3
انطلقتُ مباشرةً نحو السوق من جديد.
سوق عين السيف
لمحت لافتة للسوق لم ألحظها من قبل.
ذاك الاسم الذي تردّد كثيرًا في القصة الأصلية.
السوق الذي تُروى عنه حكايات ظهور جنيّ السيف الذي يلتهم البضائع.
أهل هذه المنطقة يعتقدون أن قصة الجنيّ مجرد أسطورة، لكن فيما بعد، عندما يعود “دوشيف” برفقة رفاقه إلى هذا المكان، سيلتقون بذلك الجنيّ.
طبعًا، تلك حكايةٌ ستحدث بعد زمن طويل من سقوط “بلوديماري”.
أما الآن، فهو ليس سوى سوقٍ هادئ.
“المحل الذي رأيته سابقًا…”
شرعتُ أبحث بعينيّ عن المحل الذي لاحظته وأنا أمرّ من هنا.
“ها هو.”
عند الاقتراب، لم تبدو المواد الغذائية المعروضة في المحل طازجةً جدًا.
بالطبع، كانت أكثر طزاجةً من المحل المجاور.
“أوه؟ ألستِ ‘هالارا’؟”
في تلك اللحظة، اقترب صاحب المحل ذو اللحية الكثة.
‘أيعرف هالارا؟’
في الحقيقة، هذا حيّ يسكنه فقراء العامة داخل الإقطاعية، فعدم معرفته بها سيكون أمرًا غريبًا.
ومع ذلك، لا يمكنني التظاهر بمعرفة شخص لا أعرفه.
“مرحبًا.”
قررت أن أبدأ بالتحية.
“إيه؟!”
أطلق العم صيحةً مرتفعةً وكأنه ذُعِر.
“ماذا، ما الخطب؟”
“إيه؟ ما هذا؟ أهذا حلم؟”
أكانت العلاقة بينه وبين هالارا سيئة؟
لماذا هذا رد الفعل؟
“هل استخدمت معك مخاطبة غير لائقة سابقًا؟ هل كنا قريبين؟ آسفة. كنتُ في فترةٍ مضطربةٍ مؤخرًا، لذا ذاكرتي ضبابية.”
“ماذا تقولين؟”
“ممم؟ إذاً…”
فما طبيعة العلاقة؟
“أنا أعرف الآنسة. لكن الآنسة لا تعرفينني~! لأن الآنسة شخصية مشهورة في قريتنا هاها!”
لحسن الحظ، كانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقيان فيها.
تماسكتُ من دهشتي ورفعتُ زوايا شفتيّ فورًا في ابتسامة.
“سأزوركم كثيرًا من الآن فصاعدًا.”
“حقًا؟ حقًا؟”
“نعم. يبدو أن موادكم الغذائية في هذا السوق هي الأكثر تنوعًا والأجود.”
ابتسمتُ بلطف وأطلقتُ بعض المجاملات الزائفة.
إن تكوين صداقات مع أصحاب متاجر السوق هو مجال تخصصي.
ففي منزل زوجي السابق، كانوا يرهقونني دائمًا عند التسوق للاحتفالات، ويصرّون على فحص مكونات الأطباق المقدمة على مائدة الاقارب بدقة شديدة.
“آه، إنها مفاجأة سارة أن تأتي أجمل فتاة في قريتنا إلى متجري كثيرًا. يبدو أن الإشاعة التي تقول إنكِ لا تتذوقين حتى طعام السوق مجرد إشاعة~!”
“ها، هاها!”
تليق هذه الإشاعة بهالارا.
على الأرجح، لم تكن تلك الإشاعة كاذبة.
في ذلك المنزل المتواضع، كم كانت هناك من سجائر ملقاة على المنفضة؟
من المؤكد أنها كانت إحدى الهدايا التي قدمها الرجال النبلاء. ولا بد أنهم قدموا لها أفضل الطعام فقط.
‘كان عليهم أن يقدموا لها ملابسًا باهظة أو مجوهرات ثمينة يسهل بيعها بدلاً من ذلك.’
تنهدتُ بعمق في داخلي، ثم ألقيتُ ابتسامة ودودة لصاحب المتجر.
“أريد أن أشتري من السوق كثيرًا وأطهو بنفسي من الآن.”
“حسنٌ، حسنٌ. يا إلهي، لقد وصلت البضاعة. تفضّلي، ألقِ نظرة بهدوء وأعلميني إذا أردتِ شيئًا!”
“حسنًا.”
انطلق العم مسرعًا نحو عربة البضائع التي وصلت للتو.
وهكذا، استطعتُ أن أتأمل البضائع بهدوء.
‘أسعار الفاكهة مرتفعة، أما البطاطس والحبوب فرخيصة نسبيًا.’
هذا يناسب إقطاعية عائلة “بلوديماري” الفروسية حقًا.
