***
وفي خضمّ إلحاح هالارا على جونيل.
كانت فرانشيسكا، منهكة القوى من أول تجربة طبخ في حياتها، ممدّدةً على سريرها.
لم تكن الساعة قد بلغت العاشرة بعد، ومع ذلك كان النعاس يغالبها.
فمنذ أن غادر الدوق إلى الحرب وهي تعاني الأرق، فلا تنام إلا بعد شتى أنواع الشاي وإشعال البخور، لكنها شعرت أنها الليلة ستنام نومًا عميقًا.
بعينين منتفختين وشبه مغمضتين، حدّقت في القارورة الزجاجية الصغيرة الموضوعة على المنضدة الصغيرة بجانب السرير.
بداخلها كان مخلل البصل الذي صنعته.
‘قضيتُ النهار كله أقشر وأقطع البصل، ولم ينتج إلا هذا القدر الضئيل.’
إن الطبخ لعملٌ لا يُجدي نفعًا على الإطلاق، بصراحة، تمنّت لو تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
دوقة مثلها تطبخ؟! والأدهى أن ذلك كان أمام رئيس طهاة المبنى الخارجي، بل وبلغ بها الأمر حد البكاء في زاوية المطبخ.
“لا بد أنني جُننتُ لحظةً.”
لا بد أن ذلك من شدّة حرمانها من النوم.
أو ربما أصاب عقلها الخلل بسبب انخراطها في شجار أبنائها.
“وماذا عسى أن يكون طعم البصل؟ مهما كان لذيذًا، فلن يفوق الخيال.”
توجّهت نظراتها العاتبة إلى قطع البصل الخشنة في القارورة.
كانت قطعًا متفاوتة السمك لأنها المرة الأولى تمسك فيها بالسكين.
وراحتاها تؤلمانها وكأنها تلقّت ضربًا، لمجرد أنها قطعت بضع حبات!
وتساءلت كيف يمكنهم التعامل مع السيوف الطويلة وهي تجد صعوبة حتى مع سكين البصل الصغيرة.
كما أخبرها زوجها مرة أن السيف الحقيقي هو بمثابة وتر يربط بين السيف والإنسان، ويمكّنه من التحكم به حسب إرادته.
“دوتشيف….”
لكن دوتشيف الذي أيقظ للتو نجمة واحدة فقط، لا بد أنه عانى الأمرّين.
بينما كانت تنظر إلى البصل وهي تشعر بالأسف تجاهه، وبعد يومين، أعدّت فرانشيسكا وجبة الإفطار باكرًا.
انتهت فترة التخمير التي ذكرتها هالارا.
كم تاقت نفسها لرؤيته حتى احمرّ لبه الأبيض الناصع! استيقظت وهي مرتاحة البال ووجهها مشرق.
“أسرع بتجهيز الطعام. اللحم، أريده واحدًا ناضجًا تمامًا، واثنين متوسطي النضج ، وواحدًا نيئًا. أعتقد أنه سيُشوى بشكل ممتاز، أليس كذلك؟”
“أجل، سيدتي. رئيس الطهاة يقول إنه شوى أجود أنواع اللحم التي وصلتنا حديثًا بإتقان تام. وقال لنا أن نتوقع الأفضل.”
“حسنًا.”
نفّذ كارل أوامرها، التي بدت مبتهجة لأول مرة منذ زمن، على أكمل وجه.
كان التحضير مثاليًا.
امتلأت مائدة العشاء بأطباق تناسب أذواق الأمراء الصغار.
وكان أبهى طبق هو الذي يحوي مخلل البصل من صنع يديها.
“أوه، رائحته حلوة وتفتح الشهية أظنه جميل الشكل، ربما لأنني من صنعته.”
لم تكف فرانشيسكا عن إظهار اعتزازها، وأخذت بيدها الملقط لترصّ البصل على الطبق وكأنه باقات زهور.
جلست على كرسيها وتروي فمها بقليل من الماء وهي تنتظر أبناءها.
هكذا مرّت ثلاثون دقيقة.
“….عذرًا، سيدتي.”
“ماذا؟ أين الأولاد؟”
أطرق كارل برأسه.
“الأمير نيكولاي يقول إنه لن يجالسكِ حتى تطردي الآنسة الصغيرة.”
