بإذن من فرانشيسكا، تمكنت من لقاء التاجر الذي يتردد على قلعة بلوديماري.
“كيف عرفت بالأمر وجئت إلى هنا؟”
لكن، هناك عند مدخل عربات البضائع، كان دوتشيف واقفًا.
“لديّ أمر لأقضيه أيضًا.”
“مع التاجر؟”
“همم.”
“أليس لديك أمر معي أنت أيضًا؟”
عند سماع كلامي، نظر إليّ دوتشيف الذي كان يحدق باتجاه بوابة القلعة.
مددتُ له كلتا يدي.
“لديك شيء لتعطيني إياه.”
“ماذا؟”
“قطعتا فضة.”
تذكر للتو، كان عليه دَينٌ لي.
“ألم نعتبر ذلك مقابل تقشيري للبطاطا؟”
“سخيف. ما زالت قطعة فضية واحدة عليك.”
يبدو أنه يتذكر تلك الحادثة أيضًا.
“لكن مع الفائدة المتراكمة منذ ذلك الحين، أصبحت القطعتان اثنتين.”
“أهكذا تفعلين معي ونحن قريبان هكذا؟”
“عادةً، كلما كانت العلاقة أقرب، يجب أن نكون أكثر دقة في الأمور المالية.”
علاوة على ذلك، أليس دوتشيف ابن عائلة ثرية؟
لقد سحق التفاحة بوقاحة ثم تصرف بكل صلافة.
“قريبان… هذا صحيح.”
في النهاية، كنت أنا المنتصرة.
أخيرًا، قام بتسوية الدين القديم العالق.
“ماي، انظري إلى هذا! لقد حصلت على قطعتَي فضة إضافيتين!”
بعد حصولي على العملات الفضية اللامعة، ذهبتُ لأتباهى بها أمام ماي وأنا في غاية البهجة.
“ما الذي تخططين لشرائه حتى تنزعين مني النقود هكذا؟”
كان دوتشيف ينظر إليّ وأنا أقفز فرحًا بنظرة استغراب.
“سأشتري أشياءً كثيرة جدًا فهذه أول مرة أتسوق فيها منذ فترة.”
“يبدو أنك كنتِ تعانين من نقصٍ في أشياء كثيرة.”
“من ناحيةٍ ما؟”
نعم، أعاني من النقص بالفعل.
كنت على وشك الاقتراب منه، إذ بدا عليه الفضول، لكن ماي صاحت وهي تنظر نحو المدخل:
“يا سيدتي! ها هي العربات قادمة أخيرًا!”
بدأ التجار الذين أنهوا التفتيش يقودون عرباتهم المحملة بالبضائع إلى الداخل.
صوت حوافر الخيول، وصوت عجلات العربات الخشبية ، وضجيج الناس.
كان مشهدًا مختلفًا كليًا عن السوق، فارتفعت زاوية فمي لا إراديًا.
بمجرد أن اصطفت عربات البضائع، نزل منها رجل كان يمتطي حصانًا وخلع قبعته.
“أوه… مساء الخير. يبدو أن وجهين جديدين قد خرجا لاستقبالي اليوم؟ اسمي (ماركو).”
كان تاجرًا شابًا.
“مساء الخير. تشرفت بلقائك أنا هالارا وهذا هو السيد الشاب دوتشيف.”
“ماذا؟ ذلك المشاغب… لا، أقصد السيد الشاب الثاني؟”
“أجل.”
كانت إجابتي.
أسرع ماركو بتغطية فمه وكأنه أخطأ، ثم انحنى على الفور.
“أنا آسف! لم أتعرف على شخصك الكريم وتفوهت بكلمة نابية!”
“لا بأس. ما قلته صحيح.”
غرز دوتشيف فيّ بمرفقه.
“لِمَ تقولين لا بأس نيابة عني؟”
“أليس كذلك؟”
“أي جزء مني ترينه كذلك؟”
“وجهك؟”
“أعترفي.”
كنت أقصد تعبيرات وجهه.
هز دوتشيف كتفيه، فقررت أن أتركه وشأنه.
“على أي حال، ماركو. أتمنى تعاونًا جيدًا.”
“نعم. وأنا أيضًا أتمنى التعاون معكِ، آنسة هالارا الجميلة.”
مد ماركو يده مبتسمًا ابتسامة عريضة.
لكن الذي صافح يده كان دوتشيف.
