لم يدرِ أحدٌ ما الذي قالته تحديداً، لكن وجه جيتي تحوّل فجأةً إلى شاحبٍ قاتم.
“حسناً. سأتغاضى عن هذه الحادثة من جهتي.”
ثم نهضت متجهةً نحو الباب، مُحافِظةً على كبريائها في النهاية.
[سيف الريح]
بوم!
“أخ!”
قبل أن تغادر، عثر بها جونيل بمزاحه فسقطت أرضاً، لكن لم يخرج أحدٌ لمساعدتها رغم الضجة.
رفعتُ إبهامي باتجاه جونيل.
[لقد تمالكتُ نفسي عن ضربها ضرباً مُبرحاً!]
أجل، أجل.
لا زلنا سنتعامل معها مستقبلاً، فالإفراط قد لا يكون لائقاً.
“آنسة العائلة الصغيرة، أعتذر عن عدم معرفي بمقامك.”
خلع هيوستن قبعة الطاهي وأحنَى رأسه.
“أرجو ألا تحني رأسك. تعامل معي كالمعتاد، أرجوك.”
لقد رفضتُ رفضاً قاطعاً أن يتكلف رجلٌ أكبر مني سناً في احترامي.
لهذا السبب بالذات كان العمل كخادمة مريحاً بالنسبة لي، خوفاً من حدوث هذا تحديداً.
“وأنا أيضاً أعتذر لم أعرف أنكِ سيدتي وأعطيتكِ ثوب الخادمة…”.
غيَّرت ماي أسلوب حديثها إلى الرسمي.
“لقد طلبتِ من السيدة إعداد طعام يخص آنسة العائلة الصغيرة سامحيني على هذا التقصير.”
“بل أنا من فعلت ذلك عن طيب خاطر. أنا بطبعي أستمتع بالطهي. لقد أعددته بكل سرور حقاً.”
“من الآن فصاعداً سأعد الطعام بنفسي مع أنني سأشعر بالأسف لعدم تمكني من العمل مع السيدة…”.
بدا الأسف واضحاً على هيوستن أكثر من الشعور بالذنب.
“هاه، إذاً لن نستطيع تناول الطعام الذي تعدّه الآنسة الصغيرة من الآن فصاعداً؟”
عندها، تدخلت إحدى الخادمات التي كانت تستمع للحديث.
“بالطبع. أتظنين أننا سنطلب من السيدة أن تعدّ طعاماً للخدم؟”
“لا أعني ذلك، لكن… أشعر بالأسف حقاً. لقد كنتُ سعيدة جداً هذه الأيام. حتى أني شعرت أن مجيئي إلى الجناح المنعزل كان قراراً صائباً.”
أومأت باقي الخادمات موافقات.
يا للهول.
رؤيتهنّ جميعاً يشعرن بالأسف، كادت تنتقل إليّ عدوى الأسف أنا أيضاً.
“لن يتغير شيء. سأستمر في إعداد الطعام اللذيذ لكم.”
“لكن الآنسة الصغيرة…”
“وسأشارك الوصفات مع رئيس الطهاة هيوستن أيضاً. لتتمكنوا من تناول الطعام اللذيذ في أي وقت.”
لم يستطع هيوستن منعي، ربما لأنه وجد صعوبة في رفض هذا العرض.
عندها، أزهرت البسمة على وجوه الخادمات.
*** ✨ ***
على النقيض من الأجواء الدافئة في الجناح المنعزل، كان القصر الرئيسي يعج بالاضطراب إثر عودة هيلبورن.
“ماذا تقول؟ فرسان النور المقدس؟”
فرسان النور المقدس هم فرقة انقرضت منذ مئات السنين.
“لا أعرف على وجه اليقين، لكن ليس هناك غيرهم من يستخدم تلك الطاقة السيفية اللعينة.”
“هذا مستحيل.”
لقد كانوا فرساناً يتبعون ملاكاً ساقطاً، وليس فرساناً يخدمون الحاكم.
الملاك “يوهانس”، الذي نادى بنفسه حاكماً جديداً يناهض الحامن، وعاث في الأرض فساداً.
فقد خان الحاكم وتحالف مع ملك الشياطين، وسعى لإبادة البشرية، حتى تعاونت العائلات الكبرى الخمس وختمته في فردوس سيرافيم، مركز العالم.
لقد مرت عدة قرون بالفعل على إعدام آخر فارس من فرسان النور المقدس، الذي ورث جزءاً من قوته.
