ومع ذلك، كان العائلة هي ما جعله يصمد.
فوالدته، فرانشيسكا، التي تسد فراغ والده بحكمة واقتدار، وتدير الشؤون المالية.
وأخوه، هيلبورن، الذي يلازم الفرسان طوال اليوم، يكرس نفسه للتدريب، ويُحتذى به بينهم.
بفضلهما، استطاع نيكولاي أن يتفرغ لشؤون العائلة بارتياح.
أما الشيء الوحيد المزعج، فكان دوتشيف.
فتى بلا كفاءة، بمرتبة فارس من الدرجة الأولى لكن بمهارة أدنى من المبتدئين.
طفيلي يتسكع في الإقطاعية بلا هم سوى اللهو، بدل التدريب.
كثيرًا ما كانت تصل أخباره وهو يعود سكرانًا بعد خروجه من أراضي العائلة، لكن نيكولاي لم يهتم.
“ما إن أصبح سيّد هذه العائلة، حتى أجرده من كل ألقابه وأطرده.”
الضعيف يُطرح خارجًا.
كانت هذه وصية والده له.
تمنى لو استمر على هذا النحو بصمت، لكن كل شيء اختلّ منذ أن أحضر دوتشيف تلك المرأة.
انحطَّ المستوى.
والأغرب أن فرانشيسكا، التي تقدس المكانة، سمحت بذلك!
لمجرد أنها حامل!
أما هو، فرتبته الرابعة لا تكفي لحل هذه المعضلة؛ فهي أفضل قليلًا من فارس عادي فقط.
“أمي.. تبدو صلبة من الخارج، لكنها رخوة من الداخل.”
كان هذا أكثر ما يغيظ نيكولاي.
كان يعلم أن فرانشيسكا، رغم أنها تبدو غير متساهلة مع دوتشيف أمام الناس، إلا أنها في الخفاء تهتم لأمره أكثر من أي أحد.
تجاهل الأمر، لكنه في النهاية كان سبب هذه الفوضى.
و هيلبورن أيضًا.
كان يعلم أنه عنيد، لكنه مخلص للسيوف، ويحترم أخاه كثيرًا.
ثم تغير فجأة.
لم يدرِ ما الذي أصابه، لكنه أطلق طاقة سيف غريبة كالوحوش، ثم وقف في وجهه!
بل وتجرأ وقال كلامًا فارغًا عن تأييده لزواج دوتشيف!
“أظن أن الرسالة قد وصلت إلى والدي بأمان؟”
استدعى نيكولاي أحد الفرسان سرًا.
هذه المرة، دبر الأمر بحذر شديد حتى لا ينتبه هيلبورن. لن تكون هناك مشكلة.
“لا توجد أي محاولات لاعتراض الطريق، سيدي. لكن لم ترد أي رسالة تؤكد وصول الخطاب إلى الدوق.”
تجعد وجهه الشاحب أكثر.
“ماذا يعني ذلك؟ أليسوا من أسرع الفرسان؟ ثلاثة أيام كانت كفيلة!”
“لا أعرف التفاصيل بعد، لكني سمعت أن معركةً وقعت قرب الثكنة التي يقيم بها الدوق.”
“معركة؟ لقد انتهت الحرب!”
“أمرت بالتحقيق في الأمر، ستصلك الأخبار قريبًا.”
ترى ما الذي يحدث؟!
لقد أُعلن وقف إطلاق النار، والآن هم في مفاوضات حول التعويضات وتقسيم الأراضي.
الطرف الآخر لم يعد يملك القدرة على خوض حرب جديدة.
المفاوضات مجرد مماطلة.
ذات مرة، كتب الدوق مازحًا في إحدى رسائله: “ربما أجلب ابنة الماركيز كغنيمة حرب وأجعلها زوجة لي!”
والآن فجأة، معركة؟!
“حقق في الأمر بدقة.”
“سأفعل، أيها السيد الشاب.”
ساء مزاج نيكولاي بشدة.
كان يحتاج موافقة والده كي يطرد دوتشيف المقيت من أمام عينيه.
ثم تحدث مشكلة عند والده؟!
وإذا بالأمور تزداد سوءًا.
“أيها السيد الشاب! كارثة!”
“كارثة؟ ماذا الآن؟!”
“الرجل الذي أُلقي القبض عليه اليوم قد مات!”
“…ماذا؟”
فارس قديس الذي أحضره هيلبورن.
لم يكن نيكولاي متأكدًا من أنه أحد أولئك الفرسان حقًا.
اعترف نيلسون أيضًا بأنه لا يستطيع الجزم بأنه أحد فرسان النبالة.
لم يواجهوا أحدًا من تلك الأساطير المدفونة في التاريخ، فكيف يتأكدون؟!
أمر بحبسه في الزنزانة تحت الأرض.
ربطوا أطرافه الأربعة لمنعه من الانتحار، ووضعوا لجامًا في فمه.
كان نيكولاي سيستجوبه بنفسه، هو ونيلسون الذي قاتل ذاك الفارس الغامض على الحدود.
أما هيلبورن، فقد استبعدوه بعد محادثتهما الأخيرة؛ فقد فقد الثقة به.
والآن، مات؟!