“أجل. أتمنى لك التوفيق.”
من شدة ما ضغط على يده، بدا وكأن استياءه من كلمة ‘مشاغب’ لا يزال قائمًا.
انسحب ماركو بصعوبة وهو يمسك بمعصمه وسأل:
“لكن، ما العلاقة بينكما؟”
“سريع في طرح الأسئلة.”
أطلق دوتشيف ضحكة جافة ثم لف ذراعه بلطف حول كتفي.
في تلك اللحظة، مال جسدي واستند نصفه على صدره.
“علاقة كذا وكذا.”
لم يكن بحاجة لشرح أكثر، فقد فهم ماركو الأمر تمامًا.
“حقًا، إنه لأمر يُحسَد عليه!”
“طالما فهمت، فهذا يكفي.”
ما هذا بحقك؟!
“لماذا تضعين هذا التعبير المستاء؟”
“لأن هذا الكلام محرج حقًا.”
“أكنتِ دائمًا خجولة إلى هذا الحد؟”
مستحيل.
“لأنه لا يليق بك يا سيدي.”
“ألأني مشاغب؟”
“… لنعتبره كذلك.”
ابتعدتُ عنه واتجهتُ بوجهي نحو ماركو.
“ماركو هل يمكنني رؤية البضائع التي وصلت اليوم؟”
“بالتأكيد، تفضلوا معي من هذا الطريق.”
بعد أن رسمت ابتسامة منعشة على وجهي، تبعت ماركو نحو العربات.
“أليس لدى القافلة، بالإضافة إلى الطلبيات الخاصة بالعائلة، بضائع أخرى جلبتموها للبيع؟”
“بالطبع! كل عربات البضائع التي جئت بها اليوم هي للعرض والبيع!”
وقف ماركو أمام عربته الضخمة بكل اعتزاز وفخر، مد ذراعيه، ثم أخرج لفافة أوراق من جيبه.
“أبي، هل تراني؟ أنا ماركو، هذه المرة لم أنسَ شيئًا، جلبتُ كل شيء! لم يتبق الكثير على اليوم الذي أخلفك فيه وأجعل هذه القافلة الأفضل في القارة.”
سألته بحذر وهو يتمتم وحيدًا محدقًا في السماء:
“هل توفى والدك؟”
“إنه هناك! هناك مع السيد كبير الخدم!”
إذاً لماذا كنت تحدق في السماء؟
قررت التوقف عن محاولة فهمه، فهذا كان أكثر راحة.
“هيا، أي بضاعة تودين رؤيتها؟ شاي عطري لذيذ أُحضر من الإمبراطورية الشرقية؟ أم حلوى سكر من الإمبراطورية الشمالية؟”
“خيوط صوفية.”
“ماذا؟ خيوط صوفية؟”
ارتبك ماركو.
“نعم. أردت رؤية بعض الخيوط الصوفية الجيدة والمتينة.”
في السوق، لا يبيعون الصوف الجيد لأنه غالي الثمن.
لا أحد يستطيع شراءه حتى لو جلبوه.
لذا، اضطررتُ أنا أيضًا لقص الكتان الرخيص وحياكته عند صنع الملابس.
لكنني اليوم غنية!
“أرني كل ما لديك.”
سأتباهى بكل ما أوتيت!
***
كالعادة، أحضرت ماي الشاي الدافئ لـهالارا.
كان شايًا أرسلته فرانشيسكا.
‘أتساءل دائمًا لمَ تهدي السيدة الكبيرة شاي الرويبوس فقط.’
رغم أن رائحة الرويبوس جميلة، إلا أنها قد تملّ منه الآن.
لكن فرانشيسكا كانت ترسل فقط شاي الرويبوس بنكهات مختلفة، وتمنع أي نوع آخر من الشاي بصرامة.
ولهذا، ربما ملّت هالارا أيضًا، فكانت تصنع شايها بنفسها.
كان شايًا مصنوعًا من تحميص الشعير العادي.
في البداية، تساءلتُ كيف يمكن صنع شاي من الحبوب، لكنني بمجرد أن تذوقت ذلك الشاي البني المصفر، اتسعت عينا ماي أيضًا.
طعم ورائحة محمصة لذيذة، ويروي العطش في آن!
جميع خدم الجناح المنفصل وقعوا في حب مذاق شاي الشعير.
