.:
الفصل 51
لم يستطع العجوز أن يُجيب بسهولة.
رفعتُ قارورة الدواء بخفّة، وسألتُه وكأنّي أستغرب تردّده.
“يبدو أنّكَ لا تحتاجهُ.”
اهتزّ السائل داخل القارورة بلا صوت، وهو يتمايل.
وفي تلك اللحظة، انتفض جسد الفتاة وسعلت بشدّة.
“كُحّ! كُحّ!”
مع صوت أنفاسها المتلاحقة بعد السعال، نظر إليّ العجوز بعينين مرتجفتين.
ثمّ توسّل إليّ بصوتٍ يفيض رجاءً.
“سأفعل أيّ شيء، فقط أنقذي طفلتي.”
أن نتمكّن من البقاء بأمان في هذه القرية.
وأن يُقدَّم لنا العون إن طلبناه.
في الواقع، ومع انحباس الطرق بسبب العاصفة الثلجيّة، كان أهمّ ما نحتاجه هو مكان نقضي فيه هذا الفجر دون تهديد.
حتّى الآن، كان مير يرتجف قرب الموقد، يعانق جسده الصغير ليتّقي من البرد.
“هذا وكلّ ما طلبتُه سابقًا.”
“أتعهد بذلك على مسؤوليّتي.”
أومأتُ برأسي، وفتحتُ سدّادة القارورة.
انبعث صوتٌ صافٍ خفيف، “بوب”، وهي تُفتح.
وضعتُ فم القارورة على شفتي الفتاة، وسكبتُ الدواء ببطء.
تحرّكت حنجرتها حركةً صغيرة وهي تبتلع السائل.
كان العجوز يراقب المشهد وهو يقبض على يديه بقوّة، كأنّه يحاول إخفاء قلقه.
بعد أن تأكّدتُ من أنّها ابتلعت آخر قطرة، أنزلتُ القارورة.
“ستتحسّن حالتها قريبًا.”
“آه…….”
وبعد قليل، عاد النفس المنتظم إلى صدرها، وبدأت الحياة تدبّ تدريجيًّا في وجهها الذي كان شاحبًا أزرق.
ارتعشت رموشها بخفّة، ثمّ انفتحت عيناها المغلقتان ببطء.
ومع عودة التركيز إلى نظرتها، خرج صوتٌ صغير من بين شفتيها.
“جدّي…….”
“ليفي!”
نادى العجوز اسمها بصوتٍ مرتفع، وأمسك يدها فجأة.
ثمّ تمتم ودموعه معلّقة في عينيه.
“يا إلهي… ياللقدر…… .”
كان الدوق الأكبر، الذي راقب كلّ شيء بصمت حتّى الآن، يبدو غير راضٍ عن الموقف، فقال بلهجة مائلة.
“التي أنقذتها هي الآنسة، لكنّه يفكر بالقدر.”
وكأنّه أدرك ذلك، نهض العجوز على عجل، وانحنى لنا بانحناءة عميقة.
كانت تحيّته منخفضة حتّى كادت تمسّ الأرض.
وبينما شعرتُ أنا بالارتباك، بدا على الدوق الأكبر تعبيرٌ غامض.
“لن أنسى هذا الفضل ما حييت.”
قالها العجوز بصوتٍ صادق.
كنتُ على وشك أن أقول إنّ الأمر لا يستدعي ذلك، لكنّ الدوق الأكبر أشار برأسه نحو الباب.
“ونظّفوا ما في الخارج أيضًا.”
وما إن انتهى من كلامه، حتّى انفتح الباب بعنف.
اندفع رجلٌ ضخم الجسد، بلحية كثيفة، قابضًا على رمح، نحونا.
“يا رئيس القرية!”
رفع الدوق الأكبر سيفه بسرعة، وصَدَّ الرمح.
دوّى صوت اصطدام المعدن داخل البيت.
“غرين!”
“يبدو أنّ حسن استقبال الضيوف في هذه القرية سيّئ للغاية.”
يبدو أنّه ظنّ أنّنا نؤذيهِ.
نظر إليّ الدوق الأكبر وكأنّه يسأل إن كان يحقّ له الهجوم، لكنّي هززتُ رأسي نفيًا.
كنتُ أعلم أنّه يراعي موقفي منذ البداية.
نقر بلسانه بخفّة، وأضاف.
“لم تمرّ سوى ثوانٍ منذ وعدتم بضمان الأمان، فهل يُعقل الوثوق بذلك؟”
“أنزِل سلاحك! لقد وعدنا بعدم الهجوم.”
