الفصل 40
كلما ازداد النور سطوعًا، ازداد الظلام عمقًا.
حتى في العاصمة، كان للعالم السفلي ظلامه الكثيف.
في ليلة حالكة السواد لا تُرى فيها حتى شظايا القمر،
تسلّل أفراد النخبة من نقابة “شيد” — أكثر نقابات العاصمة سمعة سوءًا —
فوق أسوار عالية لمنزل فخم.
“ابدؤوا بحراس البوابة أولًا.”
أمرت نائبة زعيمة النقابة، هييلاي، بصوت منخفض.
نصف أفرادها تفرقوا في الاتجاهات الأربع.
أما البقية فتبعت هييلاي نحو هدفهم الرئيسي.
لم تمضِ دقائق حتى بدأت الإشارات تأتي من كل جانب،
وتجمّع أفراد النقابة واحدًا تلو الآخر.
تحركاتهم كانت حقًا كظلال، كما يوحي اسمهم.
لكن شيئًا في الأمر لم يُعجب هييلاي.
“هناك خطب ما…”
“ماذا تقصدين؟”
سألها أحد رجالها، كانديل.
“ذلك الوغد ارتكب الكثير من القذارات،
لكن عدد الحراس قليل على نحو غريب.”
عيناها الكهرمانيتان، اللتان يصفها خصومها بعيون الوحش،
تلألأتا بخطر.
“لا تتهاونوا.”
وكما توقعت، كان حدسها صائبًا.
فما إن فُتح باب القصر حتى تدفق منه مئة مقاتل مسلح.
“ألم أقل لكم؟”
رفعت كتفيها بابتسامة ساخرة نحو أفرادها.
ذلك التهاون المستفز كان كفيلاً بإثارة خصومها.
“بمَ تهذين؟ اليوم هو يوم موتك!”
صرخ الرجل المطلوب، بِيليال، متكئًا على رجاله.
ابتسمت هييلاي ابتسامة ملتوية.
اختفى المرح من وجهها، وحلّت محله برودة قاتلة.
تراجع بيليال نصف خطوة، لكنه ثبت مكانه متشبثًا بشجاعته.
“وقحة! مجرد همجية من الأعراق الدونية!”
كلماته خرجت كصرخة خوف أكثر من كونها إهانة.
“لم أسمع هذا الهراء منذ زمن…”
تسللت السخرية من جديد إلى ابتسامتها،
لكنّ وجوه رجالها اسودّت؛
فهم يعلمون أن من سيتحمل مزاجها السيئ بعد هذا لن يكون الخصوم — بل هم.
حتى المرتزقة الذين جلبهم بيليال من مناطق بعيدة
بدأت وجوههم تشحب تحت وطأة الجو المشحون.
أما بيليال، الذي واجه نظراتها مباشرة، فكان على وشك الانهيار.
ومع ذلك، وجهت هييلاي كلامها لا إليه، بل إلى رجاله:
“وأنتم؟ أوغاد مثله؟”
ردّ أحدهم، وعلى خده الأيسر ندبة طويلة:
“من يأكل خبز السيف لا يمكن أن يكون طيبًا!”
ضحك ضخم أحمر الشعر ضحكة صاخبة،
فقالت هييلاي بابتسامة مشرقة:
“جيد إذًا. زعيمنا يقول إن قتل الأشرار مباح.”
اندلعت النيران فجأة، التهمت بيليال ومن حوله في لحظات.
لم يكن هناك وقت حتى للصراخ.
راقبت هييلاي اللهب بوجه خالٍ من التعبير، ثم أشارت بذقنها إلى رجاله:
“انتهى الأمر. فلنغادر.”
تحرك أفراد “شيد” ببرود، متمتمين بإعجاب على قدرات الجاكران الغريبة التي تملكها زعيمتهم.
وعندما خمدت النار، لم يبقَ سوى رمادٍ رماديٍّ في مكان القصر.
****
في تلك الليلة نفسها، حلم إلياس بـ فيوليتا للمرة الأولى منذ زمن طويل.
منذ أن أدرك أنه لا يحق له أن يحمل مشاعر نحوها، لم يرها في أحلامه قط.
“إلياس.”
نادته وهي تبتسم.
كانت في الخامسة عشرة من عمرها، كما رآها آخر مرة —
بشعر زهري ناعم كالوردة، وعيون خضراء نقية كأنها زمرد حقيقي،
وبتلك الابتسامة التي لم يستطع نسيانها يومًا.
مدّ يده نحوها لا إراديًا، ثم تذكّر أنه يحلم.
