“لقد أعددت كميةً وافرةً قصدتُ بها أن تتناولها مع قائد الفرسان وبقية السادة الفرسان.”
“ولماذا تقدمين طعامًا لأجلهم؟”
“يجب أن نأكل جميعًا معًا.”
“أكرر، لماذا؟”
كم هذا محبط.
“لكي يعاملوك هم أيضًا بإحسان، أليس كذلك؟”
فهذا هو جوهر مساندة الزوجة لزوجها.
وهو أيضًا واجبي.
“إذاً، لا داعي للقلق. هذا طعامي أنا. مولدورف، لا تطمع به.”
صاح دوتشيف بكل ثقة أمام مولدورف.
“وكيف تخطط لتناول كل هذه الكمية وحدك؟”
لقد كانت تكفي لعشرين شخصًا! إنها ألواح المكسرات المحلاة بالسكر.
“سأفعلها مهما كلف الأمر.”
“هذا فظيع!”
“لستُ فظيعًا.”
“بلى، أنت فظيع!”
“سأسمح لك بمشاركتي الطعام إذا وعدتني ألَّا تصنعي طعامًا لأجلهم مرة أخرى.”
هاه!
ما هذا الموقف الذي أواجهه الآن؟
لقد أصابني الذهول حتى عجزتُ عن الكلام.
“من الآن فصاعدًا، اصنعي طعامي أنا فقط ولا تُرهقي نفسك.”
ومع كل هذا، يصر على إضافة جملة “لا تُرهقي نفسك”.
***
بعد مشادّةٍ طويلة مع دوتشيف، دفعني خارجًا عائدة إلى غرفتي بعدما ألحَّ عليَّ بالذهاب للراحة، لكنني عدتُ فورًا إلى الفرقة الثالثة.
وبينما كنتُ انتظره في ثكنة مولدورف، لم يمض وقت طويل حتى لقيته عائدًا من التدريب.
“أيها القائد.”
“…ما الأمر؟”
سأل بجفاف.
“بخصوص الحلوى، فقد قال سيدي إنه سيمنحها للفرسان الذين ينتصرون عليه في المبارزة”
“هل قال سيدي الشاب إنه سيخوض مبارزة؟”
“أجل.”
حتى أنه سيخوض مبارزة.
يبدو أنه وقد ترقى إلى النجمة الخامسة، صار يعتريه الثقة الزائدة.
‘لا أظنه في مستواها بعد ألن يكون هذا إرهاقًا لنفسه أكثر من اللازم؟’
وبينما كنتُ قلقة من أن يؤذي نفسه دون داعٍ، سألني مولدورف:
“على كل حال، ما الذي أتى بكِ؟”
“جئتُ لأطلب منك معروفًا إنه بخصوص سيدي الشاب.”
قلتُ ذلك وناولته صندوقًا من الورق المقوى.
كان صندوقًا من تلك التي توضع فيها المواد الغذائية الواردة لمطبخ الجناح المنفصل.
عندما رآه مولدورف، أطلق زفرة عميقة.
“لن أقبله.”
كم هو صلب كقائد فرسان! لهذا أثق بمولدورف أكثر. ففي الرواية الأصلية، مات وهو يدافع عن تلاميذه.
لكن يبدو أنه أساء الفهم.
“إنها ليست رشوة إنها هدية لأجل تدريب سيدي دوتشيف.”
“هذه هي الرشوة بعينها.”
دفع مولدورف الصندوق بعيدًا.
وفي نفس اللحظة، صدر صوت ارتطام أجسام معدنية ثقيلة من داخل الصندوق، فتجعد جبينه بانزعاج شديد.
“لا تأتي بمثل هذا مرة أخرى. خصوصًا وأنتِ زوجة سيدي النبيل دوتشيف، من الأفضل لكِ ألا تفعلي مثل هذه الأمور. من أجله هو أيضًا.”
“ألن تندم؟”
سوف تندم.
“لا.”
أجاب باقتضاب.
“ألستَ حتى بحاجة لإلقاء نظرة عليه قبل أن ترفض؟”
“لا حاجة، أستطيع تخمين ما بداخله.”
أومأتُ برأسي استيعابًا ونهضت.
بما أنه يكره الأمر لهذه الدرجة، لا بد أن آخذه معي.
