.:
الفصل 60
يبدو أنّ بون بون تأثّر، إذ نقر يدي بخفّة بمنقاره.
“أحقًّا؟ إنّك نسرٌ طيّب.”
أنا وبون بون هززنا رؤوسنا بحماسٍ في الوقت نفسه.
قالت بأسفٍ: “يا للخسارة.”
ثمّ أشارت بإصبعها إلى ساق بون بون.
“هناك شيءٌ مربوطٌ بساقه، أليس كذلك؟”
هل أرسل الدوق رسالة؟
لقد أخبرتُه بوضوح أنّه لن يتمكّن من التواصل معي في القصر قبل انطلاقنا مباشرةً إلى البرج السحري، لذلك لا حاجة لإرسال رسالة.
أخذتُ الرسالة وفتحتُها.
[كم سيستغرق الأمر؟
ماذا ستفعلين؟
ما سبب عدم تلقّيكِ للرسائل؟
قد يكون هناك ما أستطيع المساعدة فيه، لذا من الأفضل أن تخبريني.
هل تتوجّهين إلى مكانٍ غير قصر فرومروز؟
سيكون من الأفضل إعطائي العنوان.
ألم يكن الشرط أن نُطلق الحمام الزاجل ثلاث مرّات يوميًّا، سواء جاء الردّ أم لا؟
لا أرغب في تحمّل وِزر الإخلال بالشروط.
ملاحظة: القطّ ينتظركِ.]
هناك… نوعٌ من الجنون يتسرّب من بين الحروف……
يبدو أنّه أرسل الردّ فور تلقّيه رسالتي.
قرأتُ ما في الأعلى على عجل، ولم يبقَ في ذهني سوى الملاحظة المضافة في النهاية.
“هل لديكِ قلمٌ من فضلكِ؟”
“بالطبع! الباحثون يحملونه دائمًا. هل تحتاجين ورقًا أيضًا؟”
“نعم.”
أخذتُ من وات ورقةً وقلمًا، وكتبتُ ردًّا مقتضبًا.
[التدخّل مرفوض.]
ثمّ ربطتُها مجدّدًا بساق بون بون
ولأنّه بدا مُرهقًا، أعطيته فطيرة لحم.
“هذا كلّ ما لديّ الآن. آسفة.
عندما تلتقي بصاحبك، تذمّر قليلًا واسأله لماذا أتعبك، وخذ بعض الوجبات الخفيفة.”
كأنّه فهم كلامي، فردّ بفتح جناحيه الكبيرين مرّةً واحدة.
ذكيٌّ فعلًا.
سألت وات باهتمامٍ واضح.
“من صاحبُه؟ ليس أمرًا عاديًّا أن يربّي شخصٌ طائرًا مُدرّبًا إلى هذا الحدّ، قادرًا على اختراق الحواجز.”
“آه، إنّه الدوق ديهارت.”
“هاه؟”
سألت وكأنّها لم تسمع جيّدًا.
“تقصدين الدوق كايل ديهارت الموجود الآن داخل برجنا السحري؟”
لماذا كلّ هذا الذهول؟
أومأتُ برأسي تأكيدًا.
“ولماذا يرسل لكِ الدوق رسالة؟”
“لأنّ لديه ما يقوله……؟”
غرقت في التفكير للحظة، ثمّ تمتمت وكأنّها توصّلت لاكتشافٍ عظيم:
“صديقتي السابقة….
كان يجب أن ألاحظ منذ أن جئتما معًا.”
كان وجهها ممتلئًا بابتسامة من وجد شيئًا مثيرًا.
“قصّة حبّ ابنة صديقتي.”
“كيف وصلتِ إلى هذا الاستنتاج؟”
“هل أستطيع نشر هذا بين أولاد البرج السحري؟”
“طبعًا لا. ومن الأساس، هذا غير صحيح.”
“ومع ذلك، الأرض تدور.”
“وما علاقة هذا بالموضوع؟”
في النهاية، تخلّيتُ عن الجدال.
حتى لو أنكرتُ أكثر، فلن يتغيّر شيء.
بعد أن أرسلنا بون بون، تابعنا السير في الممرّ.
“بالمناسبة، ذلك الطائر… بون بوني؟”
“بون بون. اسمه الأصلي تايفون.”
“آه، صحيح. بون بوني، هل يمكننا استعارتُه قليلًا للبرج السحري؟”
يبدو أنّ اهتمامها بدأ منذ لحظة اختراقه للحاجز.