بفضل هالارا، أصبح بإمكانهم هم أيضًا الاستمتاع بالشاي الذي كان حكرًا على النبلاء.
لم يكن شايًا ثمينًا، لكن درجة الرضا عنه كانت أكبر من ذلك.
لم يكن الشاي فقط.
بفضل هالارا ذات مهارات الطبخ الممتازة، عادت الحياة إلى هيوستن.
فالشيف الذي كان دائمًا يعاني من محدودية المواد، أصبح يعرف كيف يعد أطباقًا متنوعة بفضل وصفات هالارا.
‘حقًا، هذه الأيام أشعر أن الحياة تستحق العيش.’
كم كان محظوظًا هروب جيتي.
لأنني أصبحت قادرة على العمل كمساعدة خاصة لـهالارا.
كان قلق في داخلي مما إذا كنتُ أستطيع رعاية أحدهم، أنا التي كنت فقط أقوم بالتنظيف، لكن ذلك القلق كان في محله.
كانت هالارا سيدة ممتازة جدًا.
كانت تسألني دائمًا قبل أن تبدأ طعامها: “هل تناولتِ الطعام؟”.
وأحيانًا كانت تشاركني الحلويات الثمينة التي تأتيها.
‘لماذا هربت جيتي وتركت هذه السيدة؟’
لم يخطر ببالي سوى أنها كانت حمقاء.
“أووه. الجو يبرد أكثر فأكثر.”
عند مدخل المبنى الرئيسي.
ارتجفت ماي من الريح الباردة التي أصبحت أشد قسوة.
كان الشتاء البارد يعود من جديد.
شدت ماي ثوب الخادمة الخفيف حولها وأسرعت بالدخول إلى المبنى الرئيسي.
المبنى الرئيسي الشاهق، مختلف تمامًا عن الجناح المنفصل.
رغم أن الدفء يخيم عليه، إلا أن الممرات المهيبة تجعل الجسد يرتجف.
قطعت ماي الممر ودخلت إلى مكان ما.
“سيدي كبير الخدم.”
كان كارل ينتظرها هناك.
“ها قد أتيتِ، ماي.”
انحنت ماي بانحناءة عميقة تحيةً له، ثم اقتربت منه بحذر. ابتلعت ريقها بصعوبة.
كان كارل رئيسًا هائلاً جدًا بالنسبة لخادمة بسيطة مثل ماي.
كانت هذه المرة الثانية التي تراه فيها، الأولى كانت عندما أصبحت ماي مسؤولة عن هالارا.
الأمر عصيب، يضاف إلى ذلك أن ضخامة كارل كأحد الفرسان تزيد من هيبته ومخيفه.
“استدعيتكِ اليوم لأن لدي كلام مهم لأقوله.”
عندما بدأ حديثه، شددت ماي جسدها بقوة.
“نعم.”
على الأرجح سيقول لي اعتني بالسيدة الصغيرة جيدًا لأن موعد الزفاف قد اقترب.
هكذا فكرت ماي.
“كان يجب أن أخبركِ مسبقًا، لكنني تأخرت لأنني لم أكن أعلم إن كنتِ أهلًا لخدمة السيدة الصغيرة أم لا.”
عندما سمعت ماي صوت كارل المنخفض، أدركت للتو أن الموقف أخطر مما توقعت، فشدت خصرها أكثر.
ما الذي يريد قوله بالضبط؟ هل سينفصلون بعد الزواج؟
كانت أفكار كثيرة تعتري ذهن ماي في تلك اللحظة.
“السيدة الصغيرة دخلت إلى هنا لأنها حامل بطفل السيد الشاب دوتشيف.”
شعرت وكأن طنينًا يصم أذنيها.
طفل؟
سألت ماي بهدوء مرة أخرى:
“تقصد أن السيدة الصغيرة حامل؟”
“أجل.”
تسارعت دقات قلبها بعنف.
“لأنها في بداية الحمل، ربما لم تكتشف الأمر بعد.”
“آه. فهمت.”
رغم أنها أجابت بهدوء، إلا أن أطراف أصابعها كانت باردة.
شعرت بعرق بارد يتصبب على جبينها، وكأن دماءها تتجمد في عروقها.
وذلك لأن…
‘أليست السيدة الصغيرة حتى وقت قريب كانت تأتيها الدورة الشهرية؟’
لأن ماي كانت تعرف الحقيقة.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 61"