عند كلام العجوز، مسح غرين بنظره الحاد وجهي ووجه الدوق الأكبر.
كانت عيناه مليئتين بالحذر.
وصاح وهو لا يزال ممسكًا برمحه.
“هؤلاء ليسوا أشخاصًا ذوي هويّة معروفة أصلًا!”
“سأشرح لك. أنزل السلاح أوّلًا—”
“هذا التهاون هو ما يجلب الخطر! يجب طردهم فورًا—”
كان صوته المشحون يكشف عداءه وتوجّسه.
قاطعه العجوز بنبرة هادئة، كأنّه يهدّئ طفلًا.
“هؤلاء عالجوا ليفي.”
“ماذا؟ كيف……؟”
انتقلت نظرة غرين إلى ليفي، حفيدة العجوز، الممدّدة على السرير.
الطفلة التي كانت تزفر أنفاسًا متقطّعة وهي شاحبة من السمّ، كانت الآن نائمة بعمق، وقد عاد الدم إلى وجهها.
“لولا دواؤهم، لماتت طفلتنا هذه الليلة متسمّمة بسمّ الوحوش.”
ظلّ الرجل يحدّق في الطفلة طويلًا، ثمّ تنفّس زفيرًا خافتًا، وأنزل رمحه.
“يا رئيس القرية، حقًّا…….”
“سأتحمّل المسؤوليّة. أعتذر لإثارة الفوضى، وشكرًا لقدومك مسرعًا.”
“……لا بأس.”
ومع تراجع حدّة حذره، تنفّستُ أنا أيضًا الصعداء.
“أعتذر عن سوء الفهم.”
عند اعتذاره البسيط، أسرع العجوز يضيف.
“هذا غرين، قائد حرس القرية. حدثت أمورٌ مقلقة مؤخرًا، فكان متسرّعًا. أعتذر مجدّدًا.”
“أمور مقلقة؟”
أومأ العجوز برأسه، وقد ارتسم الحزن في عينيه.
“منذ فترة، هاجمت وحوشٌ عليا القرية. اختُطف معظم الأطفال…… وكان ابن غرين بينهم.”
“ومتى ظهرت الوحوش العليا؟”
“قبل نحو أسبوع.”
سأل الدوق الأكبر بحدّة.
فرغم ازدياد ظهور الوحوش في شمال الإمبراطوريّة، فإنّ الوحوش العليا ما زالت نادرة الظهور.
وكان ذلك قبل نحو أسبوع، أي بعد انتهاء مزاد الجواهر تقريبًا.
“ليفي كانت مختطفة مع باقي الأطفال، لكنّها تمكّنت من الهرب وحدها، وعادت أمس. وخلال ذلك أُصيبت.”
قال إنّ أهل القرية شكّلوا فرق بحث طوال أسبوع، لكنّهم لم يعثروا على أثر.
وبفضل إحساسها الفطري بالاتّجاه، تمكّنت ليفي، وهي من المتحولين من العودة.
لكنّ إصابتها جعلتها طريحة الفراش، فلم يستطيعوا سماع تفاصيل أكثر.
“ما إن تستعيد ليفي وعيها تمامًا، سنذهب لإنقاذ الأطفال.”
“بحسب كلام ليفي، الأطفال الآخرون أحياء ولم يُصابوا بجروح خطيرة.”
كان في صوت غرين عزيمة واضحة.
عندها عقد الدوق الأكبر حاجبيه وسأل.
“الوحوش… خطفت الأطفال فقط؟”
“نعم.”
“دون أن تقتلهم أو تلتهمهم؟”
تلاقى نظر الرجلين في توتّر.
كان غرين قد التقط الشكّ في كلام الدوق الأكبر.
“لم أرَ وحوشًا كهذه حتّى في ساحات الحرب.”
“هل تلمّح إلى أنّنا نكذب؟”
“إنّما أطرح تساؤلًا منطقيًّا.”
“نحن أيضًا لا نعرف السبب.”
ساد صمتٌ قصير، حتّى بدا صوت احتراق الحطب في الموقد عاليًا على غير العادة.
طَقّ طَقّ.
“آه— عذرًا.”
جاء صوت امرأة متردّد من خارج الباب.
“تانيا؟”
التفت غرين فجأة نحو الباب، وفتحَه وهو ينادي اسمها بارتباك.
“قلتُ لكِ انتظري في البيت.”
