و في تلك الليلة.
أخذت فرانشيسكا ابنها دوتشيف إلى برج منعزل في أقصى الإقطاعية، حيث لا يمكن لأحد أن يعثر عليه.
قبضت يد دوتشيف الصغيرة على يدها بقوة أكبر.
عندما وصلا إلى باب البرج، أدارت فرانشيسكا المفتاح في القفل القديم الذي ظل مغلقًا زمنًا طويلاً، ودفعت الباب الحديدي ليفتح.
صرخ الباب وهو ينفتح، ليهرب منه هواء بارد، لا تحمل نسماته أدنى أثرٍ لرائحة بشر.
تراجع دوتشيف إلى الوراء، والخوف يملأ وجهه.
“أمي… أنا خائف من هنا…”.
أوسعت فرانشيسكا فتحة الباب، ثم أومأت برأسها نحو الطفل.
“ادخل.”
ابتلع دوتشيف دموعه في الحال.
“لماذا…؟ لماذا يجب أن أدخل إلى هنا؟”
قالت فرانشيسكا وقد محَت كل مشاعرها من على وجهها:
“دوتشيف، هذا هو اختبارك.”
اتسعت عينا دوتشيف في دهشة.
“اختبا… اختباري؟ أهو الاختبار الذي تحدث عنه أبي…؟”
“أجل.”
حبست فرانشيسكا أنفاسها، كما لو كانت تبتلع كذبةً تريد النطق بها.
ازداد هلع دوتشيف.
“ادخل.”
اقتربت فرانشيسكا خطوةً لتواجه عينيه.
كان وجهها باردًا كالثلج.
“يجب أن تصبح قويًا أنت الآن ضعيفٌ للغاية لا تستطيع تحمُّل أي شيء.”
ارتعشت شفتا دوتشيف.
“أمي… أنا… أنا خائف.”
“لا فائدة من الكلام.”
قطعَت فرانشيسكا الحديثَ بكل قسوة.
“إذا كنتَ تكره اختبارًا بسيطًا كهذا -مجرد الدخول إلى هنا- فانسَ أمر أن تصبح فارسًا من الأساس.”
تجمَّعت الدموع في عيني دوتشيف.
اتجهت عيناه الصغيرتان نحو داخل البرج.
هناك، حيث لا يدخل أي خيط من ضوء القمر، كان الظلام حالكًا، تكتنفه طبقات متلاصقة من القضبان الحديدية.
بدا ذلك المكانُ لذلك الطفل الصغير الضعيف مثل الجحيم.
“أمي… أنا خائفٌ حقًا…”.
لم تتغير ملامح فرانشيسكا قيد أنملة.
لكن يدها كانت ترتعش في الظلام حيث لا يراه أحد.
“تغلَّب على خوفك ورعبك هنا إن كان طفلٌ يريد حمل السيف لا يستطيع تحمُّل الظلام، فهو فاشل.”
“الفاشل…؟”
سأل دوتشيف بصوتٍ مرتجف.
قالت فرانشيسكا بلا أدنى دفء:
“… يُترَك.”
حبس دوتشيف أنفاسه وكأنه يختنق.
لقد كانت تلك الكلمة التي اعتاد الدوق أن يرددها دائمًا.
كان يهمس له في كل مرة أنه لا مصير للفاشل إلا الموت.
عندما رأت فرانشيسكا طفلها الصغير يبكي، انهار قلبها من الداخل، لكنها تصلَّبت في الظاهر أكثر.
“هذا هو المصير الحتمي للضعيف.”
سقطت دمعة دوتشيف على الأرض.
عند رؤية ذلك، أغمضت فرانشيسكا عينيها للحظة.
‘آسفة… آسفة… لكن إن لم تختبئ هنا، فأنتَ ميت.’
فتحت فرانشيسكا عينيها مجددًا، أمسكت بكتفي دوتشيف ودفعته إلى داخل الغرفة المظلمة المُغلقة.
صرخ دوتشيف مذعورًا.
