الفصل 39
جلس إلياس وأنا جنبًا إلى جنب فوق المعطف المفروش على الأرض،
لصدّ البرودة الزاحفة من تحتنا.
وجوده بجانبي جعل الجو أقل قسوة مما كان.
دفء جسده الملامس لكتفي ذكّرني مرارًا أنني لست وحدي.
لفترةٍ من الوقت، ظللنا ننظر إلى الأمام في صمت.
لم يُسمع سوى طقطقة النار الصغيرة وصوت أنفاسنا المنتظمة.
ربما كان السبب ذلك المزيج الغريب من الهدوء والاطمئنان…
لكن عيني بدأت تُثقلان بالنعاس، رغم أن الوضع لم يكن يسمح بالراحة.
لاحظ إلياس أن أنفاسي بدأت تبطؤ، فأيقظني بصوته الهادئ:
“جسدك ما زال بارداً. لا تنامي حتى تعودي لحرارتك الطبيعية.”
“حسنًا، فهمت.”
فتحت عيني نصف المغمضتين عنوةً، وبغرض مقاومة النعاس، بادرت بالكلام:
“الجو هادئ جدًا… هذا يجعلني أريد النوم أكثر.”
كانت محاولة لفتح حديثٍ ما، لكن إلياس لم يكن بارعًا في الحوار.
ومع ذلك، بدا أنه يحاول التفكير في موضوع، إذ شعرت حتى بتنفسه يتباطأ بخفة.
ابتسمت مازحة وسألته بصوتٍ خافت:
“ما رأيك أن نتحدث عن الحب الأول؟”
كان ذلك موضوعًا معتادًا في سهرات الفتيات،
وأنا كنت واثقة أن إلياس لم يعش أي تجربة حب من قبل،
فتوقعت أن يتجاهل السؤال أو يغيّر الحديث.
لكنّ ردة فعله كانت على عكس ما تخيلت.
ارتجف جسده بخفة واستدار نحوي فجأة، وعيناه متسعتان.
“مـ… ماذا؟!”
تلعثم صوته، وكأنني كشفت سرًا دفينًا، مما زاد فضولي.
“من هي إذن؟ فارسة زميلة؟ أم… ربما الأميرة الأولى، أول حبّ للجميع؟”
وخزت ذراعه بكوعي لأستدرجه، لكنه التزم الصمت التام.
ثم تمتم وهو يشيح بنظره:
“سأخرج لأتفقد الوضع بالخارج.”
عذرٌ واضح للهروب.
أمسكت به فورًا:
“لا، لا داعي. قلت إنك تركت علامات للخلاص، صحيح؟ اجلس هنا.”
تمسكت بذراعه بقوة كمن يمنع طفلًا من الفرار.
تردد قليلاً، لكنه عاد للجلوس في النهاية، وإن ظل متحفزًا.
‘من يا ترى جعلَه بهذا الارتباك؟’
رغم فضولي، تظاهرت بالنضج وأخفيت أسئلتي،
ثم اخترت موضوعًا أكثر هدوءًا.
“سمعتُ أنك كنت في الحدود الشمالية قبل انضمامك إلى الفيلق العاشر، صحيح؟”
تذكّرت تلك السنوات الثلاث التي غاب فيها.
كنت أرسل له بطاقات في كل عام ورسائل دورية،
لكنه دائمًا ما يرد بجملٍ قصيرة: أنا بخير.
فلم أعرف حقًا ما عاشه هناك.
أجاب بعد برهةٍ قصيرة:
“نعم.”
“كيف كانت الحياة هناك؟ صعبة؟”
كانت الحدود الشمالية قاسية، والحروب الصغيرة لا تتوقف.
أردت أن أسمع منه شيئًا إنسانيًا… شعورًا، تذمّرًا… أي شيء.
لكنه أجاب بنفس بروده المعتاد:
“لم تكن سيئة. الجنود عانوا أكثر.”