فكيف إذاً يقابل هيلبورن فرسان النور المقدس الآن؟
“آه، لا أعرف! كان نيلسون يحاول العودة إلى أخيه باستمرار، فأمسكت به، وأثناء مروري سألتُ أحد المارة عن بُعد المسافة إلى قلعة أمير حدود الإمبراطورية الشمالية، فإذا به يسحب سيفه فجأة! كح! لمجرد تذكّر الموقف يغلي دمي غيظاً!”
سألته فرانشيسكا بوجه جاد.
“اترك هذه العموميات. هل هناك علامة تثبت أنه كان فارس نور مقدس؟ أي دليل؟”
“كان مرتدياً رداءً، فلم أتمكن من رؤية أي علامة.”
“هيلبورن! تحدث بدقة ولا ترتج!”
في العادة كانت لتظن أن هيلبورن قد أخطأ في تقديره، لكنها لم تستطع ذلك هذه المرة.
فها هو هيلبرن عاد ممزق الثياب ومغطى بالجروح في كل مكان، ونيلسون الذي كان يحمله على كتفه كان غارقاً في دمائه بعد أن فقد وعيه.
“من أين ومن فعل بك هذا بحق السماء؟ أليسوا من فلول الإمبراطورية الشمالية؟”
“أمي، أنا في المرتبة الثامنة، أتظنينني لا أستطيع التمييز بيني وبين تلك الحثالة من الجنود المنهزمين؟”
آه آي.
ثارت ثائرته وأمسك بذراعه المكسورة متألماً.
“الدليل على أنه كان فارس نور مقدس؟”
“لقد كان شعوراً غريزياً قاطعاً! ألا ترين ذراعي المكسورة؟”
“أنا لا أتحدث عن الشعور، بل عن دليل دامغ!”
“آه! أنا أتألم هنا ولا يهمك أمري!”
ازدادت ملامح فرانشيسكا جدية.
صحيح أن هيلبورن كثيراً ما يهذي، لكنه في القتال فقط يكون جاداً دوماً.
“إن كان هذا صحيحاً، فهي مصيبة عظيمة.”
تمتمت فرانشيسكا بشفتين يابستين.
“لا بأس. لقد قطعت عنقه قبل أن أعود.”
“كلا.”
الأمر ليس عادياً.
مجرد احتمال عودة فرسان النور المقدس للحياة هو ذاته كارثة.
“عدد فرسان النور المقدس المذكورين في كتب التاريخ فقط يبلغ مئة ألف أباطرة الإمبراطوريات الأربع أعلنوا رسمياً آنذاك أن جميعهم أُعدموا، لكن يُقال أن بعضاً منهم نجوا بحياتهم وفروا.”
“لكنهم ليسوا حكّام، كيف استطاعوا البقاء أحياء كل هذه المدة؟”
“هذا ما أقوله!”
إنه كلام غير معقول.
لكن يوهانس كان يمتلك من القوة ما يفسر إمكانية حدوث ذلك.
أليس لهذا السبب بالذات اتحد العالم كله لختمه؟
“لو كان هذا صحيحاً ولو بنسبة واحد بالمئة، فهي كارثة عالمية.”
“ماذا، لهذه الدرجة؟”
أيوجد مثل هؤلاء الأقوياء مختبئين في الظل؟
أولئك الكائنات الشبيهة بالوحوش، الذين حتى هو، سيد السيف ومن وُلد بذلك الأسلوب الخاص الفريد لدم بلوديماري، وجد صعوبة بالغة في مجرد التعامل معهم!
“أين تلك المرأة؟”
لا بد أن أعرف سر قوتها.
لأصبح أقوى، لأصبح أعظم فارس في العالم، أحتاج إلى قوة تفوق ما لدي الآن.
“هل تقصد… هالارا؟”
“نعم. تلك المرأة التي أحضرها ابنك الأرعن.”
زفرت فرانشيسكا زفيراً طويلاً.
عندما رأت هيلبورن يذهب لملاقاة نيلسون، ظنّت أنه سيتقبل وجودهما، لكن يبدو أنها أخطأت الظن.
“ها… هيلبورن، هذا رجاء أمك الملحّ. دع تلك الفتاة ودوتشيف وشأنهما. دعهما يعيشان بسلام وهدوء.”
“لا يهمني ابنك الأرعن. ما يهمني هو تلك المرأة.”
“ستكون زوجة أخيك. انتبه جيداً للقب الذي تخاطبها به، فقد سمعت من الخدم. حتى لو لم تُظهر لها كل الاحترام الواجب، فلا تعترض طريقها.”