كانت تفكّر بالأمر طوال الوقت.
“أنا لستُ صاحبته، لذا أظنّ أنّه يجب أن نسأل الدوق.”
“أرجوكِ. الأمر يتعلّق بالأمن، لكنّ هذه الحواجز مزعجة جدًّا.”
ثمّ تابعت قائلة:
“وأنتِ أيضًا، بعد انتهاء جدولكِ ستعودين إلى مركز الشمال، أليس كذلك؟
سنحتاج إلى الاستمرار في تبادل الحديث حول الأبحاث، ولا يمكننا إرسال شخصٍ بالعربة في كلّ مرّة.”
عندما فكّرتُ بالأمر، كان كلامها صحيحًا.
المسافة بين البرج السحري ومركز الشمال بعيدة نسبيًّا، وغالبًا ما كانت الحمام الزاجل العادي يتعب ويسقط في الطريق.
وكان لا بدّ من استبداله في كلّ محطةٍ وسيطة، ما أدّى إلى ضياع أو فقدان وثائق مهمّة.
ولهذا السبب كان البرج السحري يعاني من هذه المشكلة منذ زمنٍ طويل.
وبينما كنتُ أومئ برأسي، أدركتُ فجأةً.
إذا سلّمتُ بون بون للبرج، فلن أضطرّ بعد الآن لتلقّي طلبات عملٍ غريبة متنكرة في شكل رسائل حبّ، أليس كذلك؟
تلألأت عيناي.
“سأحصل على الموافقة… مهما كلّف الأمر.”
“شكرًا لكِ.”
صفقةٌ ستجعل الجميع سعداء.
بما أنّنا جئنا لتناول الغداء مبكّرًا، كان لدينا وقتٌ لا بأس به.
لم يكن من السهل العودة مباشرةً إلى المختبر.
“ماذا تفعلين عادةً بعد الغداء؟”
“عادةً نتمشّى.”
قالت إنّهم يقضون وقتًا طويلًا محبوسين داخل البرج، فلا ينالون كفايتهم من ضوء الشمس.
وبعضهم ينغمس في البحث لأسابيع دون أن يخرج، فيُسحبون قسرًا ليدوروا حول البرج.
أومأتُ بتفهّم.
هذا ليس تمشّيةً، بل إعادة تأهيل.
“بالنسبة للموظّفين، التمشّي مسألة بقاء.”
“هل تودّين الانضمام؟”
“بالطبع!”
خرجنا من مبنى المطعم إلى الخارج.
استقبلنا دفء شمس العصر.
“هذا أيضًا لا يحدث إلّا لأنّ الطقس تحسّن.
لو لم يوازن الطاهي العناصر الغذائيّة، لكنّا تحوّلنا إلى وحوش منذ زمن.”
“هاها! ما هذا؟”
ضحكتُ بصوتٍ عالٍ من مزحتها.
“لستُ أمزح.”
أشارت وات إلى مكانٍ ما.
كان الناس يدورون حول البرج في اتجاهٍ واحد، كأنّهم زومبي.
“عيونهم بلا روح.”
“قلتُ لكِ إنّي لا أمزح.”
تمتم أحدهم وهو يمرّ أمامنا مترنّحًا.
“آه… سأتحوّل إلى وحش…”
ثمّ واصل الدوران دون أن يلاحظ وجودنا.
سألتني وات وأنا أنظر إليه بشفقة:
“هل تعرفين أيّ قسمٍ يعاني أسوأ تحوّلٍ وحشيّ بسبب التعب؟”
* * *
قسم أبحاث الوحوش، في أعماق الطابق السفليّ للبرج السحري.
حين نطق كايل بكلماته، اتّسعت عيون الباحثين، المحاطة بهالاتٍ سوداء كثيفة، رعبًا.
سأل رئيس القسم، الأقدم خبرة، وهو يمثّل الجميع بوجهٍ شاحب:
“إذًا… إلى متى يجب أن نسلّم تقرير النتائج؟
ربّما لم نسمع جيّدًا.”
“بعد يومين.”
“آه. غريب. هل أصبتُ بضعف سمع؟”
“آه… سأتحوّل إلى وحش.”
“وأنا أيضًا…….”
تمتم أصغر باحثٍ وهو يخرج سريرًا قابلًا للطيّ.
“كان يجب أن أهرب عندما رأيتُ هذا السرير يوم التوظيف.”
تذكّر أصغر باحثٍ رقم 12 اللحظة التي طرق فيها الدوق كايل ديهارت باب القسم قبل خمس ساعات، حاملًا جلد وحشٍ عالي المستوى.