على عكس إقطاعيات النبلاء الكبار الآخرين، كانت معظم أراضي إقطاعية بلوديماري تُستغل لزراعة القمح والبطاطس.
أما الفاكهة التي تفسد بسهولة، فتُزرع على نطاق ضيق جدًا، ويُكاد لا يُعثر على الزهور.
أيُمكن وصفها بأنها قمة الاقتصادية والكفاءة؟
بسبب موقعها الجغرافي في ضواحي الإمبراطورية الغربية، لم يكن التجارة نشطة، وحتى تلك التجارة كانت تخضع لتفتيش صارم، مما يجعل من الصعب على التجار التردد بكثرة.
طريقة الإدارة الإقطاعية المنغلقة هذه جعلت من إقطاعية بلوديماري حصنًا ضخمًا، لكنها بالمقابل كانت غير مواتية للحصول على الكماليات أو المزايا الثقافية.
“مع ذلك، من الجيد أن الخضروات متنوعة.”
كان لا يزال بإمكاني الحصول على الجزر والبصل وما شابه بأسعار معقولة.
في تلك اللحظة.
رأيتُ رجلًا يلتقط تفاحةً باهظة الثمن، قد تبلغ عشرة أضعاف سعر الجزر.
كان شعره طويلًا متدليًا يغطي عينيه.
‘أصابه وابل ماء؟’
كما كان شعره رطبًا، وكأنه تلقى حمّامًا من الماء في مكان ما.
وملابسه كانت عادية جدًا، قميصًا عاديًا بأربطة يلبسه العامة، وهو متسخ بالتراب ومصفر.
لكن قوام جسده الذي لم يستطع حتى القميص الرخيص إخفاءه، لم يكن ليُخلَق بين عشية وضحاها.
‘مُرتزق؟’
يبدو ذلك صحيحًا، نظرًا للسيف المعلّق عند خصره.
فبلوديماري تخوض الحروب باستمرار، لذا دائمًا ما يكون عدد الفرسان غير كافٍ.
لذلك، سمعتُ أن هناك العديد من فرق المرتزقة القابلة للتجنيد في هذه الإقطاعية وحدها.
التقط المرتزق بتلك اليدين الخشنتين تفاحة أخرى كبيرة.
تبعته عيناي تلقائيًا.
على الرغم من أنها كانت تفاحة ضخمة بوضوح، إلا أنها استقرت تمامًا في كف يده.
“تلك…”
لكن، اسمع.
“خذ واحدة غير تلك التفاحة.”
ها قد تحركت “الأخت الكبيرة كي” وسلطت أنظارها المتطفلة.
“…؟”
“تلك التفاحة. لقد خُدعتَ بمظهرها الجميل. لكن الداخل أصبح إسفنجيًا ومُتشربًا بالماء.”
يبدو لامعًا، ولكن ذلك بسبب طلائه بلماعة زيتية.
ألم تلاحظ أن عنقها متعفن تمامًا؟
لن تكون قد فسدت، لكن عند أول قضمة، سينهار قوامها الإسفنجي وستفسد المزاج حتمًا.
“اممم، جميعها في حالة مماثلة تقريبًا.”
نقبتُ بين التفاح الموجود في السلة.
“آه، هذه تبدو جيدة. خذ هذه. لا أعرف مدى حلاوتها لأنني لم أتذوقها، لكنها ستكون أكثر طزاجة من الأخرى.”
وسلّمته تفاحةً صغيرةً ولكن مكتنزة وناضجة جيدًا.
أخذ المرتزق التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة.
أزيز-سحق
حطّم التفاحة التي كانت في يدي في لحظة.
“آه! لماذا حطمتها؟ إنها باهظة الثمن!”
سقطت التفاحة على الأرض مفتتةً مثل البسكويت.
حتى لو كان المرتزقون يجنون مالًا جيدًا، لم أكن أتوقع منهم هذا البذخ.
“إذا كنتَ لا تنوي الشراء، فلا تعبث بالبضاعة. سأخبر صاحب المتجر…”
لكن المرتزق لم يستمع إلى كلامي حتى النهاية.
التفتَ ظهره كمن لا يهتم، وابتعد في هدوء حتى اختفى.
“أنت!”
دون أن يدفع حتى!
أسرعتُ لأتبعه، لكن المرتزق كان قد اختلط بالحشد واختفى بالفعل.
“لحظة!”
ثم سمعتُ صوتًا يناديني من الخلف.
كان صاحب المتجر ينظر إليّ بوجه عابس.
“هل تعرفين ذلك المرتزق يا هالارا؟ لقد ذهب دون أن يدفع.”