“أمي! أمي، أنا خائف! أرجوكِ، ابقي معي!”
أغلقت فرانشيسكا الباب الحديدي وهي تصرخ:
“هذا اختبارٌ يجب أن تجتازه وحدك تحمَّل حتى الفجر هنا.”
“أمي! أرجوكِ افتحي الباب! سأ… سأكون ولدًا صالحًا! سأتدرب بجدٍ كل يوم!”
أسرعت فرانشيسكا بإقفال القفل.
قرقعة.
دوى الصوت في أرجاء البرج، كأنه صوت انقطاع النفس الأخير.
أخذ دوتشيف يقرع الباب ويبكي:
“أمي، آه! أرجوكِ لا تذهبي! أنا خائف سأصبح فارسًا عظيمًا، سأتدرب حتى الموت، أرجوكِ…!”
استندت فرانشيسكا بظهرها إلى الباب وغطت فمها بيدها.
عضَّت على شفتيها حتى سال الدم، تكتم أنين البكاء لئلا ينسرب صوتها.
“آسفة، دوتشيف… هذا هو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة…”.
لكن كلماتها هذه لم تصل ولو بمقدار ذرة إلى الطفل خلف الباب.
لم يبق هناك سوى الظلام داخل البرج ليلتهم دوتشيف
***
“في ذلك اليوم، أنا آسفة حقًا لأنني تركتك وحدك يا صغيري…”.
تذكرت فرانشيسكا تلك اللحظات، وانهالت دموعها بلا توقف.
في ذلك الوقت، استطاعت إنقاذ حياة دوتشيف، لكنها لم تستطع أن تقف إلى جانبه بشكل كامل.
فلو فعلت ذلك، لكانت أشعلت غضب الدوق الذي كان قد بلغ أوجه.
ولو لم تبذل قصارى جهدها ليجعل ابنيها الآخرين فارسين عظيمين، لكان غضبه انصبَّ على دوتشيف.
“بل، أنا آسفة لأنني واصلتُ تركك وحدك حتى بعد ذلك، جعلتُك تشعر بالوحدة… تركتُك، طفلي الصغير الضعيف، محبوسًا في ذلك البرج، ثم لم ألتفت إليك.”
كان عليها ألا تترك ابنها وحيدًا هكذا في ذلك الوقت.
كان من الأفضل لها أن تخبئه في حضنها بإحكام، وأن تحميه ولو كلفها ذلك حياتها.
“لم تكن لدي الثقة بأنني أستطيع التغلب على أبيك. كان يجب أن أمنعه فقط من أن يدفعك بيديه نحو الهاوية…”.
دموع فرانشيسكا لم تتوقف.
“لكن ذلك الفعل جرحك، وظلَّ كالمسمار يخز صدري مرارًا وتكرارًا أنا آسفة… لأنني كأم، لم أستطع تقبلك كما أنت.”
تلك الكلمات العتيقة، التي ظلت مدفونة في الأعماق، تدفقت الآن كصوت معدنٍ خشن.
ربما لن تستطيع أن تقولها لـدوتشيف حتى تموت. فالأم العاجزة مثلي لا تملك تلك الشجاعة.
جلست فرانشيسكا على كرسي لا يشعر بدفء ابنها، وأخذت تبكي.
ثم عندما سمعت ضجة في الخارج، مسحت دموعها.
“هه يا للأسف هذا الطعام الذي علمتني إياه تلك الطفلة بصعوبة بالغة.”
نظرت إلى الوجبة التي أحضرتها معها، وقد غمرها الخجل، ثم لم تجد بدًا من مغادرة الغرفة.
***
جلس دوتشيف وحيدًا في الغرفة المظلمة، وبدأ يستحضر الطاقة من أعماق أحشائه.
شيء ما يغلي من الأعماق استولى سريعًا على جسده بأكمله.
“هاه.”
بعد أن أخرج النفس الذي كان يحبسه، ومض ضوء أمام عينيه.