“قلقتُ حين لم تعد…….”
“أخبرتكِ أنّ التجوّل وحدكِ خطر.”
“لكن…… خشيتُ أن تختفي أنت أيضًا، فلم أستطع البقاء.”
أمسك غرين يد تانيا بإحكام.
كانت يداها محمرّتين من شدّة البرد.
أشار العجوز لها بالجلوس.
“تانيا، تعالي ودفّئي نفسك قرب الموقد.”
“آه، أعتذر على المجيء في هذا الوقت المتأخّر، يا رئيس القرية.”
“لا بأس. هؤلاء ضيوفنا. وبفضلهم تحسّنت حالة ليفي كثيرًا.”
“يا إلهي.”
نظرت إلى ليفي، التي كانت تتنفّس بهدوء، واتّسعت عيناها، واغرورقت بالدموع.
ضمّ غرين كتفيها برفق.
وبفضل حضور تانيا، لان الجوّ المتوتّر سريعًا.
“شكرًا جزيلًا لكم. كم أنتم لطفاء.”
ابتسمت لنا بودّ، وقدّمت شكرها بصوتٍ خافت.
فانحنيتُ أنا أيضًا بخفّة ردًّا للتحيّة.
“أوه، هناك طفل متحول لم أره من قبل.”
انتفض مير عند توجّه الكلام إليه.
فاستغربتُ كيف عرفت فورًا أنّه من المتحولين، وسألتها.
“هل يستطيع المتحولين التعرّف إلى بعضهم؟”
“إلى حدٍّ ما! الأطفال خصوصًا تظلّ فيهم هالة المتحولين واضحة.”
كانت معلومة جديدة بالنسبة لي.
كنت أظنّ أنّه لا يمكن التمييز بينهم وبين البشر ما لم يتحوّلوا إلى هيئتهم الحيوانيّة.
“مرحبًا، كم عمرك؟”
كان مير يحرّك عينيه بصمت وهو يدفئ نفسه، لكنّه رمش بدهشة وأجاب.
“ثماني سنوات.”
“في عمر توم تمامًا. رغم أنّ توم أطول قليلًا.”
ثمّ التفتت إلينا وسألت.
“لا بدّ أنّه كان شاقًّا عليكم، زوجان شابّان مع طفل، وسط هذه العاصفة الثلجيّة.”
“هاه؟”
“لا بدّ أنّ السماء أعانتكم لطيبة قلوبكم. أنتما لستما من المتحولين، أليس كذلك؟”
“آه، لا، لسنا كذلك.”
“كما توقّعت. أنتما حقًّا أناس طيّبون.”
إذًا، كانت تظنّ أنّني والدوق الأكبر زوجان، وأنّنا تبنّينا مير.
كنتُ على وشك تصحيح سوء الفهم، لكنّ مير سبقني.
“أنا… أبحث عن أمّي.”
أخرج مير قلادةً كانت معلّقة في عنقه.
وبصوت طَقّ خفيف، انفتحت القلادة، لتكشف صورةً صغيرة لامرأة جميلة تحتضنه، مبتسمة بغمازتين مشرقتين.
همستُ للدوق الأكبر.
“يبدو أنّ والدته أنجبته وحدها.”
بل يكاد يكون الأمر أشبه بالاستنساخ……
كان الشبه بينهما مذهلًا، لدرجة أنّه لو صادفناها صدفة، لعرفنا فورًا أنّها أمّه.
خاصّة الشعر الفضيّ المائل إلى الرمادي، والعينين المتلألئتين.
الفرق الوحيد أنّ عينَي مير مائلتان قليلًا للأعلى، بينما عينا أمّه تنحدران بلطف.
تفحّص العجوز والزوجان القلادة.
“لا أظنّني رأيتُ هذا الوجه من قبل.”
“نحن المتحولون ننتقل كثيرًا بلا انتماء ثابت، فقد لا تكونوا عرفتموها.”
“لكن مع ذلك، نلتقي بعضنا ولو لفترة قصيرة. وهذه القرية نفسها نشأت من تجمّع المتحولين كهؤلاء.”
هزّ العجوز وغرين رأسيهما نفيًا.
“لنسأل أهل القرية نهارًا.”
“تانيا، هل رأيتِها من قبل؟”
امتلأ وجه مير بالتوتّر.
رفعت تانيا رأسها بعد أن حدّقت في الصورة طويلًا.
ثمّ قالت.
“أنا أعرف هذه المرأة.”
التعليقات لهذا الفصل " 51"