أثناء نهوضي، ركلتُ غطاء الصندوق بطرف قدمي متعمدةً أن يبدو ذلك كخطأ.
كان من المفترض أن يكون داخله كنوز من الذهب والفضة اللامعة… لكن لم يكن الأمر كذلك.
بل كان مليئًا بالسيوف الشهيرة التي كانت مهملة في المستودعات.
“أوه، يا للخطأ!”
وبينما كنتُ على وشك إغلاق الغطاء متظاهرةً بعدم معرفتي بما حدث.
“مهلاً.”
أوقفني مولدورف.
أخيرًا، هكذا ينبغي أن تكون ردة فعلك.
“ما الأمر؟ هل تريد مني أن أنقل لك الصندوق إلى غرفتك؟”
“ما هذا؟”
“إنها رشوة.”
“ما هذا الكلام؟ قبل قليل فقط قلتِ إنها ليست رشوة.”
لقد أكثر مولدورف الكلام لأنه كان مرتبكًا.
“كانت رشوةً حقًا. لكن بما أنك قلت إنك ترفضها وتموت دون أن تقبلها، فلا خيار أمامي سوى أخذها معي.”
“متى قلت إني أموت دون أن أقبلها؟”
“إذاً، هل ستقبلها؟”
“…سأستمع أولاً إلى مصدر هذه السيوف.”
“إذا استمعت، فهذا يعني أنك ستقبلها لا يمكنك التراجع.”
لم يستطع ذلك الرجل الصلب أن يقول بصراحة إنه سيقبلها، بل ظل شفتاه مشدودتين بعناد.
كنتُ سأعطيه إياها على أي حال، لذا تراجعت خطوة وجلست مجددًا.
ثم فتحت غطاء الصندوق بالكامل.
“كما ترى، إنها سيوف. بل إنها سيوف شهيرة.”
لقد كانت كنوزًا عثرتُ عليها بعد تقليب وتفتيش العشرات من مخازن القصر.
حصلتُ عليها من جونيل، روح السيف، مقابل عشر قطع من الحلوى.
لقد اختارها جونيل، المخلص للسيوف، بعد تفكير عميق، لذا لا بد أن مولدورف سيميز قيمتها أيضًا.
“إنها سيوف شهيرة حقًا. من أين حصلتِ عليها؟”
“من مخازن القصر. لقد كانت مدفونة هناك لأنهم لم يستطيعوا التخلص منها، وقمت أنا باستخراجها.”
“هل تقولين إنكِ أحضرتها وكأنها ملكك الخاص؟”
على أي حال، كانوا سيرمونها.
لكن يبدو أن فكرة أنه أخذ شيئًا دون إذن تثقل عليه.
على الرغم من أنني صادقة إلى حد ما، إلا أنه كان أكثر استقامةً بل وصلبًا أكثر مما توقعت.
“لو كنتِ تاجرة خردة، لكان ذلك جريمة.”
مولدورف هو قائد الفرسان.
استخدام ممتلكات العائلة من أجل العائلة لا يمكن اعتباره جريمة أبدًا.
لكن يبدو أن رأيه كان مختلفًا.
“حسنًا، فهمت. في طريقي للعودة، سأخبر الدوقة أنني أحضرتها.”
بالنسبة لفرانشيسكا، سأقول فقط إنني أحضرت سيوفًا ليستخدمها دوتشيف بدلاً مني.
عندها فقط، بدا مرتاحًا بعض الشيء، فارتسم ارتياح خفيف على وجهه.
أخرج أحد السيوف من داخل الصندوق وتفحصه. بعد أن فحص العشرات من السيوف بصمت، حول نظره نحوي.
“كل منها سيف شهير بلا شك. لكن هناك سبب لبقائها في المستودع.”
أخرج مولدورف سيفًا آخر وضرب به الأرض.
صدر صوت كاحتكاك الحجر، ليس كصوت المعدن المعتاد.
كان يعني أن النصل فقد وظيفته منذ زمن بعيد.
“أعرف ذلك.”
حتى أنا، عديمة الخبرة، أدرك أن النصل المتآكل كأسنان المنشار ليس طبيعيًا.
“يمكننا صقله واستخدامه.”
“ليس بهذه السهولة التي تظنينها ليس فقط أن الحدادين القادرين على التعامل مع مثل هذه السيوف الشهيرة قليلون، بل تختلف طرق ترميمها باختلاف المواد المستخدمة وطريقة صنعها.”