رفض الابن الأول الدعوة.
“الأمير هيلبورن يقول إن عليه التدريب، وسيتخطى الوجبة.”
كان الابن الثاني كذلك.
“….ودوتشيف؟”
“لم يكن في غرفته. لا أعتقد أنه خرج، لكني تركت له رسالة في الغرفة تحسبًا.”
الثالث كان غائبًا تمامًا.
في النهاية، لم يستجب أي من أبنائها لدعوتها.
“….سيدتي.”
تمنّى كارل لو يستطيع إنجاح هذه المأدبة، لكنه لم يستطع مجابهة الأمراء.
ولم يفتح فاه ليواسيها، إذ لم يجد كلمات مناسبة.
“لا بأس.”
تماسكت فرانشيسكا وابتسمت متكلفة وهي تمسك بأدوات الطعام.
“أنا معتادة على الأكل وحدي، أليس كذلك؟”
لكنها بدت ضئيلة للغاية، ففكّر كارل في استدعاء هالارا لتكون معها، لكنه تراجع.
هالارا كانت ستواسيها بشكل رائع، لكن فرانشيسكا كانت تضع هيبتها فوق كل اعتبار.
انتهى العشاء في جو من الاختناق، ثم تحركت الخادمات بنشاط.
كانت المأدبة التي أعدتها على وشك أن ترمى سدى.
مخلل البصل الموضوع بشكل جميل في الطبق الذي اختارته بعناية.
ذكريات الأيام الماضية عندما كانت تعدّه باكرًا، باكية أمام هالارا، وكل همها أبناؤها.
“مهلاً. أحضري لي صينية طعام.”
لا يمكنها رميه.
توجّهت فرانشيسكا نحو غرفة دوتشيف.
نيكولاي لن يتذوقه على الأرجح.
وهيلبرن إذا أزعجته أثناء تدريبه يفقد صوابه.
إذاً، لم يبقَ سوى دوتشيف.
‘يا ترى، كم مضى على آخر مرة ذهبت فيها إلى غرفة دوتشيف.’
حتى الهواء في الطريق بدا غريبًا.
وعندما وصلت أمام بابه، بدأ قلبها يدق بعنف.
يدها التي أمسكت بمقبض الباب كانت باردة.
فكّرت في العودة، وأفكار كثيرة عصفت برأسها.
قوّت عزيمتها وهي تنظر إلى مخلل البصل، ثم فتحت الباب.
هبّ عليها هواء بارد وغريب.
“دوتشيف؟”
الغرفة كانت خاوية كما قال كارل.
لم يتحرك فيها سوى الستائر التي تموج بهدوء مع ضوء الشمس والنسيم المتسلل من النافذة المفتوحة.
تقدمت فرانشيسكا ووضعت الصينية على مكتبه.
فكّرت في الانتظار، لكنه قد يشعر بالحرج، لذا قررت أن تترك له رسالة.
“….القلم.”
تفحّصت المكتب بهدوء.
كان المكتب نظيفًا بل وخاليًا تمامًا.
استغربت ونهضت لتتفحّص الغرفة.
عندها فقط لاحظت أنه لا يوجد أي أثر يدل على أن دوتشيف يسكن هنا.
غرفتا نيكولاي وهيلبرن كانتا مليئتين بالأشياء بل وفائضتين.
وكان من بينها الكثير مما أهدته هي أو الدوق.
أما غرفة دوتشيف فلم يكن بها شيء سوى….
“آسفة لك.”
انهالت الدموع وأغلقت فم فرانشيسكا.
لقد أهملت دوتشيف طويلاً.
ثم لامته عندما ضلّ الطريق.
لقد آلمته بلامبالاتها، دون أن تشاركه ألمه ولو لمرة واحدة.
***
قبل أكثر من عشر سنوات، حين كان دوتشيف في التاسعة من عمره.
في ليلة متأخرة، بينما كانت فرانشيسكا مستيقظة، جاءها كبير الخدم.
“سيدتي! الدوق يقول إنه سيأخذ الأمير دوتشيف غدًا عند الفجر إلى جرف الصاعقة.”
شعرت فرانشيسكا بأن قلبها يتجمد بمجرد سماع صوت كبير الخدم المرتجف.