“انتحر؟”
“… لقد قُتل.”
“قُتل؟!”
بل قتلوه!
“وُجد مقتولًا وهو لا يزال مكبّلًا، بصليب محفور على صدره.”
“من فعلها؟!”
“هجوم. كل الحراس الذين كانوا في الزنزانة قُتلوا أيضًا. لا أثر لشيء!”
الأمر جلل.
هجوم ليس فقط على الإقطاعية، بل داخل العائلة نفسها!
عندما هرع إلى الزنزانة، وجد دماء القتيل منثورة في المكان.
لم يجد أي أثر آخر.
أثناء تفحصه لمكان الاقتحام، شعر نيكولاي بشيء.
‘خائن.’
لابد أن العدو من الداخل.
لكنه لم ينطق بها.
في تلك اللحظة، لو قالها، لاختفى الخائن الحقيقي بين خدمه المخلصين.
ومن يعتمد عليه من العائلة؟!
فرانشيسكا اختفت فجأة في المطبخ، و هيلبورن أصيب بالجنون!
لا أحد يعتمد عليه!
لكن بمفرده، يصعب اكتشاف الخائن.
يود أن يخبر بعض المخلصين، لكنه لا يستطيع.
فحتى المخلصين، لهم مخلصونهم.
سيصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
ما العمل؟!
دخل نيكولاي إلى مكتبه متجنبًا مساعديه، وأحنى رأسه بين يديه.
“أبي، جدي، أيها الأسلاف الكرام.. أرجوكم، ألهموني حكمةً.”
بين رائحة الماضي العتيق، غمر وجهه في ركبتيه.
بين آلاف الكتب، غرق السيد الشاب في عزلة قاتمة.
وفجأة..
“لحظة، لحظة، لحظة!”
سمع صوتًا يطن في أذنيه.
نفس الكلمات التي كان يرددها للتو!
“لقد كان هناك خائن!”
صاحت إحداهن بجرأة.
نهض نيكولاي وتوجه نحو مصدر الصوت.
لم يصدق عينيه.
كانت هالارا!
واحدة من أكثر من يكره رؤيتهم الآن!
خفق قلبه بحدة ثم تجمد.
“… من أذن لك بالدخول إلى هنا؟”
كيف تجرأ عاميةٌ كهذه على دخول مكان ليس لهم؟!
“آه.. أيها السيد؟”
بعينيها الواسعتين كالدمى، أراد نيكولاي أن يمسك برقبتها ويطردها خارج العائلة فورًا.
لكن في تلك اللحظة، رأى الكتاب الذي أغلقته على عجل.
قهقه بسخرية.
“هل تتظاهرين بتعلم القراءة والكتابة من أجل الجنين؟ أتظنين أن ارتداء ثوبٍ رثّ يجعلك نبيلة؟”
“لم أقل ذلك أبدًا. جئت بدافع الفضول فقط.”
“وهل تجيدين القراءة أساسًا؟”
العامة لا يقرؤون.
ربما بعض الكلمات السهلة، لكن لا جمل بأكملها.
فليس لديهم مال لمعلم.
“أجل.”
“هاه، حقًا تقرئين كل شيء؟”
“أقول لك أجل، حدث الأمر صدفةً.”
أجابت هالارا بغموض دون أن تشرح أنها مسيطرة على جسد صاحبة الكتاب.
لم يبدُ أن نيكولاي مهتم بالتفاصيل.
كما توقعت، لم يكترث نيكولاي لذلك.
اعتقد أنها تعلمت بمراقبة النبلاء بينما كانت تنصب عليهم.
“اخرجي فورًا. هذا المكان مخصص لدماء بلوديماري فقط. تذكري، إن رأيتك مرة أخرى، قد تموتين فأنا لست رخوًا كأمي و هيلبورن.”
تمنى لو طردها بنفسه، لكنه لم يستطع.
رأسه يكاد ينفجر من التفكير في الخائن!
“حسنًا.. سأفعل.”
لكن في تلك اللحظة.
نظر إلى عنوان الكتاب السميك الذي كانت تحمله، ثم أمسك بمعصمها بقوة.
“آه!”
“لماذا كنت تقرئين هذا الكتاب؟!”
كان عن الكنيسة المقدسة.
أهم ما يشغله الآن!
كتاب عن الفرسان القديسين، وكانت هالارا تقرأه!
***
قبل انقراض العائلة، كان في دماء بلوديماري خائن.
في المستقبل، سيواجه دوتشيف خائن العائلة.
في حلقة من المستقبل، بقي ذاك الشخص على قيد الحياة مترفًا بينما هلك الجميع.
حاول قتل دوتشيف الناجي، لكنه أُصيب بدلًا من ذلك.
ليس متأكدًا، لكن قد يكون لهذا علاقة بما يحدث الآن.
حتى لو لم يكن له علاقة، فالإمساك بخائن لا يضر.
‘المشكلة أني لا أتذكر اسمه.’
“لا تتأكدي من أنه فرسان قديسين لم نثبت شيئًا بعد.”
“أتمنى ذلك، بصدق.”
تنهد نيكولاي بضيق.
“من أخبرك بهذا؟ دوتشيف؟ أم هيلبورن؟”
صر على أسنانه بغيظ.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 54"