“الطريقة موجودة هنا.”
أخرجتُ لفافة من الورق من داخل ثيابي وأعطيتها له.
فتح مولدورف الورقة دون تردد.
اتسعت عيناه المختبئتان تحت حاجبيه وجفنيه الغليظين قليلاً.
“هل هذه هي طريقة الترميم؟”
“نعم.”
كانت طرق ترميم السيوف التي علمني إياها جونيل.
بل إنها وثيقة أسرار مكتوبة بدقة، تشرح طرقًا مختلفة ومفصلة لكل سيف على حدة.
“هل عثرتِ على هذه أيضًا في المستودع؟”
“شيء من هذا القبيل.”
هززتُ كتفيَّ ولفقتُ الأمر بشكل عابر.
قرأ مولدورف طرق الترميم بدقة متناهية، ثم تنهد في النهاية تنهيدة خفيفة.
“مع الأسف، إنها موجودة هنا. كما قلت لكِ سابقًا، على الرغم من كثرة الحدادين القادرين على صياغة السيوف، إلا أن الحدادين المهرة في الترميم…”
“يوجد واحد. في غابة القرية.”
هذه المعلومة لم تكن من جونيل، بل كنتُ أعرفها أنا.
كان هذا هو السبب الذي جعل دوتشيف يعود إلى الإقليم بعد أن غادره بحثًا عن رفيق.
كان ذلك لكي يصلح سيفه الذي تحطم أثناء مواجهة الأعداء. أي أنه كان يبحث عن حداد.
“…هل هذه أيضًا معلومة عثرتِ عليها في المستودع؟”
“لا، لنقل إنها معلومة أعرفها من أهل القرية.”
أعطيته عنوان المكان الذي يوجد به ذلك الحداد، وهو ورقتي الرابحة الأخيرة.
“والآن، بعد أن أعطيتُك كل الرشوة التي كنت سأقدمها، هل نستطيع أن نتحدث بجدية قليلاً؟”
***
هالارا سيهيب.
عندما رأى مولدورف تلك المرأة التي ظهرت لأول مرة في ساحة التدريب ونادت دوتشيف بكل عفوية بـ “يا عزيزي!”، كان مندهشًا وفي نفس الوقت مضطربًا.
دوتشيف هو نبيل مهمش من العائلة.
لقد نشأ مكروهًا طوال حياته، وكان حالكًا قاتمًا.
فكيف يُعقل أن توجد امرأة مشرقة كأشعة الشمس إلى جانبه؟
‘يبدو أن وحدة سيدي النبيل كانت شديدة.’
شعر بالأسف عليه.
لو أنه وجد مولدورف قبل ذلك بقليل، لكان بإمكانه أن يكون عزاءً له ولو قليلاً.
لو كان الأمر كذلك، لما كان بحاجة لمقابلة امرأة عامة تبدو تافهة إلى هذا الحد، ولما كان على الفرسان المتدربين أن يزيدوا من الإشاعات والأقاويل.
لقد فكر في إبعادها الآن قبل فوات الأوان، لكن الأوان كان قد فات.
“يبدو أنني سأنجب طفلاً.”
لهذا السبب عاد إلى ساحة تدريب العائلة، وليس إلى القرية.
كان بإمكانه أن يعرف بمجرد النظر إلى وجه هالارا.
لم يعد دوتشيف ذلك الشخص الفارغ، الخالي من أي شيء.
كان لا يزال غير قادر على إطلاق هالة السيف، لكنه لم يكن ضعيفًا.
بل على العكس، كان يتفجر ثقة بأن المستقبل يحمل له القوة فقط.
هل كان السبب الذي جعله يصبح صلبًا بهذا الشكل هو ببساطة وجود امرأة وطفل بحاجة لحمايته؟
***
“أرجو منك ترميم هذه السيوف، واختيار سيف يضاعف قوة سيدي النبيل لتدريبه أما السيوف المتبقية، فأنت تمنحها للفرسان الذين تراهم مناسبين لها.”
“…كان بإمكانكِ إعطائهم إياها بنفسكِ.”
“سيدي يفضل أن أقدم له حليب الصويا بالعسل الأسود على أن أقدم له سيفًا آه، يجب أن أصنع حليب الصويا أيضًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 48"