“آه… حسنًا…”
“إذا أخذ أحدهم بضاعة، فلا بد أن يدفع أحدٌ ثمنها، أليس كذلك؟ هاه؟”
نعم، بالطبع…
انتهى بي الأمر مبتسمةً بابتسامة متحفظة، وأخرجت محفظتي من سلة التسوق.
سأجده لاحقًا وأطالبه بالدفن حتمًا!
***
بعد مرور ثلاثة أيام على وصول هالارا إلى قصر دوق بلوديماري:
كان كبير الخدم في منزل دوق بلوديماري الكبير، كارلوس، يلتقط أنفاسه العميقة وهو ممسكٌ برأسه.
إنه شخصية يُجلُّها الخدم والوصيفات، وقد ساعد في شؤون هذه العائلة الكبيرة والصغيرة منذ زمن والده.
وها هو يرتكب خطأه الأول.
“كارل. يمكنك فعلها. ستتجاوز هذا. كن إلى جانبي أبي.”
نظر إلى صورة والده في ساعته الجيبية التي أخرجها من جيبه، وهمس بكلمات تثبيتية لنفسه.
ع
لى الرغم من كل ما مرّ به أثناء عمله للعائلة، كانت هذه هي المرة الأولى التي يُكلّف بمهمة تتبع.
“ليس الأمر صعبًا. لستُ أتتبع فارسًا مدربًا، بل مجرد امرأة.”
بعد أن كُلّف من قبل فرانشيسكا بالتحقيق في أمر هالارا، طلب من خدم العائلة جمع معلومات عنها.
لكن كل ما وصل إليه كان أنها جميلة بشكل لا يُضاهى، وأن جمالها هذا جعلها تتلاعب بالعديد من الرجال، حتى لُقّبت في القرية بـ “الفاتنة”.
إنها لا تعمل، ولا تخرج من المنزل إلا لمقابلة رجال، لذا كان هناك حدّ لما يستطيع الخدم اكتشافه.
في النهاية، لم يعد يطيق الصبر وقرر تولي المهمة بنفسه.
‘رغم أنها قالت بفمها إنها ليست حاملاً، لا يمكننا ترك أي شيء غامض.’
بما أن السيدة هي من طلبت ذلك، يجب أن أنجزه بشكل كامل.
فإحباط سيدك يعني أنك لا تستحق حتى أن تكون خادمًا!
ابتلع دمعةً انعقدت في زاوية عينه بخفّة، وخرج كارلوس من قلعة الدوق.
كان ذلك بمثابة خروجه الأول منذ فترة طويلة، إذ كان يعيش داخل القلعة فقط.
كلما ابتعد عن القلعة، زادت دقات قلبه.
‘ها هي تلك المرأة.’
لم يستغرق وقتًا طويلاً للعثور على هالارا.
بسبب مظهرها الاستثنائي للغاية.
كانت ترتدي فستانًا أبسط بكثير مما كانت عليه عندما زارت العائلة قبل أيام قليلة.
بالإضافة إلى شعرها المربوط بإحكام في ذيل حصان واحد.
في الواقع، جعلها مظهرها البسيط أكثر بروزًا وجمالاً.
‘يُقال إنها تعيش حياة بذخ معتمدة على رجل ثري.’
سمع أنها، منذ صغرها، كانت جميلة بشكل لافت ولم ينقطع الرجال عنها أبدًا.
لذا فهي معتادة على المعاملة الخاصة.
بدت كما لو أنها لم تقم بأي عمل يدوي في حياتها.
تأفف كارلوس.
إنه لأمر مُثير للشفقة.
إنهم الفئة التي يكرهها أكثر.
فئة الذين يعيشون معتمدين على الآخرين دون بذل جهد.
‘أكنتُ مفرط الحساسية؟ واضحٌ أنها اقتربت منه لأن وصفه بالشارد، بهدف انتزاع المال فقط.’
ثم هربت بسبب هيبة العائلة.
انطلق تنهد بالارتياح.
يبدو أن الأمر سينتهي بسهولة أكبر مما كان يتوقع.
بالنظر إلى سلوك تلك المرأة، من المحتمل جدًا أنها كانت تتلاعب برجال آخرين غير الشاب “دوشيف”.
إذا تمكن من الإمساك بذيلها، فسيُحل الأمر بسلاسة.
‘في العائلة، من حيث المثابرة، يأتي بعد السادة الشبان مباشرةً، أنا، كارل.’
شدّ كارلوس ملابسه وتمركز في مكان ما.
كان مستعدًا لقضاء ليالٍ في العراء حتى يمسك بذيل تلك المرأة.
“أوه!”
في تلك اللحظة، خرجت امرأة متوسطة العمر من المنزل المجاور.
بدت كجارة، ربما تريد التحدث عن شيء ما.
سيكون رائعًا إذا كان الحديث عن رجال يترددون عليها بكثرة.
أصغى كارلوس باهتمام وخبأ جسمه خلف السياج.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 3"