جنون.
في السنوات الثلاث الماضية، لم يحلم بشيء على الإطلاق.
كان ينام منهكًا بعد التدريب حتى الإغماء.
لكنه الآن، وقد نال بعض الراحة، عادت الأحلام لتعذّبه.
قبض على قبضته بقوة حتى غرزت أظافره في راحته.
بالنسبة إليه، كان هذا الحلم أقسى من كابوس.
لكنّه لم يستطع الاستيقاظ.
اقتربت فيوليتا أكثر، حتى لم يبقَ بينهما سوى خطوتين.
“إلياس.”
همست ثانية، ثم ألقت بنفسها بين ذراعيه.
تجمّد في مكانه، عاجزًا عن صدّها.
لامس أنفه عبير زهور مألوف، وشعر بحرارتها الخفيفة تلتصق به.
كانت واقعية إلى حدٍّ مرعب.
حتى إنّه شعر بملمس جسدها في صدره.
مهلاً… واقع؟
عاد وعيه فجأة.
هذا ليس حلمًا.
إنه في كهفٍ شماليٍّ متجمّد.
والتي يضمها ليست فيوليتا — بل كلوي.
كانت تتقلب في نومها، تلتمس الدفء، وتغوص في صدره أكثر.
أدرك الحقيقة، لكن قلبه ظلّ يخفق بعنف،
وجسده يغلي بحرارة محرجة في ذلك الجو البارد.
لحظة مربكة للغاية.
***
أما أنا — كلوي — فكنت أبحث عن الدفء في نومي،
فوجدت شيئًا صلبًا لكنه دافئ ومريح، فاحتضنته بقوة.
“ممم…”
دفعت وجهي إليه، فازدادت حرارته أكثر.
كانت درجة الحرارة المثالية للنوم.
لكن… ما هذا المكان المزعج؟ كهف؟
بدأت الذكريات تتسلل إليّ واحدة تلو الأخرى.
تذكّرت أننا كنا نتحدث عن قصة الإلياس في الحدود، ثم غفوت…
إذًا ما هذا الآن؟
فتحت عيني ببطء،
فرأيت أمامي صدرًا عريضًا يكسوه زيّ الحرس الإمبراطوري،
ضيقًا جدًا حتى أنه ملأ مجال رؤيتي.
وأدركت الحقيقة المريعة.
لقد انتهيت.
أسرعت بسحب يدي التي كانت ملتفة حول خصر إلياس،
ثم أغلقت عيني بإحكام.
حتى لو كنت متجمدة، هذا لا يُبرَّر… أتمنى أنه نائم، أتمنى أنه نائم…
تحركت ببطء، زاحفة للخروج من بين ذراعيه،
حتى ابتعدت بمقدار كافٍ لأدّعي أننا كنا نائمين متوازيين.
فتحت عيني أخيرًا —
ووجدت نفسي أحدّق مباشرة في عينيه الزرقاوين الواسعتين، المستيقظتين تمامًا.
“هِك!”
شهقت حتى خرجت منها حازوقة.
يا إلهي، لقد رأى كل شيء!
ارتبكت تمامًا وبدأت أتلعثم:
“ذاك… هِك!… ليس ما تظنه!”
وضعت يدي على فمي محاوِلة إيقاف الحازوقة،
بينما كان وجه إلياس أحمر مثل وجهي تمامًا.
ساد صمت خانق.
حاولت كسر الإحراج بالضحك قائلة:
“أتعلم، أنا دائمًا أبرد بسهولة أثناء النوم!”
لكن عينيّ سرعان ما وقعتا على الرداء والمعطف اللذين كانا يغطّياني —
وكلاهما من ملابس إلياس.
كما أن مكانه بعيد عن النار أكثر مني بكثير.
ابتسمت بخجلٍ مُتشنج. تبًا، كان يجب أن أقول إن لدي عادة نوم سيئة فقط.
أما هو، فظلّ صامتًا للحظة، ثم قال أخيرًا بنبرة حذرة:
“بما أنه حدث دون قصد، فلنعتبره مجرد… حادث عابر.”
اقتراح مثالي.
أومأت
بقوة حتى كدت أخلع رأسي.
لكننا كنا نعلم — كلانا —
أن أياً منا لن ينسى هذا الموقف بسهولة.
وفي تلك اللحظة المحرجة بالضبط،
صاح أحدهم من الخارج:
“هنا! وجدنا العلامة!”
ثم تبعها صوت مألوف من بعيد — كاميلا.
التعليقات لهذا الفصل " 40"