وقتها….
فُتح الباب بعنف.
واندفع الضوء إلى الداخل بلا إنذار.
“آه! من الذي يفتح الباب هكذا؟”
“أغلقوه… الضوء ساطع…”
شدّ الموظّفون الأغطية حتى وجوههم.
كان هذا الوقت عادةً وقت بدء العمل في الأقسام الأخرى.
“لننم ساعةً أخرى ثمّ نبدأ البحث…”
فقد زاد في الآونة الأخيرة ظهور الوحوش المفاجئة في مناطق ذات تفاعل مانا غير طبيعي، وكانوا قد بقوا مستيقظين حتى الفجر للتحقيق.
“استيقظوا.”
ظنّوه في البداية هلوسة.
“سأعدّ حتى ثلاثة.”
قبل أن يدركوا من هو صاحب العيون الحمراء المتوهّجة في الظلام.
“واحد، اقتطاع ميزانيّة الأنشطة البحثيّة.”
“هاه؟ الدوق!”
“إنّك تحلم… نم مجدّدًا…”
نهض أحدهم بسرعة وأشعل الأنوار وأيقظ الآخرين.
“اثنان، تحديد سقف نفقات المهمّات.”
“لا، إنّه حقًّا الدوق! انهضوا بسرعة!”
ميزانيّتنا على المحكّ!
هل جاء لأنّنا نسينا تقرير الشهر الماضي؟
أم لأنّنا قدّمنا نفقات فندقيّة في مهمّة بحثٍ عن الوحوش؟
وبما أنّ الأقسام الأخرى لم توقظنا، فمن الواضح أنّهم هربوا تاركين القنبلة تنفجر علينا.
حينها فقط فتح الجميع أعينهم، ورأوا كايل واقفًا عند الباب، فنهضوا مذعورين.
“ثلاثة، بقاء قسم أبحاث الوحوش—”
“الجميع مستيقظ!”
وضع كايل الصندوق الذي أحضره أمامهم.
“حان وقت العمل.”
وفي الوقت الحالي
“حالة الحفظ ممتازة!”
“جلد وحشٍ عالي المستوى؟ حتى الحصول عليه صعب!”
لكنّ وجوههم تصلّبت فور سماعهم لخصائصه الغريبة.
“هذا… قد يعيد تأسيس أساس أبحاث الوحوش بالكامل.”
“اشرح.”
أشار الباحث الأقدم إلى النقوش على الجلد.
“أوّلًا، عند إسقاط المانا الموجودة داخله على ورق الكواشف، تبيّن أنّه طقس لعنات.
وبدمج كلامكَ، يُحتمل أنّه أحد طقوس مملكة إلنورت.”
أومأ كايل.
لكنّ الباحث تابع:
“غير أنّه… من وجهة نظري، يبدو أنّه يتحكّم بالأرواح.
إنّه شبيه جدًّا بالسحر الاستحضاريّ.”
“لكنّ الوحوش بلا أرواح.”
أومأ الباحث موافقًا.
“وهنا تكمن المشكلة.”
وأشار إلى مخطّط تشريح الوحوش.
“تبدو ككائنات حيّة، لكنّها تفتقر إلى العنصر الأساسيّ: الروح.”
وتتبّع بإصبعه الخطوط السوداء حول القلب.
“تتكوّن من المانا الفاسدة بدل الروح، ولهذا لا تمتلك وعيًا أو ذكاءً.
إنّها تتحرّك فقط بدافع الشرّ.”
ومع استمرار الشرح، ازدادت وجوه الحاضرين جدّية.
“إمّا أنّ أبحاثنا كانت خاطئة، أو أنّ نوعًا جديدًا من الوحوش الواعية قد ظهر.
وهذا الاحتمال… إيجابيّ نسبيًّا، اكتشاف تاريخيّ.”
“والاحتمال السلبيّ؟”
تردّد الباحث قليلًا قبل أن يجيب بصوتٍ خافت:
“أنّ هناك من يصنع الوحوش قسرًا.”
✧───── ⋆⋅☆⋅⋆ ─────✧
ستجدون الفصول دومًا متقدمةً لهذهِ الرواية في واتباد وقناة الملفات،
حَسابي واتباد : _1Mariana1
( حسابي السابق قد حُذف)
وستجدون الروابط، لحسابي واتباد، وقناة الملفات في أول تعليق~ ❀
التعليقات لهذا الفصل " 60"