كأنني أجري معه مقابلة رسمية، لا حديثًا بين صديقين.
رمقته مبتسمة:
“لا بد أنك تعبت رغم ذلك.”
حين التفتُّ إليه لأرى وجهه، فوجئت بأنه ينظر نحوي أيضًا.
اقترب وجهانا أكثر مما ينبغي.
أنفاسه لامست جبهتي.
حبست أنفاسي غريزيًا.
الضوء المرتجف من النار ألقى ظلالًا خفيفة على ملامحه،
فبدت عيناه الزرقاوان أكثر عمقًا من أي وقتٍ مضى.
‘يا إلهي… الجو متوتر بشكل غريب.’
حاولت الابتعاد قليلًا، لكن المعطف المشترك حال دون ذلك.
لم يكن هناك سوى بضع سنتيمترات تفصلنا — أو أقل.
نبضات قلبي تسارعت، وكأن كل حواسي انتبهت فجأة.
كان الشعور مألوفًا مثل ما يسبق القتال،
لكنّه هذه المرة… دافئ، لطيف، ومربك.
تبادلنا النظرات لثوانٍ لا أعرف إن كانت قصيرة أم طويلة كالأبد.
أنا التي أفقت أولاً من السحر الغريب،
أدرت رأسي بسرعة وقلت بصوتٍ مرتفعٍ على غير العادة:
“ألم تقل إن عليّ ألا أنام؟ أخبرني قصة ممتعة إذن!”
تظاهرت بالحيوية بينما ما زالت حرارة وجهي مشتعلة.
شعرت بنظراته تلامس خدي، ثم انسحب صمته ببطء.
“قصة ممتعة…؟”
قالها بصوتٍ خفيضٍ متعبٍ فيه بحةٌ خفيفة،
فبدت كلماته أكثر دفئًا من لهب النار.
****
لا أعرف كم من الوقت مضى ونحن نتحدث بلا هدف،
حين بدأت رأسي تميل نحوه دون أن أشعر.
مدّ إلياس ذراعه سريعًا ليمسك بي بلطف قبل أن أسقط،
فوجدني قد غفوت تمامًا.
كان صوت أنفاسي ناعمًا ومتوازنًا.
لم أدرك كم أبدو صغيرة حين أنام —
في نظره، أصغر حتى مما تذكّر.
أطال النظر إليّ،
حتى أيقظه سعالٌ خفيف خرج من صدري.
وضع ظهر كفه على وجنتي يتحسس حرارتي،
ثم ابتسم مطمئنًا حين وجدها دافئة.
غطاني بالمعطف جيدًا، وأضاف فوقي سترته الجافة.
ثم وقف، يجمع بعض الحطب من الخارج.
ربط الشريط الأحمر الذي تركه كإشارةٍ للمنقذين بإحكام،
وألقى نظرة حوله.
لا أثر لأحد.
عاد بعد قليل ومعه فروع جافة وبعض الطرائد الصغيرة،
وأعاد إشعال النار التي خبت.
حين اشتعلت مجددًا، استرخت ملامحي في نومٍ هادئ.
اقترب مني، وسوّى الغطاء على كتفي.
“مم… إلياس؟”
فتحت عيني قليلاً بصوتٍ مبحوح.
تجمّد في مكانه،
لكنّي ابتسمت نصف نائمة وسألته:
“لماذا لا تنام؟”
كانت الكلمات متقطعة، شبه همسٍ من حلم.
أجاب بهدوء:
“يجب أن يبقى أحدنا مستيقظًا.”
لكن قبل أن يُكمل، كانت عيناي قد أغلقتا من جديد.
ابتسم بخفة،
ثم جلس إلى جواري يراقب النار والنوم يغالبه…
إلى أن غلبه هو أيضًا.
وساد الصمت الدافئ بيننا —
صوت النار والثلج في الخارج، وأنفاسٌ متشابكة في العتمة.
التعليقات لهذا الفصل " 39"