“بقيت أربع مرات أخرى.”
لقد استيقظت فيه قوة الـ 5 نجوم.
كان الأمر بسيطًا.
في دماء عائلة بلوديماري قوة خاصة.
عندما يستحضر المرء الطاقة ويجعل دمه يغلي، تزداد قوته العضلية وسرعته بشكل هائل.
قبل عودته بالزمن، في مثل هذا الوقت، لم يكن يعلم بهذا الأمر، فكان يلوح بسيفه بغباء، لكن الأمر اختلف الآن.
لقد استيقظت فيه قوة الـ 9 نجوم أمام جثث عائلته بعد انهيارها.
بتذكُّر الإحساس الذي شعر به آنذاك وتسخين جسده، أصبحت صحوة القوة سهلة.
لدرجة أن سهولتها جعلته يشعر بالفراغ تقريبًا.
“الصحوة ليست صعبة، لكن ما أحتاجه ليس فقط قوتي أنا وحدي.”
لكن المشكلة لم تكن في الصحوة.
فهو لا يزال يجهل ماهية القوة التي تسببت في انهيار العائلة.
لذلك أراد الحصول على أقوى قوة.
قوة تمكنه من القضاء على أولئك الذين واجههم آخر الأمر في صميم العالم قبل عودته.
‘يوهانس. وفرسان الإمبراطورية المقدسة.’
دوتشيف بالتأكيد قطع رقبة ذلك الرجل.
لكن لم يكن انتصاره عليه بقوته وحده.
بل احتاج إلى قوة رفاقه المنتشرين في الإمبراطوريات الشرقية والجنوبية والشمالية، باستثناء الغرب الذي كان ينتمي إليه.
احتاج إلى قوة كل عائلة من العائلات البطولية لمواجهة يوهانس، كما ورد في التاريخ.
بل، احتاج إلى قوة تفوق ذلك.
لأن عائلة برينيهاتا التي كانت تضاهي العائلات الأربع في يوم من الأيام، قد اختفت.
احتاج إلى قوة كافية لملء الفراغ الذي تركه غيابهم.
تلك كانت قوة الـ 10 نجوم.
قوة هائلة لا وجود لها في هذا العالم.
تلك كانت القوة التي استيقظت أخيرًا في دوتشيف.
لكن الوجه الآخر لتلك القوة تطلب تضحيات جسيمة. ودوتشيف لم يرد تلك التضحيات.
‘سليل عائلة برينيهاتا. إن عثرت على ذلك الشخص، فسيكون ذلك ممكنًا.’
في الماضي، لم يتمكن من العثور عليه أبدًا، لكنه سمع أنه بالتأكيد لا يزال هناك سليل على قيد الحياة.
إذا وجد ذلك الشخص، فسيتمكنون بقوة العائلات الخمس من مواجهة يوهانس.
تنهد دوتشيف، وبدأ مجددًا باستحضار الحرارة من أعماقه.
كان ينوي مواصلة التدريب قليلاً.
في تلك اللحظة، سمع صوت بكاء أحدهم من الخارج.
كان صوتًا مكتومًا، كأن صاحبه يكتمه بشدة، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليدرك أنه صوت نحيب حزين.
استمر الصوت لبرهة ثم توقف، وعاد الصمت ليسود الغرفة.
صريــــر.
دفع دوتشيف الجدار وخرج.
لكن لم يكن هناك أحد بالخارج.
حكَّ مؤخرة رأسه في حيرة، ثم لاحظ شيئًا موضوعًا بهدوء على إحدى الطاولات.
كانت شريحة لحم عادية، لا تختلف عن تلك التي تُقدم له عادةً في وجباته.
وإلى جانبها، وفي طبق يلفت النظر أكثر من الطبق الرئيسي، كان هناك مخلل البصل.
رفع أدواته، وغمس عدة قطع من البصل، ووضعها في فمه دفعة واحدة.
كان الطعم حلوًا.
ومالحًا.
يتبع في الفصل القادم…
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 44"