كانت تعني بذلك ألا يحاول قتلها مجدداً كما حدث المرة السابقة.
فحمل المرأة لمثل حالتها يمكن أن يصبح خطراً بمجرد حادث بسيط.
“كلا، أمي. أنا من كدت أموت بسببها المرة الماضية!”
لا زال هيلبورن يشعر بالظلم.
“أنا أثق بابني. كبير الخدم! سأكتب تقريراً مفصلاً عن هذا الحادث، فاستعد فوراً لإرساله إلى جلالة الإمبراطور جلالته سيجري التحقيق اللازم.”
لكن فرانشيسكا لم تستمع إلى هيلبورن واتجهت نحو مكتبها.
“كح! المشكلة كلها في تلك المرأة! هي سبب كل هذا العبث!”
وهكذا، لم يبقَ أمام هيلبورن سوى التخبط بجسده الموجوع.
*** ✨ ***
“بلا شك، لقد جنّ الجميع.”
كانت جيتي تعض أصابعها بعصبية، ثم صرخت فجأة.
“أوه، ظهري.”
لا زال ظهرها يؤلمها من ارتطامه بالباب قبل قليل حين أغلقه أحدهم بعنف.
وكان قلبها يؤلمها أيضاً.
فالظاهر أنها ستصبح الآن خادمة خاصة لهالارا بلا مفر.
“خادمات الجناح المنعزل… تصرفن قبل مجيء هالارا وكأنهن سيتآمرن معي لمضايقتها، لكن ما أن حضرت حتى غيرّن كلامهن فجأة!”
حتى لو تنكرت هالارا في زي خادمة وتجولت بينهن، أليس من غير المعقول أن ينحزنّ إلى جانبها؟
“لا بد أن تلك الساحرة فعلت شيئاً. من الغريب أصلاً أنها من عامة الشعب واستطاعت إغواء السيد دوتشيف وحتى السيدة. أليس هذا غريباً حقاً؟”
بالتأكيد، لقد استخدمت سحراً ما غريباً.
وإلا، فكيف يعقل أن يصبح كل هؤلاء الأشخاص الأسوياء على هذا النحو؟
‘حسناً. لا يهمني هؤلاء، فبقوتي وحدي أستطيع طردها.’
جيتي اعتادت التخلص من أية خادمة لا ترغب بوجودها، وذلك بمضايقتها بكل الطرق الممكنة حتى ترحل.
ولن يختلف الأمر حتى لو كانت آنسة العائلة الصغيرة.
“سأجعلها تبكي وتتوسل لتطلب إبعادها عن العائلة.”
*** ✨ ***
بفضل مهارة هيوستن المتميزة، تناولتُ طعاماً شهياً.
كنتُ أخطط في الأصل لإعداد “طبق تهنئة بمناسبة استيقاظ دوتشيف ذو الأربع نجوم”، لكن بعد أن انكشف أمري، لن يسمح لي أحد بالعمل في المطبخ اليوم، فلم يكن أمامي خيار آخر.
وبدلاً من ذلك، تذوقت طعام هيوستن.
“حقاً، رئيس الطهاة له طعم آخر.”
لم يكن طعاماً كوريَّاً، لكنني استمتعت بوجبة فاخرة من أطباق متنوعة، وكنت في طريقي للعودة إلى غرفتي.
شعرت بتعب غير عادي اليوم، فأردت أن أستريح قليلاً.
“أتيتِ الآن؟”
كانت جيتي بانتظاري في الغرفة.
ورغم تنبيه هيوستن لها، إلا أن أسلوبها الوقح معي لم يتغير.
كنتُ في مزاج جيد لأن بطني كان ممتلئاً، لكن فجأة شعرت باضطراب.
اعتقدت أن متلازمة القولون العصبي قد اختفت مع انتقال روحي إلى هنا، لكن يبدو أنني أحضرتها معي أيضاً.
“نعم. سأنام الآن، هل تخرجين من فضلك؟”
أنا أيضاً لا أرغب في التحدث طويلاً مع شخص يعاديني.
لا أعرف تحديداً ماذا كانت تقول عني وراء ظهري، لكن كوني خبيرة بعشر سنوات من أكل العيش في بيت أهل الزوج، فمن السهل عليّ معرفة من يتحدث عني بسوء.
“في وضح النهار وتنامين؟”
“هل هذا يهمك؟”
لقد تعبت من الاستيقاظ مبكراً وتحضير طعام الخادمات وطعام دوتشيف.
التعليقات لهذا الفصل " 33"