لأجد ريتا وسط الغرفة، ترفع ذراعيها الصغيرتين فيما تتدلى الأكمام الطويلة فوق يديها. قطرات الماء ما زالت تتساقط من شعرها المبلل، وعيناها البنفسجيتان المتألقتان تحدقان بي بتعبيرٍ أقرب إلى الحيرة.
ابتسمتُ برفق:” “نادِني ماري، أو أختي ماري، إن أردتِ.”
الآن بعد أن أصبحت نظيفة، بدت أشبه بملاك صغير. بشرتها البيضاء الناعمة، خدودها التي احمرّت من الدفء، وعيناها اللتان لم أستطع التوقف عن تأملهما، لونٌ نادر… في العادة، أصحاب العيون المميزة لديهم أقدار غير عادية في الحكايات.
“تعالي، يجب أن نجفف شعركِ.”
أمسكتُ بمنشفة وبدأتُ أفرك خصلاتها المبللة برفق، فيما كنتُ أُفكر أنني سأحتاج إلى تقصير الفستان قليلًا حتى لا تتعرقل به.
والآن وقد أصبح لديّ فردٌ جديد في العائلة؛ فهذا يعني المزيد من المسؤوليات، لكن بما أنها فتاة؛ فمن الطبيعي أن أقوم أنا برعايتها.
عندما كنتُ أُمرر أصابعي في خصلاتها المتشابكة، جاء صوتها خافتًا، ممتزجًا برجفةِ حنين:
“بهذه الطريقة… أنتِ تُذكرينني بأختي..
كم أفتقدها…”
جحظت عيناها قليلًا، وارتعش صوتها وهي تشهق، وكأنها تحاول أن تكبح الدموع التي تهدد بالتسلل إلى خديها.
“ميااو.”
بصوتٍ رقيق، ظهرت القطة الرمادية فجأة وسحبت طرف ثوبها بأسنانها الصغيرة،
يبدو أنها كانت يراقبنا طوال الوقت مختبئةً في الزاوية.
تلاشى الحزن من وجه ريتا وهي تحدق فيها بدهشة،
ثم أسرّت بفرحةٍ كمن عثرت على كنزها الدفيت:
“قطة؟! ما هذا الجمال! ما اسمها؟”
توقفتُ للحظة، وكأنني لم أفكر بهذا السؤال من قبل: “في الواقع… لم أُسمِّها أبدًا… أنا فقط أناديها بـ الصغيرة.”
احتضنت القطة بحنان: “مرحبًا، أيتها الصغيرة! أنا ريتا!”
لحسن الحظ، يبدو أنها نسيت حزنها بسرعة.
في اللحظة التي انتهيتُ فيها من تمشيط شعرها، دوى صوتُ قرقرة خافتة.
نظرتُ إلى المرآة؛ فإذا بريتا محمرّةٌ من الخجل.
“آه… أنا آسفة، كنتُ جائعة.”
ضحكتُ وربتُّ على رأسها: “لا بأس، فلنذهب إلى الطابق السفلي ونرى إن كان هناك شيءٌ للأكل.”
بينما كنا في طريقنا، ألقيتُ بنظرة عابرة على الغرفة المجاورة، حيث كان البارون ممددًا بهدوء على السرير بعد أن تم تنظيفه مع جرحه، أما العجوز أوجين لم يكن هناك، ربما ذهب هو الآخر ليغتسل.
لكن فجأة، وقفتُ في منتصف الدرج.
“انتظري لحظة…”
شعرتُ بقشعريرة مفاجئة تزحف في ظهري: “أين رئيس الأساقفة؟”
دون تفكير، اندفعتُ نحو الطابق السفلي، كان هناك شيءٌ غير مريح بشأن ترك ذلك الرجل دون مراقبة.
عندما وصلتُ إلى الإسطبل، لم يكن كيليان هناك، فقط الخيول التي استعادت بعض حيويتها بعد أن شربت الماء، تراقبني بأعينٍ واسعة متوقعةً المزيد.
تنهدتُ وربتُّ على رقبة أحدها: “حسنًا، حسنًا، سأحضر لكم الطعام أيضًا.”
لكن قبل أن أتحرك، دوّى صوتُ صراخٍ حادٍّ من أسفل، من الطابق السفلي.
التعليقات لهذا الفصل " 10"