“ماذا….؟ ماذا تقول الآن؟”
همس كبير الخدم وشفاه ترتجف.
“….يقال إنه يُعدّه لاجتياز اختبار.”
الاختبار في جرف الصاعقة، هو اختبار يخوضه عادةً الفرسان الذين هم فوق الثلاث نجوم للالتحاق بفصيلة الفرسان الأولى.
وكثيرًا ما كان الفرسان يتلقّون نجمة رابعة أثناء خوضهم هذه التجربة القاسية.
بمعنى آخر، كان الدوق يعتزم إخضاع طفل في التاسعة لاختبار لا يجرؤ حتى المقيّمون على خوضه!
“هاه!”
لم تستطع فرانشيسكا حتى التقاط أنفاسها.
لكنها لم تستطع البقاء مكتوفة الأيدي هكذا.
دفعت بخطواتها المتعرجة باب مكتب الدوق ليفتح بقوة، رفع الدوق رأسه ببطء عند سماع صوت ارتطام الباب.
كان وجهه خاليًا من المشاعر.
“ما هذا. أين أخلاقكِ؟”
“دوتشيف.”
ارتفع صوت فرانشيسكا متصدعًا أمام هذا الموقف.
“سمعت أنك ستأخذه إلى جرف الصاعقة، هل هذا صحيح؟”
أومأ الدوق برأسه دون أي مشاعر تذكر.
“أجل. غدًا عند الفجر.”
ارتبكت نظرات فرانشيسكا وتسارع أنفاسها.
“….إنه ما زال في التاسعة لا يزال طفل.”
“إذا لم يتحمل في مثل هذا السن.”
قال الدوق وهو يضع قلمه.
“فهذا يعني أنه لا يملك الموهبة الكافية للتحمل.”
تقدّمت فرانشيسكا بخطوة سريعة نحو المكتب.
كان الغضب يتأجج في صدرها.
“هذا ليس اختبارًا، بل إعدام. أتخطط لقتل ابنك؟!”
ارتفع حاجب الدوق بارتعاشة خفيفة.
“أنتِ عاطفية جدًا التأكد من موهبة الطفل هو واجب العائلة.”
“التأكد من الموهبة؟ أنت فقط تريد محو وصمة العار!”
نهض الدوق من مكانه ببطء.
“أجل. هو استبعاد. لا حاجة لدماء ضعيفة.”
“دوتشيف ليس ضعيفًا!”
“أليس ضعيفًا من لا يستطيع مواجهة فارس هاوٍ؟!”
قال الدوق بحزم.
“سآخذه غدًا.”
تجمّد وجه فرانشيسكا فجأة بلا تعبير.
وكأن جسدها كله قد تحول إلى ثلج.
“….أنت لا تستحق لقب أب.”
“اهذي كما تشائين.”
كان رجلاً لا يُفهم.
كان زوجًا، لكنه أب قاسٍ بلا رحمة.
نهضت فرانشيسكا لا إراديًا وغادرت المكان.
لو بقيت معه لربما اختنقت حتى الموت.
خرجت من مكتبه تركض بلا هدف.
“آه!”
نتج عن ذلك أن كسر كعب حذائها العالي والتوى كاحلها، لكنها لم تستطع التوقف.
“دوتشيف….”
عقدت فرانشيسكا العزم.
قبل حلول فجر الغد، ستجعلهم لا يجدون دوتشيف في هذا المنزل أبدًا.
ذهبت فرانشيسكا إلى غرفة دوتشيف وفتحت الباب.
ثم احتضنت ابنها.
شعر دوتشيف بارتعاش يدي أمه ففتح عينيه على وسعهما.
“أمي، ماذا حدث؟”
ربّتت فرانشيسكا على ظهر ابنها وهمست.
“دوتشيف، دعنا نغادر الآن.”
ارتجف كتف الطفل.
ضمّته فرانشيسكا بقوة أكبر.
شعر دوتشيف بمزيد من القلق لعدم فهمه الموقف، فأمسك بطرف ثوب أمه.
“في هذا الليل؟ إلى أين….؟ “
لفت فرانشيسكا رأس ابنها المرتجف بكفيها وقالت:
“….إلى مكان ينقذك.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 43"